وطن-قد يبدو حمل كوب فارغ إلى المطبخ فور الانتهاء منه تصرفًا طبيعيًا يدل على التنظيم، لكن علماء النفس ينظرون إلى هذا السلوك من زاوية مختلفة. فقد يكون مثالًا على ظاهرة تُعرف باسم «المماطلة المسبقة»، وهي ميل الشخص إلى إنجاز المهمة في أقرب وقت ممكن، حتى عندما يكون تأجيلها قليلًا أكثر كفاءة وأقل جهدًا.
وبحسب مجلة “سان إي ناتيرال” الفرنسية متخصصة في العلوم والطبيعة، فإن هذه الظاهرة أكثر شيوعًا مما قد يعتقد كثيرون، ولا ترتبط بالضرورة بحب النظام أو نفاد الصبر. ففي بعض الحالات، قد يكون الدافع الحقيقي هو رغبة الدماغ في التخلص سريعًا من مهمة ما تزال عالقة في الذاكرة وتحتاج إلى المتابعة.
لماذا نحمل الكوب فورًا؟
من الناحية العملية، قد يكون من الأسهل ترك الكوب على الطاولة إلى حين الانتهاء من بقية الأشياء، ثم نقل الأكواب والأطباق إلى المطبخ في رحلة واحدة. لكن بعض الأشخاص يفضلون نقل الكوب فورًا، حتى لو اضطروا إلى تكرار الرحلة بعد دقائق. والسبب المحتمل هو أن إنهاء المهمة يمنحهم شعورًا بالراحة. فبمجرد وضع الكوب في المطبخ، لم يعد عليهم تذكره أو التفكير في ضرورة نقله لاحقًا. وهنا تظهر مفارقة مثيرة للاهتمام: قد يقبل الإنسان ببذل جهد بدني أكبر مقابل تخفيف مهمة صغيرة من قائمة الأشياء التي يجب أن يتذكرها.
تجربة الدلو كشفت الظاهرة
بدأ الاهتمام العلمي بما يسمى «المماطلة المسبقة» بصورة واضحة عام 2014، عندما أجرى عالم النفس ديفيد روزنباوم، بالتعاون مع الباحثين لانيون غونغ وكوري آدم بوتس، تجربة لدراسة الطريقة التي يتخذ بها الأشخاص قراراتهم أثناء أداء المهام.
وطُلب من المشاركين السير في ممر ونقل أحد دلوين إلى نقطة النهاية. وكان أحد الدلوين قريبًا من نقطة البداية، بينما كان الآخر أقرب إلى النهاية. ومن المفترض منطقيًا أن يختار الشخص الدلو الأقرب إلى النهاية، لأنه سيحتاج إلى حمله لمسافة أقصر.
لكن النتيجة كانت مختلفة؛ إذ اختار معظم المشاركين الدلو القريب منهم عند بداية الممر، على الرغم من أن ذلك يعني حمله لمسافة أطول وبذل جهد أكبر. وأطلق الباحثون على هذا السلوك اسم المماطلة المسبقة، أي الميل إلى إنهاء المهمة مبكرًا بدل تأجيلها إلى الوقت الذي يصبح فيه إنجازها أكثر كفاءة.
عندما تتغلب الراحة الذهنية على الكفاءة
إحدى أبرز التفسيرات لهذه الظاهرة ترتبط بما يعرف بـالعبء الذهني أو الحمل الذي تفرضه المهام غير المنجزة على الذاكرة والانتباه. فالمهمة التي لم تنتهِ بعد قد تظل موجودة في ذهن الإنسان، حتى لو لم يكن يفكر فيها بشكل مباشر. وبمجرد إنجازها، يشعر بأنه تخلص من شيء كان يحتاج إلى المتابعة.
وأشارت أبحاث لاحقة إلى أن إنهاء المهمة قد يحرر جزءًا من الانتباه والذاكرة العاملة، وهو ما يمكن أن يفسر استعداد الإنسان أحيانًا لبذل جهد بدني إضافي مقابل الحصول على راحة ذهنية أسرع.
لذلك، فإن الشخص الذي يحمل كوبًا واحدًا إلى المطبخ لا يبحث بالضرورة عن الطريقة الأكثر توفيرًا للخطوات، وإنما قد يبحث عن الطريقة الأسرع للتخلص من المهمة من ذهنه.
هل يمكن أن تظهر الظاهرة لدى الحيوانات؟
اهتم الباحثون أيضًا بإمكانية وجود سلوك مشابه لدى الحيوانات. وفي عام 2015، درس عالم النفس إدوارد واسرمان سلوك الحمام من خلال تجارب تعتمد على شاشة تعمل باللمس، وكان على الطيور تنفيذ خطوات معينة للحصول على الطعام.
وأظهرت بعض التجارب أن الحمام كان يميل إلى تنفيذ خطوة متاحة فورًا بدل تأجيلها، وهو ما دفع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان هناك شكل من أشكال المماطلة المسبقة لدى الحيوانات. لكن النتائج لم تكن حاسمة. فقد أظهرت تجارب أخرى أن الطيور قد تختار الانتظار في ظروف مختلفة.
ولهذا، لا يزال تفسير هذه السلوكيات لدى الحيوانات محل نقاش، إذ يمكن أن تكون مرتبطة بالتعلم أو توقع المكافأة، وليس بالضرورة بالرغبة في تخفيف العبء الذهني بالطريقة نفسها التي تحدث لدى البشر.
ماذا يقول الكوب الفارغ عن طريقة تفكيرنا؟
لم تختبر التجارب العلمية تحديدًا سيناريو حمل كوب فارغ إلى المطبخ، لكن المثال يتوافق مع المبدأ الذي كشفت عنه الدراسات. فإذا كان أمام الشخص أربعة أكواب، يمكنه الانتظار حتى يجمعها وينقلها جميعًا مرة واحدة. وهذا يوفر خطوات وجهدًا.
لكن الانتظار يعني أيضًا أن عليه الاحتفاظ بالمهمة في ذهنه: «يجب أن أعيد هذه الأكواب إلى المطبخ». أما نقل كوب واحد فورًا، فينهي المهمة في الحال. وهنا يصبح القرار بين نوعين مختلفين من الكلفة: جهد بدني أكبر مقابل عبء ذهني أقل.
لماذا نفضل أحيانًا إنجاز المهمة مبكرًا؟
قد يكون السبب أن المهام غير المكتملة تخلق شعورًا بسيطًا بوجود شيء ما يزال مطلوبًا منا. وهذا الشعور قد يدفع الشخص إلى إنهاء المهمة حتى لو لم يكن ذلك الخيار الأكثر كفاءة.
وتظهر الفكرة في مواقف كثيرة من الحياة اليومية: الرد على رسالة فور وصولها رغم إمكانية الرد لاحقًا، ترتيب غرض واحد مباشرة بدل جمع عدة أغراض، أو إنهاء مهمة صغيرة في اللحظة نفسها بدل دمجها مع مهام مشابهة لاحقًا. وفي كل هذه الحالات، قد تكون الفائدة الأساسية هي الشعور بأن شيئًا ما أصبح «منتهيًا».
تجربة أكياس التسوق تقدم تفسيرًا إضافيًا
في عام 2023، أجرى ديفيد روزنباوم وجوليان ديتلينغ دراسة أخرى تناولت سلوكًا قريبًا من هذه الظاهرة. وطُلب من المشاركين نقل كرات بين صندوقين يفصل بينهما عدد من الأمتار، بحيث تمثل الكرات بصورة رمزية أكياس التسوق.
وكان بإمكان المشاركين تحديد عدد الكرات التي يحملونها في كل رحلة. وأظهرت النتائج ميلًا إلى بذل جهد أكبر في بداية المهمة، من خلال حمل عدد أكبر من الأشياء في الرحلات الأولى، ثم تخفيف الحمل تدريجيًا في الرحلات التالية. ويشير هذا السلوك إلى رغبة في تقليل حجم المهمة المتبقية بسرعة، حتى لو تطلب ذلك بذل جهد أكبر في البداية.
عندما تكون الذاكرة مشغولة
أضاف الباحثون عنصرًا آخر إلى التجربة، إذ طُلب من بعض المشاركين الاحتفاظ بسلسلة من الأرقام في ذاكرتهم أثناء تنفيذ المهمة. وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين تعرضت ذاكرتهم لضغط أكبر أصبحوا أكثر ميلًا إلى إنجاز الجزء الأكبر من المهمة في وقت مبكر.
وهذا يدعم الفكرة القائلة إن العبء الذهني يمكن أن يؤثر في الطريقة التي نوزع بها جهودنا. فعندما يكون العقل منشغلًا بعدد كبير من المعلومات والمهام، قد تصبح الرغبة في التخلص من مهمة صغيرة أكثر قوة، حتى لو كان تأجيلها أكثر توفيرًا للجهد.
ليست كل مماطلة مسبقة سيئة
على الرغم من أن المماطلة المسبقة قد تؤدي أحيانًا إلى إهدار الوقت والطاقة، فإنها ليست بالضرورة سلوكًا سلبيًا دائمًا. فإنجاز المهام الصغيرة فورًا قد يمنح بعض الأشخاص شعورًا بالسيطرة والتنظيم، وقد يساعدهم على تقليل عدد الأمور التي يتعين عليهم تذكرها.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح هذا السلوك متكررًا إلى درجة يؤدي معها إلى مشاوير إضافية أو استهلاك غير ضروري للطاقة أو تعطيل طريقة أكثر كفاءة لإنجاز العمل. ولهذا، قد يكون الحل الأفضل هو معرفة متى يكون إنجاز المهمة فورًا مفيدًا، ومتى يكون الانتظار وتجميع المهام أكثر عقلانية.
بين توفير الجهد وراحة العقل
تكشف ظاهرة المماطلة المسبقة أن الإنسان لا يتخذ قراراته اليومية بناءً على الكفاءة البدنية وحدها. ففي بعض الأحيان، قد يعرف الشخص أن الانتظار سيوفر عليه خطوات وجهدًا، لكنه يختار إنجاز المهمة فورًا لأنه لا يريد إبقاءها في ذهنه.
ومن هنا، فإن كوبًا فارغًا ينتقل بسرعة إلى المطبخ قد يكون أكثر من مجرد عادة منزلية بسيطة؛ فقد يكون مثالًا صغيرًا على الطريقة التي يوازن بها الدماغ بين توفير الجهد، وتخفيف العبء الذهني، والشعور بالإنجاز.
وفي النهاية، قد يكون الطريق ذو المسافة الأقصر ليس دائمًا الطريق الذي يفضله العقل، لأن الإنسان لا يحاول طوال الوقت توفير خطواته فقط، بل يحاول أيضًا تقليل الأشياء التي تبقى معلقة في ذهنه.
اقرأ أيضاً
المشي في المساء: لماذا قد يساعد تكرار الطريق نفسه كل يوم على تهدئة العقل؟
8 صفات تميز المرأة التي تعيش بمفردها وتكون سعيدة ومتزنة نفسيًا
تناول الطعام وحيداً في المطعم: هل هو علامة على الوحدة أم وسيلة للراحة؟
علم النفس: لا تقل لصديقك “كن قوياً” عند الأزمات.. هذه هي العبارات التي تمنحه دعماً حقيقياً

