دعا لتصالح السيسي مع الإخوان.. راشد الغنوشي: تاريخه حافل بالتنازلات والتفريط في دماء الأبرياء

0

من المؤسف جدا أن تصبح ورقة المسلمين سلعة رائجة يتاجر بها من هب ودب من الإعلاميين والسياسيين وحتى أشباه الفنانين، بعد أن ارتأت الجماعة أن تصعد على سلم النجومية على ظهر عشرات آلاف السجناء.

إخوان الذين قدموا آلاف القتلى والجرحى طيلة فترة صراعهم مع حكومات بلادهم المتعاقبة، والمعروفون بحنكتهم السياسية وضبط النفس والمهارة في المفاوضات، اختار زعيم حركة النهضة أن يقدمهم هدية إلى عبد الفتاح السيسي بدعوى المصالحة معه، ليظهر الجلاد بريئا والضحايا مذنبين.

الغنوشي وفي حواره الأخير (السبت) مع صحيفة “الخبر” الجزائرية، قال إنه طلب من الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، التوسط لدى القيادة المصرية لتتصالح مع “الإخوان المسلمين” لتهدئة الأجواء.

زعيم حركة النهضة المتبرئة من الإخوان المسلمين فكريا وسياسيا وهرميا خلال مؤتمرها الأخير، برر دعوته لهذه المصالحة بقوله إن “مصر قلب المنطقة العربية، وإذا أصيب هذا القلب أصيبت المنطقة كلها بالعطب”، مشيرا إلى رغبته في أن تقوم السعودية بدور فى إصلاح ذات البين فى مصر، انطلاقا من استبعاد منطق الإقصاء، واعتبار أنه لا سلم ولا استقرار فى مصر، إلا باحترام كامل المكونات الأساسية لهذا الشعب الكبير واحترام مكانة الجيش، لأنه لا سياسة فى مصر بعيدا عن الجيش، واحترام المكون الإسلامى والمكون الإخواني، باعتباره مكونا عريقا لا يمكن استبعاده إلى جانب المكونات الأخرى، وفق قوله.

الغنوشي صاحب التاريخ المعروف في قيادة المصالحة بين الإسلاميين والحكومات، والذي يمني النفس بأن يكون “واسطة خير” و”سفير سلام” لحل الخلاف بين الإخوان ونظام العسكر الإنقلابي، من المؤكد أنه تناسى الدماء التي سفكها العسكر في ميداني رابعة والنهضة في صيف 2013 تزامنا مع دعوة يساريي ويمينييها لتكرار التجربة في البلاد.

الذاكرة القصيرة لراشد الغنوشي الذي قال بعد أن أصدر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عفوا رئاسيا عنه في مايو 1988 إن “الله في السماء وبن علي في الأرض”، تبدو أنها أبرز عائق لرعاية مصالحة شاملة بين ضحايا قدموا الغالي والنفيس طيلة السنين الطويلة والجلاد الذي لم يشبع من الدماء بعد، إضافة إلى أن محاولة استنساخ تجربة المصالحة التونسية والجزائرية في مصر أمر صعب جدا.

الغنوشي الذي قال في مقالة مدحية لبن علي فور خروجه من السجن عام 1988 إنه “على قناعة تامة بأن النهج الذي يسير عليه بن علي سيعيد تونس إلى محيطها الإسلامي والعربي وإلى مكانتها في المغرب العربي الكبير، وسينهي إلى الأبد عهود التغريب والاقتلاع ومسخ الهوية الوطنية والحضارية…” لا يبدو مؤهلا حسب رأيي المتواضع، لكي يطلب من السعودية التوسط لدى السيسي للصفح والعفو عن الإخوان.

نحن متأكدون أن رئيس حركة النهضة الذي وثق في بن علي في فترة من الفترات لم ينس محرقة الإسلاميين الذي نفذها رموز النظام السابق المتحالف مع بعضهم اليوم، فثقته العمياء في “الجنرال” بدون أي ضمانات تذكر، كانت قد أدت برجال حركة النهضة إلى السجون وبكثير من نسائهم إلى الإغتصاب والتحرش الجنسي بهن أمام أزواجهن أو أبنائهن في أقبية المعتقلات ومراكز التعذيب السرية.

هؤلاء الذين قاموا بجرائم فظيعة ضد الإسلاميين والمعارضين بصفة عامة نجدهم اليوم أقرب حلفاء الغنوشي الذي أصبح مكتبه ومنزله مزارا لكبارهم وصغارهم، فمنهم طالب للعفو وآخر للصفح، لكننا نجزم أن هؤلاء “التائبين” لو عاد بهم الزمن إلى الوراء قليلا، لفتكوا بكل ما له علاقة بالنهضة، وكفى بحديثهم في مجالسهم المضيقة خلال اعتصام الرحيل صيف 2013 دليلا على ما نقول.

الحديث عن تاريخ مصالحات راشد الغنوشي وثقته العمياء ذو شجون ويطول جدا لكثرة تفرعاته، لكن نختم بالإشارة إلى رسالته التي وجهها إلى بن علي عام 2008، والتي قال فيها “يشرفني باسمي الخاص ونيابة عن إخواني في حركة النهضة، من منطلق حرصنا على خير بلادنا وازدهارها ومصلحتها العليا، ومن منطلق الرابطة الوطنية التي تجمع كل التونسيين والتي طالما أكّدتم عليها في خطبكم، أن أتوجّه إلى سيادتكم بهذه الرسالة، مؤكّدا حرصنا على التعامل الإيجابي المسؤول مع كل تمشّ يصدر عن سيادتكم، يهدف إلى طيّ صفحة الماضي، وفتح آفاق جديدة للوئام الوطني، وذلك عبر حوار بنّاء، نتوفّق به لتسوية مختلف القضايا العالقة، بما يمكّن بلادنا من احتضان كل تياراتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، ويدعم مقوّمات رقيّها ومناعتها، ويجدّد الروح الوطنية الجامعة التي عبّر عنها الميثاق الوطن. وفقكم الله سيادة الرئيس لما فيه خير البلاد والعباد والسلام عليكم.”

تأتي هذه الرسالة الأخيرة في وقت ذاق فيه عشرات الآلاف من سجناء النهضة الويل وغيب الآلاف منهم في سجون لا تقل وحشية عن غوانتنامو وأبو غريب، ولكم فيما كتبه الروائي سمير ساسي ووزير التعليم العالي الأسبق منصف بن سالم دليل لعلّ “إخوان الغنوشي” وحلفاءه يتذّكرون.

إن مصر لن تنقذها أية مصالحة مزعومة ترعاها دول شاركت في وقت من الأوقات في دعم الإنقلاب العسكري، كما أن دعوة الغنوشي لتدخل المملكة العربية السعودية لدى السيسي “لتهدئة الأجواء” كمن يحرث البحر، فلا السعودية التي تصنف جماعة “الإخوان المسلمين” في قائمة المنظمات الإرهابية مستعدة في الوقت الراهن لقيادة مصالحة شاملة رغم توتر علاقاتها مع “الفرعون الكبير”، ولا السيسي الذي يحكم البلاد بالحديد والنار والمنتشي بفوز صديقه العزيز دونالد ترامب، يرغب في الرجوع إلى الوراء في خطوة قد تغضب رجل الأعمال الجمهوري الذي يعتزم تصنيف الجماعة كإرهابيين في بلاده.

ولكن، بين هذا وذاك، يبقى إخوان مصر مغلوبين على أمرهم، فالسجون تمتلئ برجالهم ونسائهم وذراريهم، في حين يجتهد من تبرّأ منهم في وقت من الأوقات بهدف تحقيق مكسب سياسي، في التوسط للمصالحة الشاملة، مثله مثل كثير ممن سبقوه، وها نحن ننتظر وسيطا جديدا في قادم الأيام عله يعيد إلى المظلومين حقهم دون “نفاق سياسي” وبلا خنوع وخضوع مُذلّين.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.