وطن-لم تكن مراسم تشييع ودفن المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مجرد وداع رسمي لرجل حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، بل تحولت إلى ساحة مكثفة للرسائل السياسية، ومرآة عاكسة لتوازنات القوة داخل بنية النظام الإيراني بعد واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي“، وُوري خامنئي الثرى في 9 يوليو، بعد أسبوع كامل من مواكب التشييع التي أعقبت اغتياله في ضربة أمريكية إسرائيلية خلال فبراير الماضي. وكان خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، قد خلفه نجله مجتبى خامنئي، البالغ 56 عاماً، في موقع القيادة العليا.
وشهدت مراسم التشييع، التي امتدت بين مدن إيرانية وعراقية، حضوراً جماهيرياً واسعاً، قالت السلطات الإيرانية إنه بلغ الملايين. غير أن المشاهد الرسمية المهيبة لم تحجب ما بدا، وفق الصحيفة، رسائل موجهة بعناية إلى الداخل والخارج، كشفت عن صراعات مكتومة داخل مراكز القرار، ومحاولات لترتيب المشهد السياسي بعد انتقال القيادة.
آية قرآنية تثير جدلاً دبلوماسياً
قالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن اليوم الأول من مراسم التشييع شهد محطة لافتة، حين اصطفّت وفود دبلوماسية أجنبية أمام نعش خامنئي، بينما كانت تُتلى آيات قرآنية في مراحل مختلفة من المراسم. لكن اختيار آية بعينها أثناء حضور الوفدين السعودي والقطري أثار جدلاً واسعاً، بعدما قرأ مراقبون في الاختيار رسالة سياسية غير مباشرة.
وخلال تقديم الوفد السعودي واجب العزاء، تليت الآية 13 من سورة آل عمران: “قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار”.
وتحيل الآية إلى معركة بدر، أولى المعارك الكبرى في التاريخ الإسلامي بين المسلمين وقريش، والتي انتصر فيها المسلمون رغم قلة العدد والعدة. ووفق ما نقلته “ميدل إيست آي” عن مصدر سياسي، فإن مسؤولين حكوميين أبدوا انزعاجهم من اختيار الآية، معتبرين أن الأمر لم يكن عفوياً، بل “اختياراً متعمداً” تقف خلفه منظمة نشر الفكر الإسلامي ذات التوجه المتشدد.
وأضافت الصحيفة أن الواقعة فجرت موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية. كما نقلت عن سياسي إصلاحي قوله إن توجيه مثل هذه الرسائل إلى ضيوف أجانب خلال مراسم رسمية “أمر غير مناسب”، لأن دعوة الوفود الدبلوماسية تفرض احترام قواعد البروتوكول لا إرسال تحذيرات ضمنية.
حسن الخميني يغادر بعد تلاوة مثيرة للحساسية
ومن بين المشاهد التي حظيت باهتمام واسع، حضور حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، إلى جانب أفراد من عائلة الخميني لتقديم العزاء في خامنئي.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، غادر حسن الخميني المراسم بينما كانت تُتلى الآية 95 من سورة النساء، وهي الآية التي تميز بين القاعدين عن القتال في سبيل الله من غير عذر، وبين المجاهدين الذين يمنحهم الله درجة أعلى وأجراً أعظم.
ونقلت الصحيفة عن مصدر تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن حسن الخميني، الذي طالما طُرح اسمه في الكواليس باعتباره أحد الأسماء المحتملة لخلافة خامنئي، لم يكن راضياً عن اختيار الآية في حضوره، وغادر المراسم في وقت أبكر مما كان متوقعاً.
ورغم ذلك، عاد حسن الخميني وإخوته للمشاركة لاحقاً في مراسم التأبين التي أقيمت في مدينتي مشهد وقم، في خطوة بدت حريصة على عدم تحويل الواقعة إلى قطيعة علنية داخل النخبة الدينية والسياسية الإيرانية.
رسائل حول صحة مجتبى خامنئي
سلطت الصحيفة الضوء أيضاً على الظهور المتكرر لأبناء خامنئي الآخرين، مصطفى ومسعود وميثم، في معظم مراسم التشييع. ووفق ميدل إيست آي، بدا أن هذا الحضور يحمل رسالة أبعد من مجرد المشاركة العائلية في وداع الأب، إذ ظهر الأبناء الثلاثة بصحة جيدة ومن دون آثار واضحة لكدمات أو ندوب على وجوههم أو أيديهم.
وترى الصحيفة أن هذه المشاهد جاءت ضمن سياق أوسع يهدف إلى طمأنة الرأي العام الإيراني والخارج في آن واحد بشأن صحة مجتبى خامنئي وقدرته على أداء مهامه بعد توليه موقع القيادة العليا.
وكانت تكهنات كثيرة قد لاحقت الحالة الصحية لمجتبى منذ تعيينه في أوائل مارس، وسط شائعات تحدثت عن إصابته في الضربات الأمريكية الإسرائيلية نفسها التي قُتل فيها والده وعدد من أفراد العائلة.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن مصدر رفيع قوله إن مجتبى في وضع صحي جيد، وإن التقارير التي تحدثت عن إصابته بالغت في تقدير حالته. وأوضح المصدر أن الإصابات اقتصرت على قدميه، إلى جانب بعض الندوب في الوجه، مؤكداً أنها في طريقها إلى التعافي.
مصطفى خامنئي في الواجهة
برز مصطفى خامنئي، الابن الأكبر للمرشد الراحل، بصورة لافتة خلال مراسم التشييع، سواء داخل إيران أو في العراق. كما تولى إمامة صلاة الجنازة قبل دفن خامنئي في ضريح الإمام الرضا بمدينة مشهد.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن ظهور مصطفى بهذا الشكل، ولا سيما خلال المراسم التي أقيمت في العراق، حيث التقى أبناء المرجع الشيعي العراقي البارز آية الله علي السيستاني، عزز التكهنات بشأن احتمال اضطلاعه بدور سياسي أكبر خلال المرحلة المقبلة.
ونقلت الصحيفة عن رجل دين بارز قوله إن مصطفى خامنئي تلقى تعليماً دينياً واسعاً في حوزات قم، لكنه ظل بعيداً عن السياسة طوال حياة والده، بسبب عدم حماسه لدخول المجال العام.
غير أن ظهوره المكثف في هذه اللحظة الحساسة فتح الباب أمام قراءة جديدة لدوره داخل العائلة والمؤسسة الدينية، خصوصاً في ظل انتقال القيادة إلى شقيقه مجتبى، وما يرافق ذلك من ترتيبات داخلية دقيقة.
رثاء جوادي آملي ورسائل المكانة الدينية
في قم، لفت المرجع الديني البارز آية الله عبد الله جوادي آملي الأنظار خلال صلاة الجنازة على خامنئي، بعدما استخدم عبارات وُصفت بأنها أعلى من الصيغ المعتادة في تأبين الموتى.
وبحسب “ميدل إيست آي”، أثارت كلمات جوادي آملي تفاعلاً واسعاً في وسائل الإعلام الإيرانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ رأى فيها كثيرون محاولة لإضفاء مقام روحي خاص على المرشد الراحل.
ونقلت الصحيفة عن رجل دين قوله إن جوادي آملي لم يكن يكتفي بالقول إنه “لم يرَ من خامنئي إلا الخير”، بل كان يشير إلى أن المرشد الراحل بلغ مرتبة روحية أعلى عند الله، وأنه مات شهيداً في سبيل الإسلام، وفق هذا التأويل الديني والسياسي لعباراته.
علي أصغر حجازي يعود إلى المشهد
من بين الوجوه التي أثار ظهورها اهتماماً خاصاً، علي أصغر حجازي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره ثاني أكثر الشخصيات نفوذاً داخل مكتب خامنئي. وظهر حجازي في المراسم بصحة جيدة، رغم تقارير سابقة زعمت أنه قُتل أو أصيب بجروح خطيرة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مرحلة ما بعد انتقال القيادة شهدت تكهنات حول علاقة حجازي بمجتبى خامنئي، إذ ترددت أنباء عن أنه لم يكن قريباً منه، وأنه كان يفضل أسماء أخرى لمنصب القيادة.
وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية عن محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، قوله إن حجازي حضر، بعد وفاة خامنئي بفترة قصيرة، جلسة لمجلس خبراء القيادة، ونقل آراء المرشد الراحل بشأن انخراط أبنائه في السياسة.
وقال باهنر: “الإمام الراحل لم يكن لديه أي موقف سلبي تجاه السيد مجتبى، لكنه كان يؤكد أنه، وفق القانون والفقه الإسلامي، لا يختار المرشد الأعلى خليفته بنفسه. هذه مسؤولية دينية وقانونية تقع على عاتق مجلس خبراء القيادة”.
وبحسب مصدر تحدث إلى “ميدل إيست آي”، فإن ظهور حجازي في مراسم التشييع كان على الأرجح رسالة هدفها إظهار وحدة الصف ونفي الشائعات بشأن وجود انقسامات داخلية. وأضاف المصدر أن مجتبى خامنئي عرض على حجازي منصباً رفيعاً، لكنه رفض، قائلاً إنه يريد الابتعاد لبعض الوقت بعد عقود طويلة من الخدمة.
الأصوليون يستهدفون رموز التفاوض مع واشنطن
لم تخلُ المراسم من توتر سياسي مباشر. فقد واجه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، والرئيس مسعود بزشكيان، هتافات عدائية من أنصار التيار الأصولي خلال فعاليات التشييع.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن بعض المشاركين رددوا شعارات تندد بالمسؤولين الثلاثة على خلفية المفاوضات مع الولايات المتحدة. وفي إحدى الحوادث، جرى اعتراض طريق عراقجي، حيث هتف بعض المحتجين ضده بعبارات مهينة، كما أُفيد بإلقاء حجارة باتجاهه.
وتكشف هذه المشاهد، وفق قراءة الصحيفة، أن جنازة خامنئي لم تكن مناسبة حداد فحسب، بل تحولت إلى اختبار علني لتوازنات مرحلة ما بعده، بين تيار يسعى إلى ضبط انتقال السلطة وإظهار التماسك، وآخر يستغل اللحظة للضغط ضد أي مسار تفاوضي أو انفتاح سياسي.
وبين رمزية الآيات القرآنية، وحضور العائلة، وظهور رجال مكتب خامنئي، والاحتكاكات مع رموز الدولة، بدت مراسم الوداع وكأنها إعلان غير مباشر عن ملامح إيران الجديدة تحت قيادة مجتبى خامنئي؛ دولة تحاول طمأنة الداخل والخارج، لكنها لا تزال محكومة بصراعات النفوذ، وحساسية العلاقة بين الدين والسياسة والأمن.
قد يعجبك
البيان رقم 1 لعام 2026: مجتبى خامنئي يتعهد بالثأر لوالده ويقود إيران من وراء الستار..
أكبر موكب تشييع في التاريخ! وسائل إعلام إيرانية تقدر مشاركي جنازة خامنئي بأكثر من 41 مليون شخص..
جثمان خامنئي يصل مشهد .. انتهاء أسبوع جنائزي تاريخي ومؤسسة الحكم تواجه عاصفة “الخلافة والحرب”
لم تكن مجرد تلاوات جنائزية.. كيف حوّلت إيران آيات القرآن في جنازة خامنئي إلى رسائل سياسية مشفّرة؟

