وطن-لم يكن المصلّون في أحد مساجد منطقة فيصل المصرية يعرفون عن «العم حسن» سوى أنه رجل سوداني هادئ، يبيع الخضار بالقرب من المسجد ويكسب رزقه بصمت. لكن خلف هذا الرجل البسيط كانت تختبئ قصة تختصر جانباً مؤلماً من مأساة الحرب السودانية، وتكشف كيف دفعت ظروف النزوح آلاف أصحاب الكفاءات إلى العمل في مهن لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم.
فالعم حسن لم يكن بائع خضار فحسب، بل هو البروفيسور حسن عبد الحليم عبد الله، أستاذ الفيزياء وعميد كلية في جامعة الخرطوم، كما انتُخب نقيباً لهيئة أساتذة الجامعة عام 2023.
الحرب تدفع الأستاذ إلى الشارع
أجبرت الحرب في السودان البروفيسور حسن على مغادرة بلاده والتوجه إلى مصر، حيث وجد نفسه أمام واقع جديد تماماً. وبعد أن أمضى سنوات في التدريس والعمل الأكاديمي، أصبح يبيع الخضار في شوارع فيصل لتأمين معيشته، في مشهد يعكس حجم التحول الذي يمكن أن تفرضه الحروب على حياة أصحاب الكفاءات. لم يكن ينقصه العلم أو الخبرة أو المؤهلات، وإنما كانت تنقصه الفرصة المناسبة التي تسمح له بالعودة إلى مجاله.
فرصة في ألمانيا تعيد إليه هويته الأكاديمية
لكن قصة «العم حسن» لم تنتهِ عند عربة الخضار. فبعد فترة من العمل في مصر، صادف إعلاناً عن وظيفة أكاديمية في إحدى الجامعات الألمانية. تقدم للوظيفة مستخدماً سيرته الذاتية وشهاداته وخبرته الأكاديمية، لينافس مئات المتقدمين.
وفي النهاية، وقع عليه الاختيار. وهكذا يستعد البروفيسور حسن لمغادرة مصر متجهاً إلى ألمانيا، ليس كبائع خضار، وإنما أستاذاً جامعياً من جديد، ليعود إلى المجال الذي قضى سنوات طويلة في بنائه.
المصلّون يكتشفون الحقيقة
كانت لحظة وداعه في منطقة فيصل مؤثرة بالنسبة إلى السكان والمصلين الذين اعتادوا رؤيته بائعاً للخضار بالقرب من المسجد. فقد اكتشفوا أن الرجل الذي عرفوه بهذه الصورة البسيطة كان في الحقيقة أستاذاً جامعياً وعالماً في الفيزياء، يحمل مسيرة أكاديمية طويلة. وتحولت قصة «العم حسن» إلى حديث واسع، ليس فقط لأنها قصة نجاح فردية، وإنما لأنها تطرح سؤالاً أكبر: كم من كفاءة سودانية تعيش اليوم الظروف نفسها؟
أطباء ومهندسون وأساتذة في مهن بعيدة عن تخصصاتهم
الحرب السودانية لم تدفع ملايين الأشخاص إلى النزوح فقط، بل تسببت أيضاً في تعطيل مسارات مهنية وأكاديمية كاملة. فبين اللاجئين والنازحين السودانيين يوجد أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وباحثون وصحفيون وأصحاب خبرات مختلفة، وجد بعضهم نفسه مضطراً للعمل في وظائف لا علاقة لها بتخصصه، فقط من أجل تأمين احتياجاته الأساسية.
وقد يكون العمل في أي مهنة شريفة أمراً طبيعياً ومشروعاً، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الظروف الاستثنائية إلى سبب دائم في إهدار الكفاءات البشرية. فطبيب يعمل بعيداً عن الطب، ومهندس لا يستطيع ممارسة الهندسة، وأستاذ جامعي يبيع الخضار، لا يفقدون وظائفهم فقط، بل تفقد المجتمعات أيضاً جزءاً من الخبرات التي يمكن أن تسهم في تطويرها.
اللاجئ ليس مجرد رقم
تكشف قصة البروفيسور حسن جانباً غالباً ما يغيب عن صورة اللجوء. فاللاجئ ليس مجرد شخص يحتاج إلى المساعدات أو مكان آمن للإقامة، وإنما قد يكون صاحب مهنة وخبرة وشهادة ومسيرة طويلة يمكن أن يستفيد منها المجتمع الذي يستضيفه.
ومن هنا، فإن مساعدة اللاجئين لا ينبغي أن تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمكن أن تشمل أيضاً اكتشاف مؤهلاتهم وربطهم بفرص العمل المناسبة، بما يسمح لهم باستعادة استقلالهم والمساهمة في المجتمعات التي يعيشون فيها.
الحرب لا تقتل الأرواح فقط
قصة «العم حسن» تختصر مأساة أوسع من فقدان الوظيفة أو المكانة الاجتماعية. فالحرب في السودان لم تدمّر المنازل والبنية التحتية والمؤسسات فحسب، بل عطلت أيضاً مسارات آلاف العلماء والأطباء والمهندسين والأساتذة والباحثين.
وهؤلاء يمثلون ثروة بشرية كان يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في إعادة بناء السودان عندما تنتهي الحرب. ولذلك، فإن الحفاظ على الكفاءات السودانية ودعمها لا يمثل قضية فردية، بل جزءاً من معركة الحفاظ على مستقبل البلاد نفسها.
كم «عم حسن» ينتظر فرصة؟
ربما تكون قصة البروفيسور حسن استثناءً تمكن من استعادة مساره المهني بعد أن وجد فرصة في ألمانيا، لكن السؤال الذي تتركه خلفها أكثر أهمية:
كم «عم حسن» آخر يعيش اليوم بين اللاجئين السودانيين؟
قصة البروفيسور حسن تقول إن الحرب قد تدفن تحت ركامها أكثر من الأرواح والمنازل؛ فقد تدفن أيضاً كفاءات بشرية قادرة على بناء وطن كامل. وكم طبيباً يعمل في مهنة أخرى؟ وكم مهندساً أو أستاذاً جامعياً أو باحثاً ينتظر فرصة تعيد إليه تخصصه؟ وكم من كفاءة تحولت بفعل الحرب والنزوح إلى مجرد اسم في ملف لجوء؟ وربما خلف كل لاجئ يعمل في مهنة لا تشبهه، قصة أخرى لم تُكتشف بعد.
اقرأ المزيد
حاكم دبي يواجه احتجاجات في لندن بسبب اتهامات بتورط الإمارات في حرب السودان
«داون» تطالب بحظر فوري للسلاح على الإمارات بسبب حرب السودان واتهامات دعم قوات الدعم السريع

