يقول “صامويل راماني” الباحث في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد البريطانية، إنّه في 5 ديسمبر / كانون الأول الجاري، أعلنت الخارجية الإماراتية تشكيل تحالف سياسي وعسكري جديد بين دولتي .

 

وهو تحالف يسمح لكلا البلدين بالتعاون على المستوى الثنائي بشأن احتواء نفوذ في الشرق الأوسط، وتطوير مبادرات اقتصادية مشتركة مفيدة للرياض وأبوظبي.

 

ورغم أن المسؤولين السعوديين والإماراتيين يعربون دائما عن التزامهم الحفاظ على تماسك لدول العربية، إلا أن أزمة الراهنة دفعت محللين عربا كثيرين إلى التكهن بأن التحالف السعودي ـ الإماراتي الجديد سيحل، في نهاية المطاف، محل مجلس التعاون، من حيث الأهمية الاستراتيجية.

 

وبلغت هذه التكهنات ذروتها عقب قمة قادة دول مجلس التعاون الأخيرة (5 و6 ديسمبر / كانون الأول الجاري)، ورفض العاهل السعودي بن عبد العزيز، السفر إلى الكويت (التي استضافت القمة)، للقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

 

** قطر.. خصم عنيد

 

رغم أن التوترات بين دول مجلس التعاون (السعودية، والإمارات، والبحرين، والكويت، وسلطنة عمان، وقطر) وصلت أعلى مستوياتها منذ تأسيس المجلس عام 1981، إلا أنه ليس مرجحا أن يحل التحالف الإماراتي ـ السعودي محل المجلس بشكل دائم، لو أمعنا النظر في الديناميات الجيوسياسية في الخليج.

 

إن احتمالات تماسك دول مجلس التعاون الخليجي على المدى الطويل، تعززها عدم رغبة السعودية في جعل قطر خصما طويل الأمد، بجانب التوترات المخفية بين الرياض وأبو ظبي، والتي يمكن أن تضعف تحالفهما العسكري.

 

ورغم الخطاب الحاد المناهض لقطر من جانب الرياض، ودعوة البحرين إلى طرد الدوحة من مجلس التعاون، إلا أن انفصال قطر الدائم عن دول مجلس التعاون سيشكل تحديا خطيرا لمصالح الرياض الاستراتيجية.

 

فموارد قطر المالية الواسعة وروابطها مع الجماعات الإسلامية في العالم العربي، تجعلها خصما عنيدا لا يقوى أمامه التحالف السعودي ـ الإماراتي.

 

كما أن شن حرب بالوكالة على جبهتين يمكن أن يؤثر على ما تعتبره السعودية كفاحا وجوديا ضد إيران، ويسهل وضع ميثاق أمني قطري ـ إيراني ضد السعودية.

 

** آخر محاولة في استراتيجية فاشلة

 

تلك المخاطر تقوض نظرية أن جهود الرياض لعزل قطر اقتصاديا ودبلوماسيا تهدف إلى هزيمة الدوحة.

 

بدلاً من ذلك، كان استخدام السعودية للدبلوماسية القسرية ضد الدوحة مقامرة لإقناع قطر بالاعتراف بهيمنة السعودية على دول مجلس التعاون، و”وقف تمويل الجماعات الإسلامية، التي تهدد المصالح السعودية في الشرق الأوسط”، الأمر الذي تنفيه قطر.

 

ويعتبر التحالف السعودي ـ الإماراتي الجديد آخر محاولة في استراتيجية فاشلة لعزل قطر عن الشؤون الإقليمية.

 

وفي حين أن تصريح الأمير تميم بأن قطر ازدهرت منذ تعليق علاقاتها مع دول مجلس التعاون (في 5 يونيو / حزيران 2017) يعد ضربا من المبالغة، إلا أن توسع تجارة بلاده مع والصين وباكستان، وتحاشي الركود الاقتصادي منذ انقطاع العلاقات، يدل على قدرة الدوحة على الصمود قوة إقليمية.

 

ولم يتنبأ المسؤولون السعوديون بمدى ثبات قطر في مواجهة الشدائد، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى إعادة تقييم استراتيجية الرياض تجاه الدوحة.

 

** تطبيع محتمل

 

بما أن المسؤولين السعوديين والإماراتيين لا يريدون من قطر أن تعيد ترتيب أوراق سياستها الخارجية بشكل دائم بعيدا عن دول مجلس التعاون، فإن التحالف السعودي ـ الإماراتي الجديد يمكن أن يندمج في نهاية المطاف في إطار دول مجلس التعاون.

 

ولاستعادة الوحدة في الخليج، يمكن أن تسعى الرياض وأبو ظبي وراء مشاركة قطر في مشاريع تتم مناقشتها في إطار الشراكة الاقتصادية والأمنية الثنائية الجديدة.

 

وقد يحدث تطبيع في العلاقات بين التحالف السعودي ـ الإماراتي وقطر حالما تتجه صراعات سوريا واليمن نحو تسوية سلمية.

 

وستعزز جبهة مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير الموقف التفاوضي لدول الخليج العربية تجاه إيران.

 

ويمكن أن تستمر الخلافات السياسية الرئيسية بين قطر والحلف السعودي ـ الإماراتي في الظهور، حيث ستستمر ذكريات سلبية للأزمة الحالية لسنوات قادمة.

 

ومع ذلك، فإن نهاية أزمة قطر من المرجح أن تشبه تطبيع السعودية وقطر عام 2015.

 

** تباين سعودي إماراتي

 

وبالإضافة إلى أن التحالف الإماراتي ـ السعودي سيؤدي إلى مخاطر مرتبطة بتنفير قطر بشكل دائم، فإنه يمكن أن يضعف كذلك بسبب الخلافات الواضحة في رؤى البلدين بشأن النظام الإقليمي للشرق الأوسط.

 

وإلى حد كبير تتسم رؤية السعودية بأبعاد مذهبية، حيث ترى الرياض أن إيران هي التهديد الرئيسي للاستقرار الإقليمي، وترى الجهات الفاعلة الشيعية الموالية لإيران قوى معادية.

 

أما فترفض النهج المذهبي المتشدد للسعودية.

 

وتحت قيادة ولي عهد أبوظبي ، دعمت الإمارات بحزم القوى العلمانية في الشرق الأوسط، واعتبرت الجماعات الإسلامية السنية أكثر تهديدا للاستقرار الإقليمي من إيران.

 

** هادي وصالح

 

وكشف التضارب في الرؤى الاستراتيجية بين السعودية والإمارات عن نفسه في كلا البلدين باتجاه الاستجابة لأزمتي اليمن وسوريا.

 

ففي اليمن، ركزت الحملة العسكرية السعودية، في المقام الأول، على مواجهة التهديد الذي يشكله الحوثيون (الموالون لإيران) على حدودها.

 

كما يواصل الجيش السعودي دعمه للرئيس السني (اليمني) عبد ربه منصور هادي، لتوطيد سلطته.

 

ولتعزيز موقف هادي انحازت السعودية إلى فرع الإخوان المسلمين اليمني، وهو (حزب) “التجمع اليمني للإصلاح”، وواجهت محاولات الإمارات رسم منطقة نفوذ جنوبي اليمن.

 

ومنذ اندلاع بين المتمردين الحوثيين اليمنيين وتحالف دول مجلس التعاون الخليجي، في مارس / آذار 2015، ركزت الإمارات على استعادة الحكم الاستبدادي العلماني في اليمن.

 

وخلافا للسعودية، فإن أبوظبي لا يهمها الانتماء الطائفي للزعيم الجديد في اليمن.

 

إن الدعم العسكري من الإمارات للرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، والرغبة في استخدام القوة ضد عناصر “الإصلاح” الموالية للسعودية، يؤكدان شقة الخلاف في الأهداف الاستراتيجية في اليمن بين الرياض وأبو ظبي.

 

** نظام الأسد

 

لكن التناقض بين الأهداف السعودية والإماراتية في سوريا أقل وضوحا منه في اليمن.

 

ومع ذلك، تبنت الدولتان مواقف مختلفة حول ما ينبغي أن تبدو عليه التسوية السلمية السورية.

 

ورغم النجاحات العسكرية التي حققها (رئيس النظام السوري بشار) الأسد منذ عام 2015، ظلت السعودية ملجأ للجماعات السنية التي ترفض حلولا دبلوماسية مع الأسد.

 

ومع أن الإمارات قدمت دعما ماليا لفصائل في المعارضة السورية، فقد فتحت أبو ظبي قنوات اتصال مع مسؤولين من نظام الأسد في 2012، وتعاونت مع روسيا على حل النزاع السوري.

 

وتتضارب هذه السياسات مع الأهداف السعودية، وتسلط الضوء على الهوة في وجهات النظر بين قادة البلدين.

 

** تحالف مصلحة

 

ورغم أن هذا التضارب في الرؤى بين الرياض وأبوظبي يمكن أن يزول على المدى القصير، بما أن السعودية والإمارات لديهما أهداف مشتركة كافية للبقاء حلفاء، إلا أن الخلافات الكامنة بينهما يمكن أن تشكل تهديدا طويل الأمد لتحالف الرياض ـ أبوظبي.

 

ويشير استمرار الخلافات في العلاقات الثنائية بين السعودية والإمارات، إلى أن انحياز البلدين ضد قطر هو تحالف مصلحة يفتقر إلى أسس أيديولوجية راسخة.

 

ورغم تلك التوترات، فإن التعاون المستهدف على صعيد أهداف محددة، مثل عملية مكافحة الإرهاب المشتركة في منطقة الساحل الإفريقي، بتكلفة 130 مليون دولار، وجهود المعاملات المصرفية العابرة للحدود، ربما يستمر في المستقبل المنظور.

 

لكن مجالات التعاون تلك محدودة النطاق نسبيا، وليست كافية لتوطيد التحالف السعودي ـ الإماراتي بشكل يكفي لجعله بديلا عن مجلس التعاون الخليجي.

 

وبغض النظر عن أن الالتزام الرسمي بهذا التحالف يفيد تطلعات البلدين للحفاظ على الاستقرار في الخليج، إلا أن الصمود الطويل الأمد لهذا الانحياز، وقدرته على الاستمرار بشكل مستقل عن مجلس التعاون الخليجي غير واضح المعالم.

 

وفي حين أن التحالف السعودي ـ الإماراتي من المرجح أن يقوى بشكل مستمر طالما ظلت علاقات البلدين متوترة مع قطر، فإنه يمكن للتوترات الكامنة بينهما، وتصاعد لهجة العداء بين الرياض وطهران، أن تمنح قبلة الحياة مجددا لمجلس التعاون الخليجي، في الأشهر المقبلة، كمنظمة أمنية جماعية.