روبرت فيسك: قُل (تفريعة) ولا تقل (قناة جديدة) ..

0

نشرت صحيفة “الإندبندنت” مقالاً، للكاتب البريطاني روبرت فيسك، قال فيها إنّ رئيس الوزراء البريطاني سوف يفهم كيفية نجاح العلاقات العامة في تسويق كلمة “جديدة”، رغم أن كل ما جرى تشييده في مصر هي تفريعة جانبية للسفن طولها 20 ميلا، في قناة 120 ميلا.

وحمل نص المقال عنوان “ديفيد كاميرون يفشل في الترويج لنفسه بالشرق الأوسط”، وجاء فيه:

مسؤول العلاقات العامة ديفيد كاميرون هو رئيس الوزراء البريطاني المفضل بالنسبة لي، لأنك لا يمكن أن تتيقن من خطأه الكارثي المقبل في الشرق الأوسط.

العام الماضي، إذا أسعفتك الذاكرة، طلب كاميرون من السير جون جنكينز، سفيرنا السابق لدى السعودية، تقريرا عن الإخوان المسلمين، صاحبته التوقعات السعيدة بأنه سيحمل إدانة للإخوان كـ “جوقة من الإرهابيين”.

وقال كاميرون وقتها: “من المهم أن نفهم ما هي معتقدات الإخوان فيما يتعلق بطريق التطرف والتطرف العنيف”.

مسؤول العلاقات العامة، كاميرون، كان يعلم جيدا، بالطبع، أن الرئيس الإخواني، محمد مرسي، الفائز بأول انتخابات ديمقراطية، أطيح به عام 2013 عبر انقلاب عسكري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، والذي أثار حمام دمام على أيدي القوات الأمنية للسيسي.

رجل العلاقات العامة ديفيد نما إلى علمه أيضا أن السعودية ودول خليجية أخرى شعرت بالبغض تجاه الإخوان، التي تصنف في مصر الآن كـ “جماعة إرهابيية محظورة”، ولذا كان يأمل أن تقرير السير جون سوف سوف يحابي النظام الوهابي في الرياض، بل أن كاميرون نكس العلم في أعقاب وفاة الملك عبد الله.

ولكن “عوامل المفاجأة” تدخلت. حيث خلا تقرير السير جون، من وصف الإخوان، التي يمتد عمرها إلى 87 عاما، وأكثر الجماعات الإسلامية تأثيرا، بـ “المنظمة الإرهابية”.

ماذا يفعل مسؤول علاقات عامة جيد عندما لا ينفذ تابعوه ما طلبه؟

لقد طلب ببساطة في مارس الماضي تأجيل التقرير لأجل غير مسمى، وبكلمات أخرى، “إلى الأبد”.

وبعد ذلك، قرر دعوة السيسي، الرئيس المنتخب إلى لندن.

منذ شهرين، طلب ديفيد من المشير(السيسي) زيارة داونينج ستريت لإجراء دردشة معه.

وجاءت الدعوة بعد يوم واحد من الحكم بإدانة الرئيس الأسبق محمد مرسي بالإعدام شنقا.

أحد مساعدي كاميرون قال معللا الدعوة: “نحن نقيم صلات بدول حينما تكون هناك قضايا هامة لمصلحة بريطانيا القومية”

لاحظ المفردات الخاصة بكافة مسؤولي العلاقات العامة أمثال “يرتبط” و “قضايا”.

بالتأكيد، بإمكان ديفيد الدردشة حول عملية القتل الجماعي لـ 817 مصريا ومصرية على الأقل من أنصار الإخوان في ميدان رابعة عام 2013.

وبالمناسبة، تتزامن الذكرى الثانية لها في هذا الأسبوع.

أم أنه سيناقش المذبحة التي وقعت بعدها بيومين بالقرب من محطة رمسيس، أو حرق أعضاء بالإخوان أحياء في سيارة ترحيلات شرطة.

يستطيع كاميرون حتى عرض نص الشهادة، التي أُرسلت إلي للتو من طبيب مصري يعمل ببريطانيا، والذي ذهب لمساعدة رجال ونساء مصابين من بني جلدته، حينما قتل أكثر من 60 شخصا في الشهر الذي سبق مذبحة رابعة.

لقد اكتشف هذا الطبيب أن الكثيرين من القتلى، ومن هم على مشارف الموت، أصيبوا بأعيرة نارية في الرأس.

وأشار الطبيب إلى رؤيته لحالات انفجرت فيها الرؤوس، أولاها رجل في منتصف العمر، الذي تحول “حرفيا إلى نافورة من الدماء تسيل من رأسه”، ولفظ أنفاسه الأخيرة على طاولة العمليات.

نفس الطبيب اكتشف جثة في شارع في طريقه إلى مستشفاه بالقاهرة، وعلق قائلا: “لقد تعرض صاحب الجثة لتعذيب قاس، وكانت هناك علامات صعق كهربي في أنحاء متفرقة من جسده، وآثار ضرب، في شتى أجزاء بدنه لا سيما الفخذين والأرداف والجذع، بالإضافة إلى علامات تقييد بحبل في المعصم”.

وواصل الطبيب: “ كل أيام قليلة، كنا نجد جثثا عشوائية ألقيت في الطرق، تعرض أصحابها للتعذيب حتى الموت في الشوارع، ويلقى بهم في الشوارع لإثارة الفزع في نفوس المحتجين”.

وعند وصول أعضاء عائلات المتوفين، بعضهم من أنصار الإخوان، لاستلام جثث ذويهم، “يعم البكاء المكان، ويفتخر البعض أن ذويهم القتلى من الشهداء”.

ولكن ديفيد هو رجل علاقات عامة حتى النخاع، ولذلك، أعدكم ألا يكون ذلك إحدى القضايا التي سيرغب في مناقشتها مع “المشير”.

وعلى الأرجح، سيفضل أن يلوك في صفقة بقيمة 7٫58 مليار إسترليني، وقعتها شركة “بي بي” مع مصر هذا العام، لمساعدة البلد الشرق أوسطية في أزمة الطاقة.

وربما يكون موضوع المناقشة هو قناة السويس، التي صاحب افتتاحها الأسبوع الماضي ضجة مثيرة للسخرية.

ديفيد كاميرون سوف يفهم كيفية نجاح العلاقات العامة في تسويق كلمة “جديدة”، رغم أن كل ما جرى تشييده هو تفريعة جانبية للسفن طولها 20 ميلا، في قناة يبلغ طولها 120 ميلا.

بإمكان كاميرون التعليق على “الشكل النبيل” الذي أبداه السيسي عند ظهوره على يخت الملك فاروق الملكي القديم.

وظهر السيسي مجددا في زي عسكري مزين بكثير من الميداليات لرؤية عرض جوي من طائرات مقاتلة يتجاوز عددها تلك التي تستطيع بريطانيا تقديمها خلال “معركتها الجديدة” ضد داعش، بحسب كلمات وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون، الذي لا يمتلك بالطبع، مهارات كاميرون في العلاقات العامة.

العلاقات العامة لم تنجح في حفل افتتاح القناة الأسبوع الماضي. فتوارت اللافتات المصرية، والنسر ، وارتدي المصريون ملابس فرعونية تشبه تلك التي كان يرتديها الجنود في آخر عهد شاه إيران في حفل” برسبوليس” الغريب قبل الثورة الإيرانية.

كما أن وجود الرئيس السوداني يثير التساؤلات، أليس مفترضا أن يكون في محكمة لاهاي، جراء اتهامات جرائم حرب؟

والآن، بالرغم من ذلك، يتساءل الكثيرون عن متى، أو هل سيأتي السيسي حقا إلى لندن.

منذ فترة طويلة، يخلط السيسي بين خصومه “الإخوان المسلمين”، و”فصيل داعش المتوحش الذي يقتل الجنود وعناصر الشرطة في سيناء، ويهاجم زورقا عسكريا بحريا.

وفي القاهرة ذاتها، ثمة الآن علامات مربكة على معاناة الإخوان من انقسامات، وتحييد للقيادات، وتساؤلات يثيرها الشباب من أن “التضحية بالدماء” ربما لا تكون أفضل من العنف على طراز “داعش”.

ألم يكن هناك نظام عربي آخر في 2011 جرى إدانة مناهضيه بـ “الإرهابيين”، فقط ليُستبدل بـ “تنظيم” داعش نفسه؟

نعم، ربما ينبغي أيضا “تأجيل” دعوة داوننج ستريت للسيسي، حتى يستطيع ديفيد كاميرون العثور على حفرة رملية أقرب لوطنه، بحيث يرتكب عددا أقل من الأخطاء.

 

 

 

المصدر: “الجورنال”

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More