وطن-تدخل النائبة الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي ريما حسن، اليوم الثلاثاء، محطة قضائية جديدة في فرنسا، حيث تمثل أمام المحكمة بتهمة «تمجيد الإرهاب»، في قضية تقول إنها تكشف حجم الضغوط السياسية والقضائية والإعلامية التي تتعرض لها منذ انتخابها، بسبب مواقفها العلنية الداعمة لفلسطين والمنتقدة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، في تقرير من باريس، إن ريما حسن أصبحت منذ انتخابها عام 2024 هدفاً دائماً داخل المشهد السياسي الفرنسي، بعدما تحولت في نظر قطاعات من المؤسسة السياسية والإعلامية إلى ما يشبه «العدو الداخلي»، في ظل تصاعد الملاحقات القضائية والحملات الإعلامية ضد الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن النائبة الأوروبية، المنتمية إلى كتلة اليسار في البرلمان الأوروبي، تواجه محاكمة على خلفية منشور نشرته على منصة «إكس»، تضمّن اقتباساً من الناشط الياباني كوزو أوكاموتو، المدان في هجوم مطار اللد عام 1972 في إسرائيل، والذي أسفر عن مقتل 26 شخصاً.
وجاء في المنشور الذي أثار القضية: «كوزو أوكاموتو: لقد وهبت شبابي للقضية الفلسطينية. ما دام هناك اضطهاد، فإن المقاومة لن تكون حقاً فحسب، بل واجباً»، مرفقاً بعلمي اليابان وفلسطين. ووفق بيان صادر عن فريق ريما حسن قبل المحاكمة، فإن الاقتباس كان يشير إلى «مبدأ راسخ في القانون الدولي، يتمثل في حق الشعوب في مقاومة الاستعمار واحتلال أراضيها من قبل جيش أجنبي».
وأضافت صحيفة «ميدل إيست آي» أن حسن حذفت المنشور لاحقاً لتجنب أي سوء فهم محتمل، غير أن ذلك لم يمنع تصعيد القضية قضائياً، بعدما أُحيل المنشور إلى النيابة من قبل النائب اليميني المتطرف ماتياس رينو، ووزير الداخلية الفرنسي، والمنظمة اليهودية الأوروبية، ورابطة مكافحة العنصرية ومعاداة السامية «ليكرا».
وتقول ريما حسن، في حديثها إلى الصحيفة عشية المحاكمة، إن ما تتعرض له لا يمكن فصله عن حملة أوسع تستهدف إسكات الأصوات التي تندد بمعاناة الفلسطينيين. وأضافت: «هذا الأسلوب في التعامل يجري ضمن مناخ سياسي يُنظر فيه إلى الفلسطينيين، أو من يُعتقد أنهم كذلك، باعتبارهم مشتبهين قبل أن يُنظر إليهم كمواطنين».
وكشفت الصحيفة أن هذه المحاكمة ليست الإجراء القضائي الأول ضد النائبة الفرنسية الفلسطينية؛ إذ فُتح ضدها خلال عامين 16 مساراً قضائياً، أُغلق 13 منها دون متابعة. وترى حسن أن هذا الرقم يعكس ما تصفه بـ«المضايقة القضائية»، الهادفة إلى تشويه صورتها والضغط عليها سياسياً بسبب موقفها من فلسطين.
وفي 2 أبريل الماضي، وُضعت ريما حسن رهن الاحتجاز لدى الشرطة لأكثر من 13 ساعة، رغم تمتعها بالحصانة البرلمانية بصفتها عضواً في البرلمان الأوروبي. وتوضح صحيفة «ميدل إيست آي» أن الحصانة البرلمانية للنائب الأوروبي تهدف أساساً إلى حماية حرية التعبير واستقلالية التفويض الانتخابي من الضغوط الخارجية، ولا سيما تلك التي قد تمارسها الدول أو السلطات التنفيذية.
وقالت حسن للصحيفة إن التحقيق معها لم يقتصر على الوقائع محل الاتهام، بل شمل أسئلة «تطفلية» حول هويتها وأصولها وديانتها، مؤكدة أن تلك الأسئلة «لا علاقة لها إطلاقاً بالقضية المطروحة». وأضافت أن هذا النمط من التحقيق يعكس، في رأيها، مناخاً تغذيه «الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد الفلسطينيين»، ويساهم في صناعة صورة خطرة لمن يُصوَّرون باعتبارهم «أعداء من الداخل».
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، فإن ريما حسن علمت، عبر محاميها ومن خلال تحقيقات نشرتها وسائل إعلام فرنسية بينها «ميديابارت»، بأن السلطات استخدمت ضدها وسائل تحقيق وصفتها بأنها «غير متناسبة على الإطلاق» مع طبيعة الاتهام. وشملت هذه الإجراءات، وفق ما قالت، وضع هاتفها تحت مراقبة بأثر رجعي مطلع العام، وإعادة بناء تحركاتها بين يناير ومطلع مارس عبر طلب بيانات السفر من شركتي السكك الحديدية الفرنسيتين «SNCF» و«تاليس».
وأضافت الصحيفة أن جهات التحقيق طلبت أيضاً بيانات تتعلق بسجل سفرها من «يوروبول» وشركة «إير فرانس»، في إجراءات قالت حسن إنها عادة ما تُستخدم في مكافحة أخطر أشكال الجريمة. واعتبرت أن اللجوء إلى هذه الأدوات في قضية مرتبطة بمنشور سياسي يكشف، في نظرها، عن مستوى الضغط الممارس عليها.
وقالت النائبة الأوروبية: «الوقائع المنسوبة إليّ لا تبرر هذه الإجراءات. لكن بعيداً عن وضعي الشخصي، آمل أن تفتح هذه المحاكمة باب وعي جماعي حول ما يحدث». وأوضحت صحيفة «ميدل إيست آي» أن حسن بدأت بالفعل مسارات قانونية ومؤسساتية للطعن في ما تعتبره تجاوزات، معربة عن أملها في الحصول على البراءة في جلسة 7 يوليو.
ولا تنفصل القضية، وفق الصحيفة، عن سياق سياسي فرنسي أوسع تشهد فيه البلاد تصاعداً في الملاحقات المرتبطة بتهمة «تمجيد الإرهاب»، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023. وتشير بيانات وزارة العدل الفرنسية إلى أن عدد الملاحقات بهذه التهمة تضاعف ثلاث مرات بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2024، مقارنة بالفترة الممتدة من يناير إلى سبتمبر 2023.
كما كشفت «ميدل إيست آي» أن فترة احتجاز ريما حسن شهدت تسريب معلومات غير صحيحة إلى الصحافة، زعمت حيازتها مواد مخدرة، في خرق لسرية التحقيق. ووفق صحيفة «لو كانار أونشينيه» الفرنسية، فإن المتحدث باسم وزارة العدل الفرنسية، ساشا ستروب-كان، كان ضالعاً بصورة مباشرة في تسريب ونشر هذه الادعاءات خلال فترة احتجازها.
وردت حسن بعد الإفراج عنها عبر منشور أوضحت فيه أن ما كان بحوزتها هو مادة «CBD» لأغراض طبية. ووصفت ما حدث بأنه «عملية تضليل حقيقية»، قائلة لصحيفة «ميدل إيست آي»: «جرى تداول معلومات غير موثقة من دون احترام أبسط قواعد العمل الصحفي: التحقق من الوقائع، ومقاطعة المصادر، وضمان حق الرد».
وأضافت حسن أن الهدف كان واضحاً، ويتمثل في «صرف النقاش السياسي عن جوهره، وتشويه السمعة، وزرع الشك في الرأي العام». وتابعت: «عندما تحل الشائعات محل الحقائق، فإن الديمقراطية نفسها تضعف».
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تقدمت ريما حسن بشكوى على خلفية هذه التسريبات، منددة بانتهاك سرية التحقيق. وأعلنت النيابة العامة في باريس فتح تحقيق بشأن خرق السرية، مشيرة إلى «توقيت نشر المعلومات ومستوى التفاصيل التي ظهرت في وسائل الإعلام أثناء احتجازها وقبل أي إفصاح قضائي رسمي». كما أعلن وزير العدل إحالة الملف إلى المفتشية العامة للعدل، فيما رفع ستروب-كان دعوى تشهير.
وتضع ريما حسن وفريقها القانوني المحاكمة في إطار ما يسمونه «قلباً للمسؤولية»، إذ يقولون إن من ينددون بما يصفونه بـ«الإبادة» في غزة هم من يُلاحقون قضائياً، بدلاً من محاسبة المسؤولين عن ارتكابها. وقالت حسن للصحيفة إن «قضْونة النقاش العام» تهدف إلى جعل أي نقد لسياسات الحكومة الإسرائيلية مكلفاً سياسياً، معتبرة أن ذلك «طريقة لإسكات صوت سياسي بدل الرد عليه ديمقراطياً».
وتشير «ميدل إيست آي» إلى أن الشرطة الفرنسية فتحت خلال السنوات الماضية تحقيقات بارزة مع شخصيات عامة عبّرت عن تضامنها مع فلسطين، خصوصاً من داخل حزب «فرنسا الأبية» اليساري، الذي تنتمي إليه ريما حسن. ففي عام 2024، استُدعي السياسي اليساري أنس كازيب ضمن تحقيق مرتبط بمكافحة الإرهاب، بعد تغريدات تضامنية مع فلسطين. كما عوقب النائب سيباستيان ديلوغو بالإيقاف 15 يوماً وخفض راتبه لشهرين بعد رفعه العلم الفلسطيني داخل الجمعية الوطنية الفرنسية.
وأضافت الصحيفة أن ماتيلد بانو، رئيسة كتلة «فرنسا الأبية» في الجمعية الوطنية، استُدعيت هي الأخرى من قبل الشرطة على خلفية بيان أصدره الحزب بعد 7 أكتوبر، بسبب الاشتباه في أنه قد يشكل «تمجيداً للإرهاب»، قبل أن يُغلق التحقيق لاحقاً.
وفي سياق متصل، كشفت «ميدل إيست آي» أن ثلاثة مرشحين من حزب «فرنسا الأبية» في الانتخابات البلدية الفرنسية الأخيرة، معروفين بمواقفهم المؤيدة لفلسطين، تعرضوا لحملة تشويه قيل إن شركة إسرائيلية تدعى «بلاك كور» تقف وراءها، في مؤشر إضافي على اتساع المعركة السياسية والإعلامية حول القضية الفلسطينية داخل فرنسا.
ونقلت الصحيفة عن القاضي الفرنسي السابق مارك تريفيديك، الذي عمل تسع سنوات قاضياً للتحقيق في وحدة مكافحة الإرهاب في باريس، انتقاده لما وصفه قضاة متخصصون بأنه «سوء استخدام لتشريعات مكافحة الإرهاب». وقال تريفيديك في مقابلة سابقة مع «TRT France» عام 2024: «نحن أمام إساءة حقيقية، واستخدام منحرف تماماً للقانون».
وتؤكد ريما حسن أن مجموع هذه الإجراءات، من التحقيقات الواسعة إلى التسريبات الإعلامية والملاحقات القضائية، يسير في اتجاه واحد: «خلق مناخ من الترهيب لثني المواطنين عن الانخراط السياسي». وترى أن محاكمتها لا تخصها وحدها، بل تمثل اختباراً أوسع لحدود حرية التعبير في فرنسا عندما يتعلق الأمر بفلسطين وانتقاد إسرائيل.
وبينما تنتظر النائبة الفرنسية الفلسطينية حكم القضاء، تبقى القضية مفتوحة على نقاش أكبر داخل فرنسا وأوروبا حول استخدام تهمة «تمجيد الإرهاب»، وحدود التضامن مع فلسطين، وما إذا كانت السلطات تتعامل مع الخطاب السياسي المؤيد للفلسطينيين كمسألة أمنية، أم كجزء من حرية التعبير التي يفترض أن تحميها الديمقراطيات الأوروبية.
اقرأ المزيد
“بملابس النوم وتعصيب الأعين”.. كواليس ليلة مرعبة لاعتقال 5 ناشطات صحة بالضفة الغربية
بعد فيديو “تعذيب الناشطين”.. فرنسا تحظر دخول بن غفير وأوروبا تلوح بعقوبات قاسية
على ركبهم ورؤوسهم بالأرض.. تفاصيل الإذلال المتعمد لـ 430 ناشطاً من أسطول كسر حصار غزة

