الإثنين, فبراير 6, 2023
spot_imgspot_imgspot_img

دوائر التاريخ

- Advertisement -

( الماهية والوجود والزمان الوجودي )

 

أنا إنسان

أذن أنا حر

أنا حر

أذن أنا موجود

- Advertisement -

 

( مع الإعتذار لديكارت )

 

للماهية وجهان صفات وراثية ( الدنا ) , وصفات مكتسبة ( الحياة ) , وللوجود وجهان , الأول يتمثل في الوجود الفزيولوجي , والثاني يتمثل في الوجود الفعلي للماهية ( تحقيق الذات ) ولكي يتحقق الوجود الفعلي يجب إختيار إحدى الممكنات أو جميعها أن أمكن , تلك التي تتناسب مع الماهية ( الصفات الوراثية \ الصفات المكتسبة ) , من يسبق من أذن الماهية أم الوجود .

 

العدم والسقوط , مصطلحان مثيران للقلق والريبة , صحيح يمكن أن نصاب بالعدم نتيجة لقلقنا على عدم إختيار إحدى الممكنات المتناسبة مع الماهية , ولكن لا بد لنا من الخروج , الخروج عن الذات , وليس السقوط كما يقول هيدجر , فالجحيم ليس الآخرون , لأننا كائنات إجتماعية بطبعها , كائناتٌ لا يمكن أن تحيا بدون حب وصداقة وعطف وحنان وأتصال مع الآخرين , بدون أسرة وعائلة وجماعات ومجتمعات وأمم  , بدون إنتماء للآخرين ومع الآخرين , ذلك الإنتماء الذي يبدأ بالأسرة وينتهي بالإنتماء للإنسانية , وخلقنا على هذه الصورة لكي نسطيع أن نكون أسراً ومجتمعات وثقافة وحضارة قادرة على إعمار الأرض , عن طريق التربية القائمة على الإتصال المباشر بين أفراد جنسنا , خلقنا على هذه الصورة لكي يكمل بعضنا نقص بعض قدر الإمكان , لكي نتعارف ونتعلم من بعضنا البعض , لا لكي نتصارع أو يسلب بعضنا حق الآخرين .

 

ليست المشكلة في الموت , المشكلة الحقيقية في أني أموت , هكذا قال الوجوديون , لكني أعتقد أن المشكلة تكمن في الموت وأني أموت وكيف أموت , المشكلة في أني أموت لأن الموت يعد مصيبة يجب على المؤمن تقبلها , وهو مصيبة لأنه لا يمثل فقدان تام للوجود , أي لا يساوي العدم , بل هو محنة لابد منها , لأن هناك حياة أخرى في مكان أخر وهي الحياة الأخرة , المشكلة في الموت لأنه يمثل فقدان لمن أحب , لمن تربطني به جميع المشاعر الإنسانية التي يمكن أن تقال أو لا تقال , بل المشكلة في موت أي إنسان عندما أعلم أن هناك من يشاركني هذا الشعور لأنه فقد من أحب ,  ولإنتمائي له على المستوى الإنساني ,  المشكلة في كيف أموت ويموت من أحب بل ويموت أي إنسان , ليس فقط لأننا حيوانات ميتافيزيقة بطبعها كما يقول شوبينهاور , وذلك لأننا دائمي التفكير في العلة الأولى ومصيرنا بعد الموت , ولكن لأننا نعرف بقلبنا وعقلنا وجود الإله حتى وأن إغتربنا عن ذلك , لذا نخشى من العقاب , الموت أذن هو نبع  القلق الدائم الذي لا ينضب إلا بالإيمان بقضاء الله وقدره ورحمته وغفرانه .

 

لكي يتحقق الوجود الفعلي للماهية يجب إختيار أحدى الممكنات – كما ذكرت من قبل – أو جميعها أن أمكن تلك التي تتناسب مع الماهية ( الصفات الوراثية \ الصفات المكتسبة ) وليس مع ما يفرضه الفرد أو المجتمع وبطبيعة الحال الحضارات الأخرى , فهو ناتج عن فعل بشري مغرب إرادياً يؤدي في النهاية إلى الأغتراب القهري للذات , فلا يمكن أن أكون إنسان ما لم أكن حراً في الأختيار من بين الممكنات وما دمت حراً في الأختيار من بين الممكنات أذن أستطيع أن أحقق الوجود الفعلي لماهيتي , أكون أذن أو لا هذا هو السؤال .

 

الكون قطار , ينشأ فتنشأ الحركة , تنشأ فينشأ الزمن , ويسير من المهد إلى اللحد , ولكل منا محطة ركوب , محطة نزول , للكون أذن زمن واحد , لكنه يحتوي على مجموعة من الأزمنة النسبية , فلكل مجموعة شمسية زمنها , ولكل كوكب , ولكل منا زمن وجوده الخاص , الذي من خلاله يستطيع أن يعي وجود الزمن العام , ( الأول ) أذن جزء من ( الثاني ) , لكن ( الثاني ) وفي نفس الوقت منفصل عن ( الأول ) , ويستمر في التقدم حتى بعد نهايته .

 

 

( دوائر التاريخ )

 

لكي يوجد خير مطلق لابد من وجود شر جزئي

( هكذا علمنا أبن سينا )

 

نعم الكون كائن عضوي , "فلا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ", ولأن الإنسان هو الكائن العاقل , هو الكائن العبثي , القادر على الإختيار , الذي لا يؤمن بما يجب أن يكون , الذي لا يؤمن بقانوني التعارف  والتعايش بين البشر , أو حتى بين البشر والطبيعة , فهو الوحيد الذي يكسر القاعدة , لينشأ صراعاً دائماً مابين الخير والشر , الحق والباطل , النور والظلام ,الجمال والقبح ,  لينشأ تاريخاً يسير في دوائر متعاكسة تلتقي عند نقطة الصراع .

 

علي أولاً أن أميز بين عدة مصطلحات , وعلاقاتها بإدراكنا لهذا العالم , فالديالكتيك يختلف عن الصراع والتناقض , فالعلاقة بين أجزاء الطبيعة تسير بشكل ديناميكي , بمعنى أنها تعتمد على التتأثير والتأثر المتبادل , مع الوضع في الإعتبار أنها تسير وفق آلية محددة ومنضبطة تماماً , ولكن هذه الآلية الديناميكية تقبل أن يكون بداخلها المتناقضات , كوجود الليل والنهار , إلا أن هذه المتناقضات تؤدي دورها بإنتظام ودقة دون أن تتصارع , وهنا يتضح الخلاف الجوهري بين المعان الثلاث , فوجود التناقض ليس بالضرورة أن يؤدي إلى الصراع , والصراع بطبيعة الخال لا يعني الديالكتيك , لأن الأخير يتميز بصراع بين متناقضين يؤدي في النهاية إلى وجود طرف ثالث يضمهما معاً .

 

العلاقة أذن تسير بشكل ديناميكي في الطبيعة , وتسير بنفس الشكل في المظاهر الحضارية الإنسانية , أي في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها " التكنولوجيا " , وفي العلوم الإنسانية وتطبيقاتها " الحلول المختلفة للمشكلات المتعلقة بحياة البشر السياسية والإقتصادية وغيرها " , مع الأختلاف بينهما في درجة التعميم والدقة , وتسير أيضاً بنفس الشكل في الفنون والآداب , بل وفي العادات والتقاليد والأعراف السوية " وأنا هنا اتحدث عن العادات التي ليس لها أساس أيدولوجي , لكنها غير مغتربة , أي أنها تتفق مع المنطق السليم والحدس السليم , أو بعبارة أخرى مع الفطرة البشرية " , والتي تعتمد في الأساس على الإتصال التبادلي الدائم بين أفراد المجتمع الواحد ,  بل وبين الإنسان والطبيعة في بعض الأحيان .

 

هنا يجب أن نتسائل هل العلاقات البشرية جميعها تسير بنفس الشكل , وهل التاريخ بطبيعة الحال يسير في نفس الإطار , أعتقد أن العلاقات البشرية تتسم بالصراع , والتي تقتضي وجود إغتراب إرادي وبالتبعية إغتراب قهري في حالة مواجهة مباشرة بين طرفين , تلك الصورة التي تتطابق في علاقة الأفراد ببعضهم البعض , وعلاقة الجماعات داخل المجتمع الواحد , بل وعلاقة الحضارات داخل الحركة العامة للتاريخ , فحتى وأن تصارعة قوتين مغتربتين إرادياً فهما يتصارعان على النفوذ والسلطة والثروة مما يتطلب إستلاب شعوب أخرى حقوقها , وهو ما ينشيء مغترباً قهرياً في المعادلة , كما أن هذه العلاقات لا تتسم أيضاً بالديالكتيك سواء كان مثالياً أو مادياً , فالإنتقال من المجتمع العبودي إلى الإقطاعي إلى الرأسمالي مرتبط بالأساس بإكتشاف الزراعة في حالة المجتمع الإقطاعي , وبالتقدم العلمي والتكنولوجي \ الصناعي  في حالة المجتمع الرأسمالي , هي أذن مظاهر حضارية لها صفة الديناميكية التي تحدثنا عنها من قبل , أما إستغلال الإنسان لهذه المظاهر في علاقته بالإنسان له صفة الثبات , فالعبد والقن والعامل المسلوب الحقوق , يمثلون الطرف المغترب قهرياً , في مواجهة السيد والأقطاعي والرأسمالي السالب للحقوق , الذين يمثلون الطرف المغترب إرادياً , وهذا ينقلنا إلى قضية أخرى وهي أن التاريخ لا يعيد ذاته ولكن أخطاء البشر هي التي تتكرر

وهنا يجب أن نتسائل أيضاً عن حركة التاريخ  , أعتقد أن التاريخ يسير في حركة دائرية , تتكون من دائرتين تسيران في إتجاهين متضادين , وبطبيعة الحال لهما مراحل رئيسية على خط الدائرة ومراحل كثيرة فرعية , الدائرة الأولى تبدأ بمرحلة الصراع بين طرفين ثم تنتقل إلى مرحلة إنتصار إحداهما ثم مرحلة القوة والضعف وصولاً إلى الصراع من جديد الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى الهزيمة  , والدائرة الثانية تبدأ من مرحلة الصراع مروراً بالهزيمة والضعف والإفاقة وصولاً إلى مرحلة الصراع من جديد الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى الإنتصار , ما أريد أن أقوله ان هناك أمة تستطيع بعد مرحلة صراع أن تنتصر وتكون القوة المسيطرة على باقي الأمم حتى تفيق أمة اخرى وتنتقل من حالة الضعف , لتدخل في صراع معها وتنتصر عليها وبطبيعة الحال تأخذ مكانها , وحتى في حالة تحالف قوتين متضادتين مع بعضهما ضد قوة أخرى , تكون النتيجة الحتمية بعد القضاء عليها صراع القوتين وإنتصار إحداهما على الأخرى , كما حدث من تحالف النظام الستاليني مع القوى الرأسمالية ضد النظام النازي , ذلك التحالف الذي سرعان ما تحول إلى صراع بعد القضاء على النازية في شكل الحرب الباردة التي أنتهت بشكل رمزي مع سقوط سور برلين .

 

ما الحل أذن , أعتقد أن خلاص البشرية يكمن في كسر هذا الشكل الدائري , والصراع القائم على الإغتراب , والوصول إلى حالة بنائية داخل الأمة الواحدة , وعلاقات قائمة على التعارف والتعايش السلمي بين الأمم المختلفة , الحالة الأولى تكون قائمة على نسق واحد يحوي مجموعة من الأنساق الداخلية  التي تعمل جميعها بشكل وظيفي لبناء المجتمع , والخروج من حالة الصراع بين الجماعات , ولن يكون ذلك إلى بخلاص الشعوب من حكوماتها الديكتاتورية والفاشيستية لأنها حكومات تنمي وتغذي هذا الصراع بل والصراع مع الأمم الأخرى  للحفاظ على السلطة , أما العلاقات بين الأمم المختلفة فلن تصل إلى مرحلة التعارف والتعايش السلمي إلا بضغط الشعوب على حكوماتها لبناء عالم جديد قائم على المباديء الإنسانية التي لا يختلف عليها أحد , وبطبيعة الحال لن يحدث ذلك إلا بالتواصل الشعبي الذي أصبح يسيراً في عالمنا الآن , والذي نجده جلياً في الإحتجاجات الشعبية التي تصول وتجول في قريتنا الصغيرة مطالبة بالحرية والعدالة الإجتماعية , بما يشبه حالة مخاض لثورة عالمية أولى , خلاص البشرية أذن في يديها , فحتى وإن أغتربة الحكومات تظل الشعوب هي الحافظة للضمير الإنساني , فالإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان .

 

 

وطن
وطنhttps://watanserb.com/
الحساب الخاص في محرري موقع وطن يغرد خارج السرب. يشرف على تحرير موقع وطن نخبة من الصحفيين والإعلاميين والمترجمين. تابع كل جديد لدى محرري وطن
اقرأ أيضاً

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

spot_img

اشترك في نشرتنا البريدية

حتى تصلك أحدث أخبارنا على بريدك الإلكتروني

تابعونا

- Advertisment -

الأحدث