نشرت مجلة ” فورين أفيرز” الأمريكية, تقريرا عن الأحداث التي جرت في مؤخراً, مشيرة إلى التاسع من أبريل/نيسان، وهو التاريخ الذي هاجم فيه “انتحاريون” قبطية في مدينتي طنطا والإسكندرية في مصر، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصًا خلال صلوات الأحد الماضي. وكان تنظيم الدولة الإسلامية، الذي أعلن مسؤوليته عن الهجمات، قد تعهد في السابق بزيادة هجماته على المسيحيين المصريين. وعلى مدى الأعوام الماضية، تزايدت الهجمات على الكنائس المسيحية وقوات الأمن والسياح.

 

وتأتي هذه التفجيرات بعد أيامٍ قليلة من عودة الرئيس المصري «» من زيارته الأولى للبيت الأبيض، والتي أحدثت ضجة كانتصارٍ كبير من قبل وسائل الإعلام المصرية. وحاول «السيسي» تبرير حكمه الاستبدادي من خلال تقديم نفسه كرئيسٍ قادرٍ على تحقيق الاستقرار والازدهار مرة أخرى لمصر في أعقاب اضطرابات الربيع العربي. لكنّ هجمات أحد الشعانين تكشف عن أنّها كانت وعودًا جوفاء، وأظهرت كذلك حدود «السيسي» كحليف للولايات المتحدة.

 

وبصرف النظر عن الأسئلة الأخلاقية المتعلقة باحتضان القائد الأكثر ًا في تاريخ مصر الحديث، فإنّ «السيسي» ليس المنقذ القوي كما يقدم نفسه. وهو رقمٌ استقطابيٌ شديد في الداخل، ويعتمد على القمع الشديد والأوهام حول المعجزات الاقتصادية للبقاء في السلطة. وفي الوقت نفسه، يستخدم «السيسي» شبح الإرهاب كذريعة لتهميش المعارضين والنقاد المحتملين للنظام العسكري الذي يقوده. وعلى الرغم من أنّ «السيسي» قد يتعاون مع الغرب للحفاظ على الوضع الراهن على المدى القصير، فإنّه ليس شريكًا موثوقًا به لتحقيق الاستقرار في مصر أو المنطقة.

 

ليس «عبد الناصر» جديد

في الداخل، قدم «السيسي» نفسه في صورة الجديد، وأنّه يمثل السلطة السياسية التي يمكن أن تعيد الفخر الوطني وتحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي لمصر. وفي محاولة لتعزيز زيارة «السيسي» الأولى للبيت الأبيض، زعمت وسائل الإعلام المصرية الموالية للحكومة أنّه قد تمّ الاحتفاء به من قبل وسائل الإعلام الغربية المختلفة. وقد أشادت صحيفة الأهرام المصرية بالتصوير المزعوم لوسائل الإعلام الأمريكية لزيارة «السيسي» للبيت الأبيض كاجتماعٍ بين «قوى الخير»، واحتفلت جريدة الشروق الخاصة بحقيقة أنّ «السيسي» قد حصل على كل ما كان ينتظره خلال الأعوام الأربعة الماضية في ست دقائق فقط في البيت الأبيض، وهو تجديد الالتزام بالمساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية والإعلان العلني عن الثقة المطلقة في «السيسي» كزعيم وشريك.

 

وفي الواقع، انتقدت وكالات الأنباء الأمريكية بشدة دعوة «السيسي» إلى البيت الأبيض، الذي كان يبيح قمعه للمعارضة ووسائل الإعلام. واستمرت الانتقادات بعد احتضان إدارة «دونالد » للسيسي في أعقاب تفجيرات الأحد حيث صار من الواضح أنّ الحكومة المصرية ستستفيد بشكلٍ ملموس من العلاقات الأكثر دفئًا مع إدارة «». وبعد التفجيرات التي وقعت يوم الأحد، أعلن «السيسي» حالة طوارئ مدتها ثلاثة أشهر وصودرت الصحف التي حملت الحكومة المصرية مسؤولية عدم بذل المزيد من الجهد لمنع الهجمات. (الصورة: والسيسي خلال زيارة الأخير للبيت الأبيض مطلع الشهر الحالي)

 

وكان رد فعل الصحافة المصرية على رحلة «السيسي» آخر محاولات التوازن بين الدعوة إلى تجديد العلاقات الأمريكية المصرية، في الوقت الذي كانت تتحدث فيه عن الولايات المتحدة كشريكٍ متآمر على تقويض سمعة مصر. وفي السابق، كانت وسائل الإعلام المصرية مليئة بنظريات المؤامرة حول علاقات إدارة «أوباما» الغامضة مع جماعة الإخوان ، حتى مع سعي الحكومة المصرية لضمان استمرار تدفق المساعدات الأمريكية. أما الآن، فإنّ الاحتفاء بالزيارة التي قام بها «السيسي» إلى البيت الأبيض لا يزال يضع الحكومة المصرية تحت سيطرة علاقتها مع الولايات المتحدة. (وقد ذهبت وسائل الإعلام المصرية حتى الآن إلى الادعاء بأنّ ترامب قد فاز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بسبب تأييد السيسي).

 

ويكشف خطاب الحكومة المصرية عن ضعفها وليس قوتها. وفي ظل هذه المآسي مثل تفجيرات الأحد خاصةً، لا يمكن الحفاظ على تمجيد «السيسي» إلا من خلال الأوهام التي ترعاها الحكومة والأكاذيب الصريحة التي تعتمد على القمع الوحشي للأصوات المنشقة عن الطيف الأيديولوجي الجمعي.

 

صورة «السيسي» في الخارج

وفي الخارج، قدم «السيسي» نفسه كنموذج للزعيم العربي الصديق للغرب، و«منارة للإسلام المعتدل»، الذي يستطيع محاربة التطرف في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وتحت حكمه، قامت الحكومة المصرية بتوظيف جماعات ضغط من طراز «جي ستريت» لتحسين صورة مصر والحفاظ على تدفق المساعدات الخارجية بعد الانقلاب العسكري عام 2013. وكانت زيارة «السيسي» للبيت الأبيض تتويجًا للجهود الرامية إلى إعادة تركيز العلاقة الأمريكية المصرية على التعاون في مكافحة الإرهاب وبعيدًا عن انتقاد ملف حقوق الإنسان.

 

وعقب تفجيرات يوم الأحد، أكد البيت الأبيض ثقته بـ«السيسي» كزعيم يمكنه التعامل مع الأزمات الأمنية. وتعدّ هذه مظاهر الثقة الدولية مهمة للحكومة المصرية، خاصةً وأنّ تفجيرات الكنائس قد وقعت قبل أسابيع قليلة من زيارة مقررة من البابا «فرنسيس» إلى مصر.

 

وإذا صنفت واشنطن جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، سيحظى «السيسي» بحرية القمع في الداخل، وربما يحظى بتعاونٍ أمريكي متزايد. ومع ذلك، قال العديد من خبراء الشرق الأوسط، ومن بينهم منتقدي الإخوان، أنّ مثل هذا التصنيف لن يكون حكيمًا، لأنّ جماعة الإخوان المسلمين تعد منظمة مظلة بشكلٍ فضفاض، حيث تشمل العديد من الجماعات في جميع أنحاء العالم. وقد تخلت جماعة الإخوان المسلمين المصرية عن العنف منذ عقود، وتحظى بدعمٍ كبير من المجتمع، وكانت تسيطر على الحكومة لمدة عام بين منتصف 2012 إلى منتصف 2013. وتعدّ استدعاءات الحكومة المصرية الحالية لمخاوف التهديد الإرهابي جزءًا من محاولات «السيسي» الرامية إلى تقديم نفسه كصاحب رؤية عالمي معتدلة وكزعيمٍ مسلم «معتدل».

 

ومع ذلك، فإنّ عرض السيسي لنفسه كنموذجٍ للإسلام المعتدل يخفي مدى الجدل الذي يثيره في الداخل. ووفقًا لبيو للاستطلاعات، كان المصريون منقسمون على «السيسي» قبل الانتخابات الرئاسية عام 2014 التي جلبته رسميًا إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين، سجن «السيسي» ببساطة منتقديه أو أسكتهم، الأمر الذي لم يترك له أي فرصة لتقديم حل سياسي للصراع في مصر، ناهيك عن المنطقة بشكلٍ أوسع. ويستخدم «السيسي» ما تبقى من وسائل الإعلام المصرية لتقديم نفسه كحصن ضد الفوضى مثل تلك التي في ليبيا وسوريا. ويدعم «السيسي» رجالًا إقليميين آخرين قادرين على السيطرة على الجيوش الوطنية مثل «بشار الأسد» في سوريا و«خليفة حفتر» في ليبيا.

 

وعلى الرغم من أنّ «السيسي» يقدم نفسه كحارس ضد تهديد الإرهاب والفوضى، إلا أنّ أساليبه القمعية قد أدت إلى تفاقم المشكلة. وكما تظهر تفجيرات الكنائس يوم الأحد، لم يحل «السيسي» أزمة الأمن الداخلي في مصر. ومنذ البداية، تم تمكين حكمه وشعبيته فقط بالقمع. ويخلو مجال الإعلام المصري المقيد بإحكام من كل الأصوات المعارضة، خاصةً أولئك الذين يخرجون عن نسق المفضل، وهو الاختيار ما بين التطرف على غرار داعش، أو ديكتاتورية الجيش. ولا يمكن تفنيد محاولة «السيسي» تسمية خصومه بالإرهابيين والمحرضين على تدمير مصر، لأن المعارضة في الواقع محظورة.

 

وفي الوقت نفسه، فإنّ الوعود الأخرى للسيسي تستند في كثير من الأحيان إلى «حلول» غير واقعية أو حتى سحرية. ومنذ عام 2013، وعدت الحكومة المصرية بعلاج الإيدز والتهاب الكبد الوبائي (C)، وبمشاريع ضخمة مشكوكٌ في جدواها اقتصاديًا مثل توسيع قناة السويس (بتمويلٍ جزئي من مشتريات المصريين وشهادات الاستثمار الخاصة)، وتعتزم بناء عاصمة جديدة حديثة جدًا لتحل محل القاهرة القديمة. وعلى خلفية الصعوبات الاقتصادية الشديدة والتدابير التقشفية، دعا «السيسي» مرارًا المصريين العاديين إلى تحمل العبء بشكل شخصي كجزء من واجباتهم الوطنية: «إذا كان هناك عشرة ملايين فقط من بين تسعين مليون يملكون جوالا في مصر يتبرعون بجنيه واحد إلى مصر كل صباح، سيكون لدينا عشرة ملايين جنيه كل يوم».

 

مخاطر الشراكة

وفي الغرب، من المرجح أن يؤدي احتضان «السيسي» إلى نتائج عكسية على الجبهات الأمنية والاقتصادية على السواء. ويعني تأييد «السيسي» الانحياز إلى طرف في صراع سياسي محلي يتطلب تسوية سياسية. وسيستخدم «السيسي» الشرعية الدولية لمواصلة قمع خصومه السياسيين وترسيخ دور الجيش في الاقتصاد باسم الأمن القومي.

 

ويعتبر «السيسي» شخصية استقطابية بشدة، ولا يتمتع بالمصداقية الكافية للتوسط في الحلول السياسية اللازمة للحد من التطرف أو حل المشاكل الاقتصادية العميقة في مصر، بما في ذلك العمل مع المعارضين السياسيين، والحد من انتهاكات الشرطة المصرية، والتنازل عن بعض القوى السياسية والاقتصادية الهائلة للجيش. ولقد أخذ «السيسي» مصر في طريقٍ معاكس نحو مجتمعٍ أكثر شمولية بكثير مما كان ممكنًا في عهد «مبارك». وقد تكون الولايات المتحدة عالقة مع «السيسي» في الوقت الراهن، بل وربما تتشارك بعض المصالح قصيرة الأجل مع حكومته. ومع ذلك، فإنّ دعم الديكتاتوريين المعتمدين على المعونة ليس طريقًا للاستقرار أو الازدهار على المدى الطويل.

 

المصدر: ترجمة وتحرير الخليج الجديد..