وطن-تصاعدت الضغوط داخل البرلمان البريطاني على حكومة لندن لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعد تحقيق صحفي خلص إلى أن الهجوم الإسرائيلي المزدوج على مستشفى ناصر في جنوب قطاع غزة، والذي أسفر عن مقتل 20 فلسطينياً، بينهم صحفيون ومسعفون وعناصر إنقاذ، قد يرقى إلى جرائم حرب.
وقالت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية إن تحقيقها بشأن الهجوم الذي استهدف مستشفى ناصر في خان يونس في 25 أغسطس 2025 أثار تساؤلات قانونية خطيرة حول طبيعة الضربات الإسرائيلية، خصوصاً أنها نُفذت على مرحلتين، في ما يُعرف عسكرياً بـ«الضربة المزدوجة»، أي استهداف الموقع نفسه مرة ثانية بعد وصول المسعفين والصحفيين وعناصر الإنقاذ إليه.
20 قتيلاً في هجوم مستشفى ناصر
أسفر الهجوم عن مقتل 20 شخصاً، بينهم مراسلا موقع “ميدل إيست آي” في غزة، محمد سلامة وأحمد أبو عزيز، إلى جانب مراسلة صحيفة “الإندبندنت” مريم أبو دقة، والمصور الفلسطيني حسام المصري، الذي كان يعمل مع وكالة “رويترز”.
وبحسب التحقيق، أصابت الضربة الأولى المصور حسام المصري أثناء تشغيله كاميرته في محيط المستشفى، ما أدى إلى مقتله على الفور. وبعد دقائق، توجه صحفيون ومسعفون وأفراد من الدفاع المدني إلى المكان لتغطية الحادث ومحاولة إنقاذ المصابين.
ثم وقعت الضربة الثانية بعد نحو ثماني دقائق، عندما كان عدد من الصحفيين والمسعفين وعناصر الإنقاذ قد تجمعوا في الموقع، وفق ما أوردته الصحيفة. وأطلقت دبابتان إسرائيليتان قذيفتين إضافيتين باتجاه المجموعة، ما أدى إلى مقتل 19 شخصاً، بينما وثقت كاميرات البث المباشر لحظة الاستهداف.
خبراء قانونيون يثيرون شبهة جرائم حرب
ونقلت “الإندبندنت” عن خبراء في القانون الدولي قولهم إن الهجوم يثير مخاوف جدية بشأن احتمال ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للمدنيين وشن هجوم غير متناسب.
ويرى الخبراء أن الضربة الثانية تمثل الجانب الأكثر إثارة للقلق، نظراً إلى أنها وقعت بعد وصول الصحفيين والمسعفين وعناصر الإنقاذ إلى الموقع الذي تعرض للقصف الأول.
وتنفي إسرائيل ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، وتؤكد باستمرار أنها لا تستهدف الصحفيين. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أعقاب الحادث، ما جرى بأنه «حادث مأساوي».
رواية إسرائيلية تحت التدقيق
وكان الجيش الإسرائيلي قد قال إن الهدف كان كاميرا زعم أنها «وُضعت من قبل حماس» لمراقبة تحركات القوات الإسرائيلية، كما أعلن مقتل ستة «إرهابيين» في الهجوم.
لكن تحقيق “الإندبندنت” تمكن من تحديد هوية اثنين من الأشخاص الستة الذين تحدث عنهم الجيش الإسرائيلي، وخلص إلى أن أحدهما كان يعمل في المستشفى، بينما كان الآخر من عناصر الدفاع المدني الذين شاركوا في عمليات الإنقاذ.
وأشارت الصحيفة إلى أن الجيش الإسرائيلي قدم خلال الحرب على غزة ادعاءات بشأن وجود أنشطة عسكرية لتبرير عدد من الضربات التي أوقعت قتلى مدنيين.
كما أظهر التحقيق، بحسب الصحيفة، أن الجيش لم يتواصل مع إدارة مستشفى ناصر بشأن مزاعمه المتعلقة بالكاميرا، رغم امتلاكه أرقام هواتف عدد من العاملين في المستشفى.
مسربون إسرائيليون يكشفون آلية الموافقة
وأفادت “الإندبندنت”، استناداً إلى إفادات أشخاص مسربين من داخل إسرائيل، بأن أي هجوم على مستشفى كان يتطلب موافقة على مستوى كتيبة على الأقل داخل الجيش الإسرائيلي، إلى جانب تخطيط مسبق.
وقد يضع ذلك الرواية الإسرائيلية بشأن ظروف الهجوم تحت مزيد من التدقيق، خصوصاً في ظل التساؤلات المتعلقة بالضربة الثانية وتوقيت تنفيذها.
نواب بريطانيون يطالبون بالمساءلة
وأثار التحقيق تحركات داخل البرلمان البريطاني، إذ طالب عدد من النواب حكومة لندن باتخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه إسرائيل وفتح مسار واضح للمساءلة.
وقالت سارة تشامبيون، النائبة عن حزب العمال ورئيسة لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، للصحيفة إن المجتمع الدولي لا ينبغي أن يتعامل مع مقتل الصحفيين والمدنيين والمسعفين والعاملين في المجال الإنساني باعتباره أمراً بلا عواقب.
وأكدت تشامبيون أن اتفاقيات جنيف وضعت قواعد أساسية لحماية المدنيين وتنظيم سلوك الأطراف خلال النزاعات، مشددة على ضرورة احترامها ومحاسبة من يتجاوزها.
مطالبة بتسليم الأدلة للمحاكم الدولية
من جهتها، قالت النائبة عن حزب الديمقراطيين الأحرار ليلى موران إنها تخشى أن تكون بريطانيا تحتفظ بأدلة لم تُقدم إلى الجهات المختصة في إطار التحقيقات والمحاكمات الدولية المحتملة المتعلقة بجرائم الحرب والاتهامات المرتبطة بالحرب في غزة.
ودعت موران الحكومة البريطانية إلى تسليم أي معلومات ذات صلة بصورة طوعية واستباقية، حتى تتمكن الجهات القانونية المختصة من فحصها وتقييمها.
دعوات لفرض عقوبات على إسرائيل
كما طالبت النائبة العمالية رايتشل ماسكل بمحاسبة الجيش الإسرائيلي أمام المحاكم الدولية، مشيرة إلى أنها تحدثت إلى مسعفين عملوا في غزة وأبلغوا نواباً بريطانيين بما وصفوه بانتهاكات واستهداف للعاملين في المجال الإنساني.
ودعت ماسكل الحكومة البريطانية إلى اتخاذ «أقوى الإجراءات»، بما في ذلك وقف أشكال التجارة مع إسرائيل وتشديد العقوبات على الحكومة الإسرائيلية، بهدف زيادة الضغط والمساءلة بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
استهداف الصحفيين والعاملين الطبيين
ويأتي الجدل البريطاني في وقت تتزايد فيه المطالب الدولية بإجراء تحقيقات مستقلة بشأن الهجمات التي استهدفت الصحفيين والعاملين الطبيين والإنسانيين في غزة، إضافة إلى منشآت صحية ومواقع يفترض أن تحظى بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.
ويضع تحقيق “الإندبندنت” هجوم مستشفى ناصر أمام اختبار جديد، ليس فقط للرواية الإسرائيلية بشأن أهداف الضربة، وإنما أيضاً لمدى استعداد بريطانيا والمجتمع الدولي للتعامل بجدية مع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المحتملة ومساءلة المسؤولين عنها.
اقرأ أيضاً
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم
بريطانيا تدين بن غفير بعد دعوته لقتل فلسطينيين في غزة وتلوّح بإجراءات ضد إسرائيل
ضربة جبهة التهدئة: 9 شهداء في غارة إسرائيلية تفتح مجدداً ملف الاستهدافات داخل غزة
في الذكرى الأولى لاستشهاد أنس الشريف: منصة رقمية تروي حكايات صحفيي غزة عبر الرسائل الصوتية

