وطن-من تاجر إبل في صحارى دارفور إلى الرجل الثاني في السودان، ثم إلى شخصية يلفها الغموض وتتنازعها الشائعات، تبقى قصة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث.
لكن اللغز الأكبر لم يعد يتعلق بكيفية صعوده إلى قمة المشهد السياسي والعسكري، بل بالسؤال الذي يشغل السودانيين منذ اندلاع الحرب: أين حميدتي؟
اختفاء منذ بداية الحرب
مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، ظهر حميدتي في تسجيلات مصورة متحدثًا بثقة، مؤكداً أن قواته ستفرض سيطرتها وأن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان سيُجبر على الاستسلام.
لكن ذلك الظهور لم يتكرر بصورة مباشرة، وسرعان ما اختفى عن الأنظار، لتبدأ واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السودان، حيث انقسمت الآراء بين من يؤكد مقتله، ومن يرى أنه لا يزال يقود المعارك، ومن يعتقد أنه على قيد الحياة لكنه يعاني وضعًا صحيًا معقدًا.
الرواية الأولى.. مقتل حميدتي في الأيام الأولى
تذهب أولى الروايات إلى أن قائد قوات الدعم السريع قُتل خلال الأيام الأولى للحرب بعد استهداف موكبه.
ويستند أصحاب هذه الرواية إلى شهادات وتصريحات لمسؤولين سودانيين، من بينها تصريحات منسوبة لسفير السودان في ليبيا، تحدث فيها عن مقتل حميدتي منذ بداية المواجهات.
ويرى مؤيدو هذه الفرضية أن المقاطع والصور التي ظهرت لاحقًا لا تكفي لإثبات بقائه على قيد الحياة، بل يعتبرونها محاولة لنفي شائعات مقتله والحفاظ على تماسك قوات الدعم السريع.
في المقابل، نفت قوات الدعم السريع هذه المزاعم مرارًا، مؤكدة أن قائدها لا يزال على قيد الحياة.
الرواية الثانية.. يدير الحرب من مواقع سرية
أما الرواية الثانية فتؤكد أن حميدتي لا يزال حيًا، لكنه يتجنب الظهور العلني لأسباب أمنية.
وبحسب هذا الطرح، فإنه يواصل إدارة العمليات العسكرية من مواقع سرية داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، فيما يقتصر ظهوره الإعلامي على تسجيلات مصورة ورسائل صوتية يتم نشرها بشكل متقطع.
غير أن اعتماد هذه التسجيلات بدلاً من الظهور المباشر أبقى باب الشكوك مفتوحًا، خصوصًا مع انتشار تكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي حول طبيعة بعض المقاطع، دون وجود أدلة مستقلة تثبت صحة تلك الادعاءات أو تنفيها.
الرواية الثالثة.. حي لكنه يعاني أزمة صحية
تقول الرواية الثالثة، التي يتداولها بعض المنشقين عن قوات الدعم السريع، إن حميدتي لا يزال على قيد الحياة، لكنه تعرض منذ بداية الحرب لإصابة خطيرة أو يمر بوضع صحي معقد حال دون ظهوره المباشر.
ووفق هذه الرواية، يتنقل الرجل بسرية بين مواقع محصنة وعدد من العواصم الأفريقية، بينما يتولى قادة آخرون إدارة جانب كبير من العمليات العسكرية اليومية على الأرض.
وعلى الرغم من تداول هذه الفرضية على نطاق واسع، فإنها لم تحظَ أيضًا بتأكيد مستقل أو أدلة قاطعة.
لغز لم يُحسم
على مدار أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تداولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل عشرات الصور ومقاطع الفيديو المنسوبة إلى حميدتي، إلا أن أياً منها لم ينجح في إنهاء الجدل بشكل نهائي.
وبين رواية تؤكد مقتله منذ الأيام الأولى، وأخرى تقول إنه لا يزال يقود المعارك من الظل، وثالثة تشير إلى أنه حي لكنه بعيد عن إدارة المشهد بسبب وضعه الصحي، يبقى مصير محمد حمدان دقلو أحد أكبر ألغاز الحرب السودانية.
وحتى الآن، لا توجد معلومات مستقلة وموثقة تحسم مصير قائد قوات الدعم السريع بصورة نهائية، ليظل السؤال مفتوحًا وسط استمرار الحرب والانقسام في السودان: أين حميدتي؟
اقرأ المزيد
من ركام دارفور إلى أستار الكعبة.. هل يمحو “حج سافانا” خطايا دماء السودانيين وجرائم الدعم السريع؟
اتهامات صادمة أمام الأمم المتحدة.. الخرطوم تربط بين الدعم السريع وشبهات اتجار بالأعضاء بدعم إماراتي

