وطن-في خطوة جديدة تعكس التحول المتسارع في السياسة الخارجية الكولومبية تجاه إسرائيل، أعلنت بوغوتا وتل أبيب إلغاء متطلبات التأشيرة المتبادلة لمواطني البلدين، اعتباراً من الأول من سبتمبر المقبل، في أحدث حلقة ضمن سلسلة قرارات تتجه من خلالها الحكومة الكولومبية الجديدة إلى إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية والدولية.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت القرار، الخميس، عقب محادثات جمعت وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بنظيره الكولومبي عمر بولا إسكوبار، في مؤشر جديد على إعادة تموضع كولومبيا سياسياً تجاه إسرائيل، بعد سنوات من التوتر خلال عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو.
إلغاء التأشيرات يفتح صفحة جديدة
وبموجب القرار، سيتمكن مواطنو كولومبيا وإسرائيل من السفر بين البلدين دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة مسبقة.
ومن شأن الخطوة أن تسهل حركة السفر والسياحة بين البلدين، في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات واحتجاجات في عدد من الدول بسبب الحرب على غزة وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن القرار لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التحولات السياسية الأوسع التي تشهدها بوغوتا منذ تولي الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرَيلا منصبه في 7 أغسطس.
فالحكومة الجديدة بدأت سريعاً في إعادة النظر في عدد من السياسات التي انتهجها سلفه غوستافو بيترو، ولا سيما مواقفه الحادة تجاه إسرائيل ودعمه للقضية الفلسطينية.
من القطيعة مع إسرائيل إلى استعادة العلاقات
وكان الرئيس السابق غوستافو بيترو قد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو 2024، واصفاً الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأنها «إبادة جماعية» و**«جريمة ضد الإنسانية»**.
كما دعمت حكومته جهوداً قانونية دولية لمحاسبة إسرائيل ومسؤوليها، من بينها القضية المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية.
وفي المقابل، تتجه الحكومة الجديدة نحو إعادة بناء العلاقات مع تل أبيب، في تحول سياسي واضح عن مرحلة بيترو.
وبحسب الصحيفة، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضاً مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب على غزة.
خريطة طريق لإعادة العلاقات
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ونظيره الكولومبي عمر بولا إسكوبار قد اتفقا، خلال لقاء عقد في واشنطن في يوليو الماضي، على خريطة طريق لإعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.
وتتضمن الخطة تبادل السفراء وتوسيع مجالات التعاون الثنائي، في خطوة تشير إلى رغبة الجانبين في تجاوز مرحلة القطيعة التي بدأت خلال عهد بيترو.
كما أعلنت الحكومة الكولومبية الجديدة خططاً لفتح سفارة لها في القدس، في إشارة إضافية إلى عمق التحول في موقف بوغوتا تجاه إسرائيل.
اعتراف كولومبي بسيادة إسرائيل على الجولان
لكن التحول لا يقتصر على استعادة العلاقات الدبلوماسية.
وكشفت «ميدل إيست آي» أن بوغوتا ذهبت إلى حد الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، لتصبح، إلى جانب الولايات المتحدة، من الدول القليلة التي تتبنى هذا الموقف.
وكانت إسرائيل قد احتلت معظم هضبة الجولان من سوريا خلال حرب عام 1967، ثم أعلنت عام 1981 تطبيق قوانينها عليها.
غير أن مجلس الأمن الدولي رفض الخطوة الإسرائيلية من خلال القرار 497، الذي اعتبر فرض القوانين الإسرائيلية على الجولان المحتل «لاغياً وباطلاً ولا أثر قانونياً دولياً له».
الصحراء الغربية.. تحول آخر في سياسة بوغوتا
وامتد التحول في السياسة الخارجية الكولومبية إلى ملف آخر شديد الحساسية، إذ اعترفت بوغوتا أيضاً بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، متراجعة عن موقف الرئيس السابق غوستافو بيترو الداعم للقضية الصحراوية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، يقترب هذا الموقف الجديد من إحدى القضايا الرئيسية في السياسة الخارجية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
ويشير ذلك إلى أن إعادة تموضع كولومبيا لا تتعلق بالعلاقات مع إسرائيل وحدها، وإنما تشمل مجموعة من الملفات الإقليمية التي تتقاطع فيها مصالح واشنطن وتل أبيب مع مواقف الحكومة الكولومبية الجديدة.
إعادة اصطفاف واسعة في أقل من أسبوعين
وترى «ميدل إيست آي» أن القرارات الأخيرة تكشف عن تحول واسع في توجهات السياسة الخارجية الكولومبية خلال فترة قصيرة.
فإلغاء التأشيرات، وخطة فتح سفارة في القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، إلى جانب دعم الموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية، تشكل مجتمعة مؤشرات على رغبة الحكومة الجديدة في إعادة بناء علاقات وثيقة مع إسرائيل وحلفائها.
ويأتي ذلك في تناقض واضح مع السياسة التي انتهجها بيترو، الذي جعل القضية الفلسطينية محوراً بارزاً في مواقفه الخارجية، واتخذ خطوات دبلوماسية وقانونية ضد إسرائيل خلال الحرب على غزة.
كولومبيا تعيد رسم موقعها في أميركا اللاتينية
وتشير هذه التطورات إلى أن كولومبيا قد تكون بصدد الانتقال من موقع الدولة اللاتينية الأكثر انتقاداً لإسرائيل خلال عهد بيترو إلى أحد أقرب شركائها السياسيين في المنطقة.
ومع دخول إلغاء التأشيرات حيز التنفيذ في سبتمبر، تبدو الخطوة الجديدة جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية بين بوغوتا وتل أبيب.
وبذلك، لا يمثل قرار إلغاء التأشيرات مجرد إجراء لتسهيل السفر بين البلدين، بل يأتي في سياق إعادة اصطفاف أوسع للسياسة الخارجية الكولومبية، قد تترك تداعياتها على علاقات بوغوتا مع إسرائيل والولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، في وقت تواصل فيه الحرب على غزة وإسرائيل توسيع تحركاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
اقرأ المزيد
الهزات الارتدادية لزلزال كولومبيا.. لماذا ستكون أقل تأثيراً من زلزال فنزويلا المزدوج؟
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟

