ذاقوا مرارة العيش في قاع المدينة قبل شهرتهم: أدباء كبار في مهن صغيرة

0

“خاص- وطن/ كتب وعد الأحمد”- مارس أغلب الأدباء والكتاب السوريين المشاهير مهناً تبدو أبعد ما تكون عن ميدان الكتابة والفن في بدايات حياتهم وقبل أن تدركهم “حرفة الأدب”، فالكثير من هؤلاء الأدباء -من ذوي الأصول الريفية- انحدروا إلى قاع المدينة، واضطروا أن يزاولوا أعمالاً شاقة أحياناً ليكسبوا كفاف يومهم بعرق الجبين قبل أن يسيروا في دروب الشهرة ويقطفوا ثمار النجاح بعد رحلة من العناء والمشقات.

 

ولم تقتصر هذه الحالة على الأدباء السوريين فحسب، بل أن كثيراً من الأدباء العرب والعالميين عملوا في وحرف بسيطة ومتواضعة ليس لها أية علاقة بعالم الكتابة والتأليف. ومن هؤلاء ( وليم ) الذي عمل “سائس خيل” قبل أن يصبح من أشهر كتاب المسرح في العالم. و (جون شتاينبك) الذي تنقل بين أعمال شتى في مدن أمريكية مختلفة، حيث عمل أجيرا في مزرعة تارة، وعامل بناء تارة أخرى، وبحارا، وبائع جرائد، ومساعد صيدلي.

 

أما الكاتب الأمريكي (مارك توين) “1835-1910” الذي يعد من أعظم كتاب الأدب الساخر في العالم، فقد ترك دراسته وهو صبي ليشتغل عاملاً في إحدى المطابع، ثم عاملاً على أحد الزوارق البخارية في نهر “الميسيسيبي” وكان لهذه الفترة الأثر العميق في إغناء كتابته الأدبية فيما بعد .

أدباء

ومن الجدير بالذكر أن الكاتب الكبير (ليون تولستوي) عمل في إصلاح الأحذية لتلمس معاناة الفلاحين والفقراء ومعايشة همومهم، وليس بدافع مادي لأنه كان من الأسر الثرية في روسيا كما هو معروف. ومن الأدباء العرب عمل (عباس محمود العقاد) موظفا عادياً في القسم المالي في مدينة قنا بمصر واستقال منها عام 1906 ليلتحق بوظيفة أخرى في مصلحة البرق، أما الروائي الجزائري الراحل (محمد ديب) فقد زاول عدة مهن من بينها التدريس في عامي 1939 – 1940 ثم عمل رساماً، فمحاسباً في شركة سكة الحديد، وعمل الروائي المصري (خيري الشلبي) في ميدان التراحيل، وفي أعمال مهنية عديدة منها الخياطة، والنجارة، وسمكرة بوابير الكاز، والكوي. وكذلك الناقد اللبناني المعروف (محمد دكروب) الذي عمل في بدايات حياته كعامل بسيط في ورش البناء.

 

ولكن ما هي المهن التي زاولها بعض أعلام الأدب في قبل أن يدخلوا محراب الكتابة.

 

حلاق .. وعتال

الروائي الكبير (حنا مينة) يكاد يكون أكثر الأدباء العرب الذين مارسوا مهنا مختلفة قبل الكتابة. إذ ولد من عائلة فقيرة جداً وبعد ولادته مرض أبوه مرضاً شديداً، وقد حرمه الفقر ومرض الأب التمتع بأيام الطفولة فذاق طعم التشرد والتنقل والحاجة وعانى مرارة الفاقة تقلب في مهن شتى. خالط عمال البحر في الموانئ السورية، وعمال التبغ، وعمال الحفر، والعاطلين عن العمل، والمشردين. وكان لهذا المكابدة المريرة دوراً كبيراً في إثراء تجربته الإبداعية .

12299109_559136960910716_9080353088234780889_n

يقول في حوار أجرته معه كاتبة هذه السطور عام 1987 (تعلمت من الناس منذ وعيت الوجود ودفعت ثمناً باهظاً لتلك الدروس التي تلقيتها في جامعة الحياة . إن الثقافة هي نتاج الذهن والسلوك البشري، والمعرفة هي الحصول على هذه الثقافة بشقيها النظري والتطبيقي، وقد حصلت على ثقافة الكتب ولكنني قبل ذلك حصلت على ثقافة العيش الذي كنت فيه كالحديدة التي ألقيت في النار. وعلى مدى عمري كله ظلت حياتي في سعة تجاربها حديدة تصهرها الحياة في بوتقة بؤسها الشديد)، ويضيف مينة (حين كنت في العشرين من عمري عملت حلاقاً في دكان صغيرعلى باب ثكنة عسكرية بالقرب من البحر بعد أن اضطررت لمغادرة مسقط رأسي في مدينة لواء اسكندرون ، وكان زبائني من الفقراء والبحارة الذين كانوا يروون على مسامعي قصصهم الأسطورية، وانعكست هذه الأجواء على الكثير من أعمالي ومنها ثلاثية “حكاية بحار” ثم عملت أجيراً في محل للدراجات، وعتالاً في المرفأ، وبحاراً على أحد المراكب الشراعية التي كانت تنطلق من اللاذقية إلى الإسكندرية. وبعد هجرتي إلى دمشق عملت في الصحافة، ليستقر بي المقام في وظيفة مستشار في وزارة الثقافة التي أمضيت فيها 23 عاما قبل أن أحال إلى التقاعد).

12341205_559137004244045_4751047756152750303_n

أما القاص الكبير( زكريا تامر) الذي يعتبر علامة مميزة في القصة العربية المعاصرة، فقد عمل في بدايات حياته حداداً في أحد أسواق دمشق القديمة ، وقد انعكس صدى هذه المرحلة في أعماله إلى درجة أن أحد النقاد علق على ذلك قائلاً : (نكاد نسمع طرقات سوق الحدادين في أعمال زكريا تامر ). في إشارة إلى أن قصص زكريا تامر مشغولة بحرفية عالية. وإن كان ( تامر ) يتجاهل هذه المرحلة في أحاديثه وحواراته .

 

بائع الكشة

الشاعر المهجري المعروف (زكي قنصل) عمل في مطلع حياته في تجارة “الكشة” مع أخيه الأكبر الشاعر(الياس قنصل) في الأرجنتين. و”الكشة” -كما هو معلوم- عبارة عن صندوق خشبي صغير يحتوي بضائع زهيدة الثمن، ويشد إلى المنكبين بحزام جلدي. وينطلق صاحبه في الشوارع والأسواق مناديا على بضاعته بفنون من التشويق تحتاج أكثر ما تحتاج إلى الحنجرة القوية والصوت الهادر. ولكن هذه المهنة المتواضعة لم تصرف (زكي قنصل) آنذاك عن المطالعة فكان يدس في كشته كتاباً ينكبُّ على قراءته عندما يتعب من السير. وربما عاد في المساء إلى البيت وليس في حوزته قطعة نقدية واحدة. وفي عالم 1935 انضم إلى تحرير جريدة “السورية اللبنانية” في “بيونس أيرس” وكان شقيقه (إلياس) قد سبقه إليها رئيساً للتحرير، ثم تركها عام 1939 وعاد إلى مزاولة العمل التجاري في دكان افتتحه وشقيقه في ضاحية نائية .

 

أوراق موظف

ومن الأدباء السوريين الذي عانوا أشد المعاناة في بدايات حياتهم الأديب الراحل (فؤاد الشايب) الذي يعتبر من رواد القصة السورية، وكان يردد في جلساته “أنا مجرد أديب يصارع العيش”. ثم سلك طريق الوظيفة كموظف في القصر الجمهوري مع بداية الاستقلال، ثم تنقل في مناصب دعائية مختلفة، مديراً للدعاية تارة، ثم مديراً للإذاعة. وظل سنوات في الوظيفة التي كان يتمنى أن يتحرر منها ليتفرغ للكتابة. وكانت روايته “أوراق موظف” نموذجاً صارخاً لمعاناته مع الوظيفة. ومن رواد أدب القصة والرواية في سورية (عبد الله عبد) الذي كان موظفاً بسيطاً في أحد الدوائر الحكومية، يعمل في تقديم القهوة والشاي للموظفين .

12341280_559137044244041_5651267222623279864_n

أما الشاعر الراحل (وصفي قرنفلي) 1911 – 1972 فعمل موظفاً بسيطاً في مصلحة المساحة والري كـ “مسّاح” في حمص، وقد جعلته هذه المهنة يتنقل في طول سورية وعرضها ويذوق حر شمسها وبرد شتائها قافزاً من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية.

 

تحت الحصار

إذا كان بعض الأدباء السوريين، والعرب، والأجانب، قد اضطروا لمزاولة مهن متواضعة في بدايات حياتهم لتأمين لقمة العيش، فإنه مما يدعو للأسى أن الكثير من الأدباء العراقيين اضطروا إلى مزاولة مثل هذه المهن بعد أن ذاع صيتهم، ونالوا قسطاً وافراً من الشهرة والنجاح. ولكن سنوات الحصار الظالم الذي فُرض على العراق، الذي مازالوا يدفعون فاتورته إلى الآن قد دعا الكثير منهم إلى ممارسة مهن أبعد ما تكون عن الفكر والأدب والإبداع.

 

ويروي الكاتب العراقي الراحل (محمد الجزائري) في كتابه (احتلال العقل) صوراً مؤلمة من هذا الواقع الذي واجهه المثقفون العراقيون إذا اضطر أكثرهم لترك وظائفهم عنوة ، ليمارسوا مهناً لم يعتادوها، وبات مألوفاً أن نرى العديد منهم كباعة جوالين في الأسواق المجاورة للأسواق المركزية ببغداد والمحافظات الأخرى، أو أن يشتغلوا كسائقين لسيارات الأجرة، أو باعة للسجائر، أو الخضروات. حتى شهدت شوارع بغداد صوراً لا تحصى لأسماء عراقية لامعة تحاول التقاط مورد عيشها من الشارع مباشرة.

 

واشتغل القاص والروائي (موسى كريدي )– رئيس تحرير الموسوعة الصغيرة، والمدير العام السابق سائقاً للأجرة بسيارته الخاصة، حتى وفاته بالجلطة القلبية عام 1996.وباع القاص والروائي (أحمد خلف)- عضو هيئة تحرير مجلة “الأقلام” المجلات والكتب القديمة بعد أن باع مكتبته !. واضطر الشاعر والباحث التراثي (منذر الجبوري ) إلى تحويل أوراق كتبه إلى أكياس لبيعها على أصحاب الحوانيت . ويدفع بأولاده إلى بيع السجائر في الشارع كي يسهموا في توفير الطعام لأنفسهم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.