وطن-أثارت تعديلات رُصدت في عدد من الكتب المدرسية السعودية نقاشاً واسعاً بشأن الطريقة التي تُقدَّم بها القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي للأجيال الجديدة، بعدما حظيت هذه التغييرات بإشادة من جهات ووسائل إعلام إسرائيلية اعتبرتها مؤشراً على تحول في الخطاب التعليمي السعودي.
وتشمل التعديلات التي تناولتها تقارير متخصصة تغيير بعض المصطلحات والإشارات المتعلقة بفلسطين والقدس وإسرائيل، إلى جانب تعديلات في بعض الخرائط والنصوص والصور التي تتناول تاريخ الصراع في المنطقة. وبينما تقدم هذه التغييرات باعتبارها جزءاً من توجه نحو تطوير المناهج وتعزيز التسامح، يرى منتقدون أنها قد تؤدي إلى تقليص حضور القضية الفلسطينية في الوعي التاريخي للطلاب.
تغييرات في المصطلحات والخرائط
من بين الأمثلة التي أوردتها التقارير حذف عبارة «لن يتخلى المسلمون عن القدس» من بعض الطبعات الجديدة، إلى جانب استبدال تعبير «العدو الصهيوني» في بعض المواضع بعبارة «الاحتلال الإسرائيلي».
كما رُصدت تعديلات في بعض الخرائط، بما في ذلك حالات لم تعد تظهر فيها تسمية «فلسطين» في مناطق كانت تحمل الاسم في طبعات سابقة. وشملت التغييرات أيضاً بعض النصوص والصور والإشارات المتعلقة بتاريخ فلسطين والقدس والصراع العربي الإسرائيلي.
ولا تعني هذه التعديلات، في حد ذاتها، اختفاء القضية الفلسطينية من المناهج السعودية، لكنها تشير إلى تغير في الطريقة والمصطلحات المستخدمة في تناولها، وهو ما جعلها موضع اهتمام سياسي وإعلامي خارج السعودية.
إشادة إسرائيلية بالتعديلات
اللافت في هذه القضية أن مؤسسة إمباكت-سي الإسرائيلية، المتخصصة في مراقبة المناهج التعليمية، رحبت بما وصفته بالتطور نحو مزيد من التسامح والاعتدال في الكتب المدرسية السعودية.
كما تناولت وسائل إعلام إسرائيلية التغييرات بإيجابية، معتبرة أن تخفيف بعض المضامين المعادية لإسرائيل يمكن أن يساهم في تكوين جيل سعودي أكثر تقبلاً لفكرة إقامة علاقات مستقبلية مع إسرائيل.
ويمنح هذا الترحيب الإسرائيلي التعديلات بعداً يتجاوز النقاش التربوي، خصوصاً أن المناهج المدرسية تعد من أهم الأدوات التي تشكل الوعي التاريخي والسياسي لدى الأجيال الجديدة.
بين تحديث التعليم وإعادة تشكيل الذاكرة
تؤكد السلطات التعليمية عادةً أن تطوير المناهج يهدف إلى تحديث المحتوى، وتعزيز التفكير النقدي، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، وتقديم القضايا التاريخية والسياسية بلغة أكثر اتزاناً.
لكن منتقدين يرون أن المشكلة لا تكمن في تغيير المصطلحات بحد ذاته، وإنما في احتمال أن يؤدي حذف أسماء أو أحداث أو صور من الكتب إلى تقليص معرفة الطلاب بالسياق التاريخي للقضية الفلسطينية.
فالمنهج الدراسي لا يحدد فقط ما يتعلمه الطالب، وإنما يحدد أيضاً ما يراه مهماً في تاريخ المنطقة، وكيف يتعرف إلى الشعوب والأحداث والصراعات التي شكلت حاضرها.
فلسطين والقدس في المناهج السعودية
لطالما احتلت فلسطين والقدس موقعاً بارزاً في الخطاب التعليمي العربي، باعتبارهما جزءاً من التاريخ السياسي والديني للمنطقة.
ومن ثم، فإن تقليص حضور هذه الموضوعات أو إعادة صياغتها يمكن أن يغير تدريجياً الطريقة التي يتعامل بها الطلاب مع القضية الفلسطينية، حتى من دون حذفها بالكامل من المناهج.
وهذا ما يفسر الاهتمام الإسرائيلي بهذه التغييرات، إذ لا يتعلق الأمر فقط بما يرد في كتاب مدرسي، وإنما بما يمكن أن تعنيه هذه التحولات على المدى الطويل بالنسبة إلى مواقف الأجيال السعودية تجاه إسرائيل والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
تحولات سياسية أوسع
تأتي هذه التغييرات في سياق تحولات أوسع تشهدها السعودية والمنطقة، مع إعادة صياغة عدد من السياسات والخطابات الرسمية والتعليمية، وانفتاح المملكة على علاقات وشراكات دولية جديدة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تطوير المناهج قد يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة الخطاب التعليمي، بما يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها المملكة.
لكن الربط المباشر بين تعديلات المناهج وبين احتمال إقامة علاقات سعودية إسرائيلية مستقبلية يبقى استنتاجاً سياسياً، ولا يمكن اعتباره نتيجة مؤكدة لمجرد تغيير بعض المصطلحات أو المحتويات التعليمية.
معركة على الذاكرة
في النهاية، تتجاوز القضية مسألة حذف جملة أو تغيير مصطلح. فالتعليم يشكل إحدى أهم الأدوات التي تنتقل عبرها الذاكرة التاريخية من جيل إلى آخر. وكل تغيير في طريقة عرض فلسطين والقدس وإسرائيل يمكن أن يؤثر في كيفية فهم الأجيال الجديدة لهذا التاريخ.
وبين من يرى في التعديلات إصلاحاً تعليمياً ضرورياً، ومن يخشى أن تتحول إلى إعادة صياغة للذاكرة الفلسطينية في الوعي العربي، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تعمل السعودية على تحديث مناهجها لتناسب مرحلة جديدة، أم أن هذه التغييرات تعيد تدريجياً تعريف موقع فلسطين في ذاكرة الجيل الجديد؟
اقرأ المزيد
خلف الحبتور ينتقد تصريحات بن غفير عن قتل الفلسطينيين ويتساءل عن جدوى السلام مع إسرائيل
خريطة فلسطين تشعل الغضب الإسرائيلي.. هاكان فيدان يصعّد والضغط على نتنياهو يتزايد
تعديلات المناهج السعودية تثير الجدل بعد حذف عبارة “لن يتخلى المسلمون عن القدس”

