وطن-دخلت إسرائيل، صباح الاثنين، في حالة استنفار سياسي وأمني غير مسبوقة عقب تجدد الهجمات المتبادلة مع إيران، في تصعيد أعاد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية داخل الأوساط السياسية والأمنية: من يملك قرار الحرب فعلياً، الحكومة الإسرائيلية أم الولايات المتحدة؟
فبين دعوات متزايدة لتوجيه ضربات قاسية إلى إيران، وتحذيرات من مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، بدا المشهد الإسرائيلي منقسماً بين تيار يرى أن الرد العسكري ضرورة استراتيجية، وآخر يتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدفع البلاد نحو مواجهة جديدة تخدم أهدافاً سياسية داخلية.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، أثار التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل موجة من الجدل داخل إسرائيل، حيث تباينت مواقف السياسيين والخبراء العسكريين والإعلاميين بشأن كيفية التعامل مع الهجمات الإيرانية وتداعياتها.
صدمة داخل إسرائيل بعد الرد الإيراني
شكّل الهجوم الإيراني الذي وقع ليل الأحد مفاجأة لكثير من المراقبين الإسرائيليين. ونقل الموقع عن المراسل العسكري للقناة 13 الإسرائيلية ألون بن دافيد قوله إن التقديرات السائدة داخل المؤسسة الأمنية كانت تفترض أن إيران لن تقدم على إطلاق صواريخ مباشرة باتجاه إسرائيل بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد طهران في وقت سابق من العام.
وجاء الرد الإيراني عقب ضربة إسرائيلية استهدفت مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت، اعتبرتها طهران انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار. ورغم أن بعض المحللين الإسرائيليين وصفوا الضربة بأنها محدودة التأثير عسكرياً، فإنها أسفرت عن سقوط ضحايا لبنانيين وأدت إلى رد إيراني مباشر أعاد التوتر إلى مستويات خطيرة.
واشنطن في قلب الجدل الإسرائيلي
لم يقتصر النقاش داخل إسرائيل على الجانب العسكري فقط، بل امتد إلى العلاقة مع واشنطن، خاصة بعد دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى وقف فوري لإطلاق النار، وطلبه من نتنياهو تجنب تنفيذ هجمات جديدة ضد إيران.
وأثارت هذه الدعوات انتقادات من شخصيات إسرائيلية اعتبرت أن القرار الأمني الإسرائيلي بات خاضعاً بشكل متزايد للتأثير الأمريكي.
وكتب الصحفي الإسرائيلي بن كسبيت في صحيفة “معاريف” أن الأمن القومي الإسرائيلي أصبح عملياً رهينة للقرار الأمريكي، بينما اعتبر المحلل العسكري آفي أشكنازي أن الامتناع عن الرد استجابةً للضغوط الأمريكية قد يهدد الردع الإسرائيلي ويقوض الأمن القومي للدولة.
اتهامات بفشل الحملة ضد إيران
في المقابل، رأى محللون آخرون أن التطورات الأخيرة تكشف محدودية نتائج الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في وقت سابق من العام.
وقال الخبير الإسرائيلي في الشؤون الإيرانية داني سيترينوفيتش إن التصعيد الحالي يعكس ما وصفه بـ”الفشل الاستراتيجي” للحملة السابقة، موضحاً أن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام خيارات أكثر تعقيداً، بينما تبدو إيران أكثر ثقة في قدرتها على الرد.
وأضاف أن تل أبيب تواجه معضلة صعبة: الرد بقوة والمخاطرة بخلاف مع واشنطن، أو ضبط النفس وقبول قيود أكبر على حركتها العسكرية في لبنان وإيران.
استعدادات إسرائيلية لمواجهة طويلة
على الأرض، اتخذت السلطات الإسرائيلية سلسلة من الإجراءات الطارئة شملت تعليق الدراسة، وإلغاء الفعاليات العامة، وتقليص خدمات النقل العام، إلى جانب رفع حالة التأهب في المستشفيات والمطارات.
كما بدأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حشد قوات احتياط إضافية تحسباً لاحتمال استمرار المواجهة لعدة أيام، في ظل مخاوف من اتساع دائرة الصراع.
وتشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن التصعيد الحالي قد يتحول إلى مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع إيران، خصوصاً إذا استمرت الضربات المتبادلة خلال الأيام المقبلة.
دعوات للتصعيد من الحكومة والمعارضة
داخل الحكومة الإسرائيلية، ارتفعت الأصوات المطالبة برد عسكري واسع. فقد دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى توجيه ضربات قاسية للبنان وإيران، بينما قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن “طهران يجب أن تحترق”، في أحد أكثر التصريحات تشدداً منذ بداية الأزمة.
كما طالب وزير الثقافة ميكي زوهار بمواصلة العمليات العسكرية داخل إيران، معتبراً أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تحقق الردع في المنطقة.
ولم تقتصر هذه المواقف على أحزاب الائتلاف الحاكم، إذ دعا رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت إلى رد قوي وسريع، فيما طالب أفيغدور ليبرمان باستهداف البنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، واعتبر بيني غانتس أن وقف العمليات في لبنان كان خطأً استراتيجياً يجب تصحيحه.
أصوات معارضة تحذر من حرب جديدة
في المقابل، برزت أصوات إسرائيلية معارضة للتصعيد، محذرة من مخاطر الدخول في حرب إقليمية جديدة.
واتهم زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمحاولة توسيع الصراع لأهداف سياسية داخلية، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية لا تملك تفويضاً شعبياً لجر إسرائيل إلى حرب جديدة.
كما اعتبر عضو الكنيست جلعاد كاريف أن سياسات الحكومة الحالية تهدد أمن الإسرائيليين وتزيد من عزلة إسرائيل الدولية.
أزمة أعمق من المواجهة العسكرية
تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة داخل إسرائيل تتجاوز حدود المواجهة العسكرية مع إيران، لتشمل أسئلة جوهرية حول مستقبل القرار الأمني الإسرائيلي، وحدود النفوذ الأمريكي في المنطقة، وقدرة حكومة نتنياهو على إدارة التحديات الإقليمية في ظل انقسامات سياسية داخلية متزايدة وضغوط دولية متنامية لوقف التصعيد.
ومع استمرار تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل، تبدو تل أبيب أمام اختبار صعب قد يعيد رسم ملامح العلاقة مع واشنطن، ويحدد شكل المواجهة الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
تمرد علني؟ نتنياهو يضرب بيروت وطهران بـ “موافقة غير كاملة” ويوجّه إهانة قاسية لتهديدات ترامب!
زلزال الصواريخ الإيرانية يضرب إسرائيل.. ترامب يستنفر الجيش ويعلن غضبه: تل أبيب خربت اتفاق السلام!

