وطن-تتحول الانتخابات في الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر ساحات الإنفاق السياسي في العالم، إذ لا تذهب مليارات الدولارات التي تُضخ في الحملات الانتخابية فقط إلى تمويل العمليات الانتخابية، بل تُستخدم بصورة أساسية للتأثير في الرسائل السياسية وصورة المرشحين واتجاهات الناخبين.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي“، أنفق الأفراد والجماعات والجهات الخارجية نحو 5 مليارات دولار خلال دورة الانتخابات الرئاسية والتشريعية لعام 2024، مقارنة بأقل من مليار دولار قبل عام 2010.
لماذا يتزايد الإنفاق الانتخابي؟
يرتبط جزء كبير من ارتفاع الإنفاق بالتغيرات القانونية التي أعادت تشكيل قواعد تمويل الحملات في الولايات المتحدة، ولا سيما قرار المحكمة العليا في قضية «سيتيزنز يونايتد» عام 2010.
وقضت المحكمة آنذاك بإلغاء القيود المفروضة على إنفاق الشركات وجماعات المصالح للتأثير في الانتخابات، معتبرة أن الإنفاق السياسي يندرج ضمن حرية التعبير التي يحميها الدستور الأميركي.
ومهد هذا القرار الطريق أمام توسع نفوذ ما يعرف بـلجان العمل السياسي الفائقة، أو «سوبر باك»، التي تستطيع جمع وإنفاق مبالغ ضخمة لدعم مرشحين أو مهاجمة منافسيهم، شريطة ألا تنسق بصورة مباشرة مع الحملات الانتخابية.
انتخابات بتكلفة ملايين الدولارات
تظهر الانتخابات التمهيدية الأخيرة في ولاية ميشيغان حجم الأموال التي يمكن أن تدخل سباقاً انتخابياً واحداً.
وبحسب التقرير، حصل أكثر من 50 مليون دولار من جماعات وشركات ومنظمات ذات مصالح محددة على دعم للمرشحة الديمقراطية هيلي ستيفنز في مواجهة عبد السلام السيد، الذي تمكن في النهاية من تحقيق مفاجأة والفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ.
وأنفقت جماعات مؤيدة لإسرائيل نحو 30 مليون دولار في محاولة لدعم ستيفنز، بينما استفاد السيد من أكثر بقليل من 5 ملايين دولار من الإنفاق الخارجي، معظمها جاء من مجموعة تقدمية.
ولا تشمل هذه الأرقام الأموال التي جمعتها الحملات الانتخابية نفسها من التبرعات، كما أن هذه النفقات تعلقت بالانتخابات التمهيدية وحدها، قبل الوصول إلى الانتخابات العامة.
ما الفرق بين «باك» و«سوبر باك»؟
تسمح القوانين الأميركية للأفراد بالتبرع مباشرة للمرشحين ضمن حدود مالية محددة. لكن الأشخاص الذين يرغبون في دعم قضية أو مرشح من خلال كيان سياسي يمكنهم إنشاء لجنة عمل سياسي «باك».
وتخضع هذه اللجان لقواعد تسجيل وتمويل محددة، كما توجد حدود للتبرعات التي يمكن أن تتلقاها من الأفراد.
أما «سوبر باك» فتتمتع بقدرة إنفاق مختلفة جذرياً، إذ يمكنها جمع مبالغ غير محدودة من الأفراد والشركات وإنفاقها بصورة مستقلة لدعم مرشح أو معارضة مرشح آخر.
وقال خبراء نقلت عنهم «ميدل إيست آي» إن شخصاً ثرياً يمكنه، على سبيل المثال، تقديم أكثر من 100 مليون دولار إلى جهة من هذا النوع، لتستخدمها في الإنفاق السياسي، ما دام الإنفاق معلناً وفق القواعد المعمول بها.
ومن أبرز الأمثلة مشروع الديمقراطية المتحدة، وهو الذراع الخاصة بالإنفاق الخارجي المرتبط بجماعات مؤيدة لإسرائيل، والذي أنفق أكثر من 60 مليون دولار خلال دورة انتخابات 2024.
ما المقصود بـ«الأموال المظلمة»؟
لا تتوقف المشكلة عند الأموال المعلنة، إذ توجد أيضاً شبكة واسعة من التمويل السياسي تعرف باسم «الأموال المظلمة»، وهي أموال تُستخدم للتأثير في الانتخابات من خلال كيانات لا يكون من السهل دائماً معرفة الممول النهائي لها.
ووفق الخبراء الذين تحدثت إليهم الصحيفة، تنفق بعض هذه الجهات ملايين الدولارات على إعلانات تمتدح مرشحاً أو تهاجمه من دون استخدام عبارات مباشرة تدعو إلى التصويت له أو ضده. وبذلك تحاول تجنب بعض متطلبات الإفصاح عن الإنفاق السياسي.
وفي بعض الحالات، يمكن لمتبرع مجهول أن يموّل منظمة غير ربحية، ثم تحول المنظمة الأموال إلى «سوبر باك»، ما يجعل تتبع المصدر النهائي للتمويل أكثر صعوبة. كما يمكن استخدام شركات وسيطة وهياكل قانونية معقدة لإخفاء الجهة التي تقف وراء الإنفاق.
وتشير تقديرات نقلتها «ميدل إيست آي» إلى أن الجهات المرتبطة بهذا النوع من التمويل أنفقت أكثر من 4 مليارات دولار على الانتخابات الفيدرالية منذ قرار «سيتيزنز يونايتد» عام 2010.
من ينفق أكثر؟
خلال دورة انتخابات 2024، تفوقت جماعات المصالح المؤيدة للجمهوريين على نظيرتها المؤيدة للديمقراطيين في الإنفاق الخارجي، بنسبة بلغت 65% مقابل 29%، وفق البيانات التي أوردها التقرير.
وكان «سوبر باك» الداعم لدونالد ترامب، المعروف باسم «اجعل أميركا عظيمة مجدداً»، من أكبر جامعي الأموال، بعدما جمع نحو 410 ملايين دولار لدعم حملة ترامب وأجندته السياسية.
وتشكل القضايا الأيديولوجية والمصالح المحددة الجزء الأكبر من الإنفاق الخارجي، بما يشمل حقوق حمل السلاح، والإجهاض، والسياسات الدفاعية، والنفط والغاز.
كما تحافظ جماعات اقتصادية ومهنية كبرى، مثل غرفة التجارة الأميركية والرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين وقطاع الصناعات الدوائية، على حضور قوي في تمويل النشاط السياسي والضغط على صناع القرار.
هل يشتري المال الانتخابات؟
تبدو العلاقة بين المال والنتائج الانتخابية أكثر تعقيداً من مجرد القول إن المرشح الذي ينفق أكثر يفوز دائماً.
وقال كريغ هولمان، خبير شؤون الضغط السياسي في منظمة «بابليك سيتيزن»، إن الأموال غالباً ما تكون عاملاً حاسماً، مشيراً إلى أن المرشح الذي ينفق أكثر يفوز في الغالبية الساحقة من الحالات.
لكن فوز عبد السلام السيد في الانتخابات التمهيدية بميشيغان، رغم التفوق الكبير لمنافسته في الإنفاق الخارجي، يمثل مثالاً على أن الأموال لا تضمن النتيجة دائماً.
ويرى خبراء آخرون أن المال يمكن أن يكون مؤشراً على شعبية المرشح وقدرته على استقطاب الدعم، لكنه في الوقت نفسه يمنح الأثرياء والشركات والجماعات ذات الموارد المالية الضخمة قدرة أكبر على التأثير في المجال السياسي.
كيف يؤثر المال في الديمقراطية الأميركية؟
يشكل استمرار جمع الأموال تحدياً دائماً للسياسيين الأميركيين، خصوصاً أن أعضاء مجلس النواب يخوضون انتخابات كل عامين، وأعضاء مجلس الشيوخ كل ست سنوات، بينما تجرى الانتخابات الرئاسية كل أربع سنوات.
وبالتالي، يجد السياسي نفسه في كثير من الأحيان مضطراً إلى التفكير في تمويل حملته المقبلة حتى أثناء ممارسة مهامه الحالية.
ويحذر منتقدو النظام من أن ذلك قد يمنح الأثرياء والشركات وجماعات المصالح نفوذاً يفوق بكثير تأثير المواطن العادي، خصوصاً عندما يستطيع ممول واحد ضخ عشرات أو مئات الملايين من الدولارات في قضية أو مرشح.
في المقابل، يرى مؤيدون للإنفاق السياسي أن جمع الأموال يمثل شكلاً من أشكال حرية التعبير، وأن القيود الصارمة يمكن أن تحد من قدرة المواطنين والمنظمات على المشاركة في الحياة السياسية.
محاولات لإصلاح نظام التمويل
توجد محاولات عدة لإصلاح نظام تمويل الحملات، ويتركز بعضها على مستوى الولايات، خصوصاً في ما يتعلق بزيادة الشفافية والكشف عن مصادر الأموال.
وفي ميشيغان، برزت مبادرات تدعو إلى منع شركات المرافق والشركات الكبرى من تقديم تبرعات للحملات السياسية، إلى جانب المطالبة بالكشف بصورة أوضح عن الجهات التي تمول الإعلانات السياسية.
كما يدافع مركز برينان للعدالة التابع لجامعة نيويورك عن نظام يقوم على التمويل العام للحملات من خلال التبرعات الصغيرة، بحيث تضاعف الأموال العامة قيمة التبرعات المحدودة التي يقدمها المواطنون.
ويهدف هذا النموذج إلى دفع المرشحين إلى البحث عن عدد أكبر من المؤيدين بدلاً من الاعتماد على حفنة من كبار الممولين.
معركة بين المال والشفافية
تكشف تجربة الانتخابات الأميركية أن تكلفة الوصول إلى السلطة لا ترتبط فقط بتشغيل مراكز الاقتراع أو تنظيم الحملات، بل بمعركة ضخمة على تشكيل الرأي العام.
فالإعلانات التلفزيونية، والإعلانات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل السياسية والهجمات الإعلامية أصبحت جميعها ساحات يمكن أن تُضخ فيها ملايين الدولارات.
وبينما تسمح القوانين بإنفاق واسع باسم حرية التعبير، يرى منتقدون أن اتساع دائرة الإنفاق غير المحدود وظهور «الأموال المظلمة» جعلا من الصعب على الناخب معرفة من يدفع فعلياً مقابل الرسالة السياسية التي تصل إليه.
وهكذا، لا تتمثل المشكلة في أن الانتخابات الأميركية باهظة التكلفة فحسب، بل في أن المال أصبح جزءاً أساسياً من المعركة على تشكيل السياسة الأميركية نفسها، ما يطرح سؤالاً متجدداً حول حدود تأثير الثروة في الديمقراطية وقدرة المواطن العادي على منافسة أصحاب النفوذ المالي الكبير.
اقرأ المزيد
انتصار تقدمي مفاجئ في فلوريدا.. وانتكاسات لحلفاء ترامب في الانتخابات التمهيدية
النائب الأمريكي أندي أوغلز المعروف بمواقفه المناهضة للمسلمين يخسر الانتخابات التمهيدية للجمهوريين
“ترامب يعلم أنه يخسر”.. صحيفة أميركية ترى أن خطابه عن الانتخابات كشف أزمة الجمهوريين
عائشة وهاب تهزم مرشحة مدعومة من لوبي إسرائيل.. ضربة جديدة لـ”إيباك” داخل الديمقراطيين

