وطن-بعد عامين من الحرب التي دمّرت قطاع غزة وأثارت موجة واسعة من الانتقادات الدولية، تجد إسرائيل نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها السياسية والإعلامية منذ عقود: تراجع صورتها في أجزاء واسعة من الرأي العام العالمي، واتساع دائرة الانتقادات داخل الولايات المتحدة وأوروبا.
وبينما يرى منتقدون أن صور الضحايا والدمار في غزة كانت العامل الأساسي وراء تغير المواقف الدولية، ظهرت داخل إسرائيل أصوات تبحث عن تفسير مختلف، محمّلة أطرافاً خارجية مسؤولية التحول في المزاج العالمي.
من غزة إلى أزمة الصورة العالمية
خلال أشهر الحرب، انتشرت على نطاق واسع صور الأطفال تحت الأنقاض، والدمار في الأحياء السكنية، والأوضاع الإنسانية الصعبة في القطاع، ما أدى إلى تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية على الحكومات الداعمة لإسرائيل.
وامتدت الاحتجاجات من الجامعات الأميركية إلى شوارع عواصم أوروبية ومدن حول العالم، في مؤشر على تغير واضح في طريقة تعامل قطاعات واسعة من الرأي العام مع الحرب.
ويرى مراقبون أن التحول لم يكن نتيجة حملة إعلامية واحدة، بل نتيجة تراكم مشاهد وتقارير وشهادات مباشرة نقلت الحرب إلى الجمهور العالمي بشكل غير مسبوق.
قطر وعزمي بشارة في قلب الجدل
في هذا السياق، أثار مقال نشرته صحيفة “معاريف” العبرية جدلاً واسعاً بعد أن وجّه انتقادات حادة إلى قطر والمفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، متهماً إياهما بالتأثير على النقاش السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وذهب الكاتب ميخائيل كلاينر، رئيس محكمة حزب الليكود، إلى وصف عزمي بشارة بأنه يمثل تأثيراً خطيراً على صورة إسرائيل في الغرب، مدعياً أن لديه قدرة على التأثير في الرأي العام الأميركي والأوروبي.
هذه الاتهامات قوبلت بانتقادات من معارضين اعتبروا أنها تعكس محاولة نقل النقاش من أفعال إسرائيل في غزة إلى البحث عن جهات خارجية لتحميلها مسؤولية تراجع الدعم الدولي.
هل المشكلة في الرواية أم في الوقائع؟
يرى منتقدو الخطاب الإسرائيلي الجديد أن الأزمة الأساسية لا تكمن في من يروي القصة، بل في الأحداث التي شاهدها العالم خلال الحرب.
ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الصور والمعلومات تمر فقط عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح ملايين الأشخاص يشاهدون التطورات بشكل مباشر عبر الهواتف والمنصات الرقمية.
وبحسب هذا الطرح، فإن تغير المواقف الدولية جاء نتيجة احتكاك الجمهور بالوقائع اليومية للحرب، وليس بسبب تأثير شخص أو جهة واحدة.
من إيران وتركيا إلى قطر
ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الإسرائيلي طالما بحث عن أطراف خارجية لتفسير الضغوط التي تواجهها تل أبيب، فتارة تُوجَّه الاتهامات إلى إيران، وتارة إلى تركيا، واليوم إلى قطر وشخصيات فكرية وإعلامية.
ويرى هؤلاء أن هذا النمط يعكس أزمة أعمق مرتبطة بصعوبة تفسير التراجع في صورة إسرائيل دولياً بعد الحرب.
أسئلة جديدة داخل الولايات المتحدة
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الساحة الدولية، بل أثارت أيضاً نقاشات داخل الولايات المتحدة حول حدود الدعم الأميركي لإسرائيل، وتكلفة السياسات الإسرائيلية على العلاقات الأميركية مع المنطقة.
فقد بدأت أصوات سياسية وشعبية أميركية تطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ومدى استمرار الدعم غير المشروط في ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية.
أزمة الاعتراف لا أزمة التواصل
يرى محللون أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل لا يتمثل فقط في إدارة صورتها الإعلامية، بل في مواجهة الأسئلة التي طرحتها الحرب حول سياساتها العسكرية والسياسية.
فالرأي العام العالمي، بحسب هذا التحليل، لا يتغير فقط بسبب الحملات الإعلامية، بل بسبب الأحداث التي يراها ويقيّمها بنفسه.
وفي النهاية، فإن الجدل حول قطر وعزمي بشارة يكشف جانباً من الصراع الأوسع حول الرواية السياسية، لكنه يعكس أيضاً سؤالاً أكبر: هل تكمن المشكلة فيمن ينقل الصورة، أم في الصورة نفسها؟
ففي عالم أصبحت فيه الوقائع تنتشر بلا حواجز، قد تكون أصعب معركة لأي دولة ليست السيطرة على الرواية، بل مواجهة ما يراه العالم بأعينه.
اقرأ أيضاً
ريما حسن أمام القضاء الفرنسي بتهمة “تمجيد الإرهاب”.. ومعركة سياسية حول التضامن مع فلسطين
نهاية مريرة.. كيف أسقطت صورة “قاتل جده” عمار النجار من عرش الطموح الأمريكي؟

