وطن-كشفت نتائج الانتخابات التمهيدية التي شهدتها ولايات فلوريدا وألاسكا ووايومنغ عن مشهد سياسي أميركي متباين، جمع بين صعود بعض الأصوات التقدمية داخل الحزب الديمقراطي، واستمرار نفوذ المؤسسة التقليدية، إلى جانب نتائج متفاوتة لمرشحين يحظون بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب داخل الحزب الجمهوري.
وجاءت هذه الانتخابات في وقت تتزايد فيه حدة النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن القضايا الاقتصادية والسياسة الخارجية، ولا سيما الموقف من إسرائيل والحرب على إيران، ما جعل عدداً من السباقات المحلية اختباراً أوسع لاتجاهات الناخبين الأميركيين.
فلوريدا.. فوز مفاجئ لأنجي نيكسون
في فلوريدا، حققت النائبة في مجلس الولاية أنجي نيكسون فوزاً مفاجئاً في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب حاكم الولاية، متغلبة على ألكسندر فيندمان، المقدم المتقاعد في الجيش الأميركي والعضو السابق في مجلس الأمن القومي.
ويكتسب فوز نيكسون أهمية خاصة بالنظر إلى الفارق الكبير في التمويل بين حملتها وحملة منافسها. فقد جمعت حملتها أقل من مليون دولار، مقابل أكثر من 16 مليون دولار تمكن فيندمان من جمعها.
وركزت نيكسون في حملتها على مواقف مناهضة للحرب، إلى جانب الدعوة إلى توسيع الرعاية الصحية من خلال برنامج «ميديكير للجميع» وتوفير مساكن بأسعار ميسرة.
ويعكس فوزها قدرة بعض المرشحين التقدميين على تحقيق نتائج قوية رغم محدودية الموارد المالية مقارنة بمنافسيهم، خصوصاً عندما يتمكنون من ربط القضايا المحلية بالملفات السياسية التي تشغل شريحة من الناخبين.
دونالدز يتقدم بدعم من ترامب
وفي المعسكر الجمهوري بفلوريدا، فاز عضو الكونغرس بايرون دونالدز بالانتخابات التمهيدية، مستفيداً من دعم الرئيس دونالد ترامب. وخاض دونالدز السباق في مواجهة عدد من المنافسين، من بينهم جيمس فيشباك الذي تبنى خطاباً أكثر انتقاداً للدعم الأميركي لإسرائيل والحرب على إيران.
كما تعرض دونالدز لانتقادات بسبب علاقته بمنظمة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك»، في وقت أصبحت فيه مواقف المرشحين من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أكثر حضوراً في بعض السباقات الانتخابية.
وحظي فيشباك بدعم شخصيات من اليمين الأميركي، من بينها المعلق السياسي تاكر كارلسون، كما تلقى تأييد المعلق اليميني المتطرف نيك فوينتس.
وتتمتع فلوريدا بقاعدة انتخابية جمهورية قوية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل دونالدز، وفق المعطيات السياسية الحالية، منافساً قوياً في الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر.
وفي سباق آخر داخل الولاية، تلقى عضو الكونغرس الجمهوري كوري ميلز، الذي كان يحظى بدعم ترامب، هزيمة في الانتخابات التمهيدية، بعد فترة شهدت جدلاً سياسياً وتحقيقات مرتبطة باتهامات تتعلق بتمويل حملته وسلوكه الشخصي.
ألاسكا.. نفوذ المؤسسة التقليدية مستمر
وفي ألاسكا، عكست النتائج استمرار قوة المرشحين المرتبطين بالمؤسسة السياسية التقليدية في كلا الحزبين. وتقدم كل من النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا والسناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان في الانتخابات التمهيدية غير الحزبية لمقعد مجلس الشيوخ.
وركزت بيلتولا حملتها بدرجة كبيرة على الملفات المحلية التي تهم سكان ألاسكا، وفي مقدمتها قطاع مصايد الأسماك والطاقة.
وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة “ميدل إيست آي“، تلقت بيلتولا أكثر من 96 ألفاً و546 دولاراً من «أيباك»، بينما ركز موقفها من الحرب الأميركية على إيران على ضرورة تعزيز الرقابة التي يمارسها الكونغرس على قرارات الحرب.
وتشير هذه النتائج إلى أن المرشحين الذين يتبنون مواقف أكثر اعتدالاً أو ارتباطاً بالمؤسسة السياسية التقليدية ما زالوا قادرين على تحقيق نتائج قوية، حتى في ظل تنامي الأصوات المنتقدة للسياسة الخارجية الأميركية.
وايومنغ.. الجمهوريون يحافظون على هيمنتهم
أما في وايومنغ، فلم تحمل الانتخابات التمهيدية مفاجآت كبيرة، إذ حافظ الحزب الجمهوري على هيمنته التقليدية في الولاية.
ورشح الجمهوريون هارييت هيغمان لمقعد مجلس الشيوخ الذي ستتركه السناتورة سينثيا لوميس، كما اختاروا تشاك غراي للترشح إلى مقعد هيغمان في مجلس النواب.
وتُعد هيغمان من أبرز حلفاء ترامب، وقد أعلنت في مناسبات عدة دعمها للسياسات الخارجية للرئيس، بما في ذلك الحرب على إيران والمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
ويعكس ترشيحها استمرار قوة الجناح المؤيد لترامب داخل الحزب الجمهوري في ولاية تُعد من أكثر الولايات ميلاً إلى الحزب الجمهوري.
أيباك تدخل بقوة في السباقات الانتخابية
برز دور أيباك باعتباره أحد العوامل السياسية اللافتة في عدد من السباقات، بعدما أنفقت اللجنة أموالاً لدعم مرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مواجهة منافسين يتبنون مواقف أكثر انتقاداً للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط.
وتكشف هذه المنافسة عن اتساع مساحة الخلاف داخل الحزب الديمقراطي تحديداً، بين تيار تقليدي يميل إلى مواصلة النهج الأميركي المعروف تجاه إسرائيل، وأصوات تقدمية تنتقد الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل وتدعو إلى إعادة النظر في السياسة الأميركية في المنطقة.
كما أن دخول قضايا السياسة الخارجية في النقاشات المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة يعكس محاولة بعض المرشحين الربط بين الإنفاق العسكري والسياسات الاقتصادية التي تؤثر مباشرة في حياة الناخبين.
نتائج متباينة لحلفاء ترامب
لم تمنح الانتخابات التمهيدية الأخيرة صورة موحدة عن قوة ترامب داخل الحزب الجمهوري.
ففي فلوريدا، تمكن بايرون دونالدز من الفوز بفضل الدعم الذي حصل عليه من الرئيس، في حين خسر كوري ميلز، رغم دعمه من ترامب.
وفي وايومنغ، واصل المرشحون المرتبطون بالرئيس تعزيز حضورهم داخل الحزب، بينما أظهرت نتائج ألاسكا استمرار قوة المرشحين المنتمين إلى المؤسسة السياسية التقليدية.
وتشير هذه النتائج إلى أن تأييد ترامب لا يضمن الفوز تلقائياً، حتى داخل الولايات التي يتمتع فيها الرئيس بقاعدة انتخابية قوية.
ماذا تكشف هذه الانتخابات عن المشهد الأميركي؟
لا تشير نتائج الولايات الثلاث إلى تحول سياسي واحد يمكن تعميمه على الولايات المتحدة بأكملها، لكنها تكشف مجموعة من الاتجاهات المتداخلة.
فالحزب الديمقراطي يواجه نقاشاً متواصلاً حول العلاقة بين التيار التقليدي والجناح التقدمي، خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية والحرب على إيران والدعم الأميركي لإسرائيل.
وفي المقابل، يواصل ترامب الاحتفاظ بنفوذ واضح داخل الحزب الجمهوري، لكن نتائج فلوريدا أظهرت أن دعمه لا يكفي دائماً لحسم السباقات التمهيدية.
كما تؤكد النتائج استمرار تأثير المال السياسي والمنظمات المؤثرة في الانتخابات، وفي مقدمتها «أيباك»، إلى جانب قدرة بعض المرشحين على تجاوز الفوارق المالية عندما ينجحون في تقديم خطاب يلامس أولويات الناخبين.
وفي النهاية، تبدو الانتخابات التمهيدية الأخيرة أقرب إلى اختبار مبكر لاتجاهات الناخبين الأميركيين منها إلى موجة سياسية واحدة. وبينما تمكنت أصوات تقدمية من تحقيق اختراقات لافتة، حافظت المؤسسة التقليدية على مواقع مهمة، واستمر حلفاء ترامب في تحقيق انتصارات، لكنهم تعرضوا أيضاً لخسائر تؤكد أن السباق الانتخابي الأميركي لا يزال مفتوحاً على مفاجآت عديدة.
اقرأ المزيد
لماذا قد يرى ترامب في فوز عبد الرحمن السيد بميشيغان مكسباً سياسياً؟
بعد فوزه في ميشيغان.. هل يتحول عبد الرحمن السيد إلى صداع سياسي جديد للسيسي في واشنطن؟
عبد الرحمن السيد يهزم منافساً مدعوماً من إيباك في تمهيدية الديمقراطيين لمجلس الشيوخ بميشيغان

