الرقص الشرقي هل هو “رغيف خبز ساخن” أم “سباحة في بحيرة الشيطان”

0

وعد الأحمد-وطن (خاص)

يمثل أقدم شكل فطري عبَّر الإنسان من خلاله عن انفعالاته وأشواقه وأحلامه وحاجاته النفسية والاجتماعية، ولم يكن الرقص في الأزمان القديمة خطيئة بل كان “حاجة” روحية بالدرجة الأولى، كما لم يكن الإنسان البدائي والفطري يفرق بين الرقص من جهة والحب والزرع والقنص والخصب من جهة أخرى بل كان الرقص جزءاً من هذه الطقوس، ولكن الكثير من الدواعي الاجتماعية والنفسية جعلت من الرقص “الشرقي” منه بالذات اليوم مجرد لغة جسدية ملتهبة ورغيفاً ساخناً على مائدة الابتذال والمتع الرخيصة والغرائز المكبوبة و”سباحة في بحيرة الشيطان” على حد تعبير الكاتبة السورية غادة السمان .

في هذا التحقيق نتعرف على آراء عديدة حول هذا الفن الذي كان جزءاً من طقوس العبادات في المجتمعات القديمة وتحول في عصرنا اليوم إلى فنٍ طيني رجيم.

الدكتور شاكر مطلق طبيب العيون السوري المعروف باهتماماته الأدبية والميثولوجية قال لـ”وطن” أن الرقص ومنذ تعرف الإنسان ذاته أي منذ عصر الكهوف وربما عصر ما بعد الحداثة وجنون الذرة والحواسيب يعتبر أقدم لغة عرفها الإنسان ، هذه اللغة التي كادت أسرارها ورموزها تستعصي على فهم الإنسان المعاصر من حيث دلالاتها الميثولوجية قد اقتصرت عند الإنسان المتمدن واخُتزلت إلى لغة الحس الجسدي – الجنسي أيضاً بينما لا تزال – حسب رأيه – عند كثير من الشعوب التي نسميها بالبدائية – وهي في الحقيقة الشعوب التي لا زالت تحمل براءة طفولة الإنسان – تكتسب أبعاداً وطقوساً دينية وفكرية أوسع بكثير من هذا الكائن (الأسمى)   الذي انهار وتشظَّى في أتون ما يسمى بـ ( الحضارة ) وهي في الواقع تقنية ساحقة دون قلب أفقدت الإنسان تواصله البريء مع ينابيعه الأولى .

وأكد الدكتور مطلق أن وبصرف النظر عن كل محاولات البعض وبخاصة في الغرب أن يعطيه بعداً فلسفياً جمالياً هو “رغيف ساخن ” حقاً وهو رقص حسي جسدي يريد أن يصل إلى ينابيع الذكورة ويستحم في بركة شهواتها، وفي هذا السياق أذكر منذ سنوات أن سيدة ألمانية تُعتبر المؤسِّسة لأول مدرسة رقص شرقي في ألمانيا ومن أهم الدارسات لما يسمى بـ (فلسفة الرقص الشرقي) زارتني في عيادتي وقد كان ما أوردته أعلاه هو جوابي على مناقشات مطولة بيننا وفي المحصلة يبقى التساؤل لماذا يحاول البعض أن يموَّه هذه الحقيقة التي هي أيضاً جزء مشروع من مشاعر الإنسان.

وحول انتشار الرقص الشرقي وتهافت الجمهور عليه وهل يعكس ذلك مدى الانحدار بالذوق وعدم اتزانه ممثلاً في ذلك التهافت قال د. شاكر مطلق: “معظم الشعوب التي تَعرفتُها في جهات الأرض الأربع ما بين القطب وجدران الصين والهيملايا واليابان والفيلبين وتايلاند والهند وغيرها .. لها رقص شعبي تراثي يتضمن البعض منه محاورة وتعبيراً عن أحاسيس ( طينية أرضية ) ولا يخجلون من تقديمه كذلك ،  وتابع :”لكن هناك أيضاً عدد كبير بين هذه الشعوب يقدم لك فناً راقصاً رمزياً وروحياً وليس بالضرورة على نمط الباليه الغربي مثلاً وأذكَّر هنا بالرقصات في تايلاند أو اليابان ذات التعبير الفني الراقي والمضمونات الاجتماعية والثقافية الرفيعة”.

 وترى الآنسة رندا إسماعيل التي قدمت أول دراسة من نوعها لإنشاء معهد عالٍ لفنون الرقص بدمشق أن “الرقص هوالشكل الفطري الأسبق للإنسان الأول في التعبير عن انفعالاته وأشواقه وأحلامه وعُد الرقص بعد الحاجات المادية الضرورية كالأكل والشرب أول حاجة تعبيرية للإنسان ولم يكن الرقص تاريخياً كما يبدو في مجتمعات اليوم بل كان حاجة روحية بالدرجة الأولى” وتضيف رندا ” إذا كانت دلالات الرقص اليوم قد نُسيت بفعل أمور كثيرة فإن الدواعي الاجتماعية والنفسية تبقيه فناً مطلوباً وحاجة تدخل في جملة الحاجات النوعية للجماعات لا المتقدمة حضارياً فحسب ، بل كذلك أيضاً للأقل تقدماً بل وللجماعات المتخلفة ” وتردف محدثتنا :” لقد تراجعت النظرة التهوينية للفنون ولم يعد المسرح ولا الغناء من مظاهر الابتذال والمتع الرخيصة والرقص هوالآخر بدأ يفك التهمة ويسترجع مسيرته ومكانته بالتدريج ودخل هذا الفن في الثقافة العامة للبشر وصار له نجومه ونجماته”.

نظرة قاصرة

الراقصة السورية ( داليا ) أكدت لـ”وطن” أن “زمن الرقص الجميل قد ولى مع رحيل الكثير من مبدعاته في الوطن العربي ، أما راقصات اليوم فلا يهمهن من هذا الفن شيء بقدر انهماكهن في البحث عن المال والفيلا والسيارة” ، وأضافت محدثتنا أن   “نظرة المجتمع القاصرة إلى الرقص الشرقي ناتجة عن تخلف اجتماعي لأننا نعيش وسط مجتمعات لا تفرق بين العمل والحياة الاجتماعية وتتناسى الجانب الإنساني في حياة الراقصة، فالراقصة-حسب قولها- إنسانة من دم وعصب وإحساس وليس من “لحم” فقط”.

والتقطت الراقصة ( جيهان ) طرف الحديث لتعترض على تسمية “هز البطن” التي أطلقها الغربيون على الرقص الشرقي، وترى أن “هذه التسمية تحصر الرقص الشرقي وفنونه في منطقة واحدة من الجسم ليست على أية حال أهم مناطقه بالنسبة إلى الرقص”، فالجسم كله-كما تقول- يشارك في الرقص وخاصة العنق والشعر واليدان ونظرات العينين . والرقص كما تقول جيهان ليس مجرد اهتزازات و” وتنطيط وهز ” بل هو لغة حسية متكاملة لها رموزها وإشاراتها ومعانيها .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.