نشرت شبكة “سي ان ان” الأمريكية تحليلا للهجوم الارهابي الذي أوقع عشرات القتلى والاصابات في ليلة رأس السنة, لافتة فيه إلى أن هذا الهجوم كانت فيه الرسالة واضحة بدأ عام 2017، وتوقعوا المزيد من ذات الشيء في المستقبل.

 

دوي رصاص هذا المسلح المتشح بالسواد في مثل تلك الليلة المُحتفل بها عالمياً سيتردد صداه بقوة لمدة طويلة.

 

إذ وضع عام 2016 بالفعل قاعدة رهيبة ودموية من الفوضى الإرهابية للمواطنين في : عشرات الهجمات، من الطرف الشرقي لأوروبا في اسطنبول حتى الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا.

 

وفي مرات بالعام الماضي بدا الوضع وكأنه لم يمر أسبوع بين الضربة والأخرى، من الهجوم الجريء بالمسدسات والقنابل في المطار الدولي الرئيسي في اسطنبول إلى مذابح في الشوارع المليئة بالسياح في المدينة، لاغتيال السفير الروسي في العاصمة أنقرة، منذ 12 يوماً.

 

هذا ما كان عليه تصعيد الهجمات في الأشهر القليلة الماضية خلال عام 2016، لدرجة أن الهجوم الإرهابي الذي وقع في ملهى “رينا” الليلي بدا وكأنه لا مفر منه – إن لم يكن هناك على وجه التحديد إذا في مكان مماثل، موقع فاخر وعلماني ويُقدم فيه الكحول.

 

قبل شهرين تقريباً، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من أن “الجماعات المتطرفة ستواصل الجهود العدوانية لمهاجمة مواطني الولايات المتحدة في مناطق إقامتهم بإسطنبول أو الأمكان التي يرتادونها.”

 

وخلال عام تحولت تركيا من وجهة سياحية شعبية لموقع تنفيذ الهجمات الإرهابية يكاد يصبح حتمي. إنها ليست سمعة يريدها أي بلد – وعلى وجه الخصوص تركيا، مع معاناة اقتصادها في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة الصيف الماضي. وهذا لم يأت من فراغ.

 

عقود من الصراع الدموي

هناك نوعين من الإرهاب الذي سيستهدف تركيا الآن: الكردي و”الإسلامي المتطرف”.

 

سيكون من السهل إلقاء اللوم لنمو الاثنين على رئيس تركيا القوي الذي يزداد استبدادية، رجب طيب أردوغان، ولكن ذلك سيكون تبسيطاً مبالغ للاضطرابات التي تحدث في هذه الدولة التي كانت في مرحلة ما علمانية.

 

ورغم ذلك، فإن أردوغان يُشكل مصير تركيا أكثر من أي شخص واحد آخر.

 

إذ قبل أربع سنوات أنهى أردوغان ثلاثة عقود من الصراع الدامي مع الأكراد في البلاد. وهم يشكلون نسبة 20 في المائة من الشعب التركي الذي يبلغ عدده 80 مليون نسمة. وقُتل عشرات الآلاف في حملة إرهابية بينما حارب الأكراد الدولة مطالبة بحقوق أفضل.

 

ومع السلام جاءت الشعبية، إذ فاز حزب كردي علماني بمقاعد في الانتخابات الوطنية التالية. ولكن مكاسبه هددت قبضة أردوغان على السلطة التشريعية.

 

وفي حين كان ذلك يجري، احتدمت الحرب المجاورة في سوريا. وعقدت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقاً مع تركيا لاستخدام قاعدة “إنجرليك” الجوية القريبة من الحدود السورية من أجل ضرب أهداف تنظيم “”. وبالمقابل، وافقت تركيا على ضرب “الإرهابيين” أيضاً.

 

ولكن عندما فعلت تركيا ذلك، لم يكن تركيزها على “داعش”، وإنما عدوها القديم، الأكراد، الذين كانت تخشى أنقرة اكتسابهم أراضٍ داخل سوريا.

 

وفي غضون أشهر اشتعلت الحرب بين تركيا والأكراد مرة أخرى. وتسببت انتخابات مبكرة بعد بضعة أشهر بتعجيز أصوات الأكراد واستعادة سيطرة حزب أردوغان على الحكومة.

 

وبحلول عام 2016، أصبحت تفجيرات “العين بالعين” الكردية والكمائن والهجمات المسلحة التي كان أغلبها ضد أهداف عسكرية وأمنية، الموسيقى الخلفية القبيحة للعام.

 

نقطة عبور لمجندي “داعش”

وأضاف “داعش” ضوضاء معركته الدنيئة إلى ضجيج وحشي في المقام الأول.

 

ومثل تجدد النزاع مع الأكراد، لهذا أيضاً جذوره في سوريا، ومرة ​​أخرى لعب الرئيس أردوغان دوراً قيادياً في تشكيل مساره.

 

إذ في السنوات الأولى للانتفاضة السورية، سعى أردوغان للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان يوماً ما صديقه، عن طريق دعم المعارضة السنّية.

 

وعلى عكس الولايات المتحدة وأوروبا، لم يكن أردوغان صعب الإرضاء حول الذين استفادوا من سخائه، وغالبا ما اختار عناصر المعارضة الإسلامية المحافظة، عوضاً عن المعتدلة.

 

ومع ازديدا قوة “داعش”، استفاد التنظيم من سياسة تركيا تجاه المعارضة. إذ عبر الآلاف والآلاف من مجندي “داعش” تركيا في طريقهم إلى الحرب.

 

الحدود شبه المفتوحة سمحت لمقاتلي “داعش” وأسلحتهم بالتدفق عبر تركيا، لتوفير الإمدادات وطرق الهروب وإنشاء البيوت الآمنة من تحت أنف أردوغان.

 

وقبل ما تشدد الدولة في وقت متأخر أمن حدودها، أصبحت تركيا مليئة بعناصر “داعش”.

 

وبما أن شكل الحرب في سوريا تغير وتحركت روسيا لإنقاذ الأسد، بدأ أردوغان بإعادة التقييم. إذ مع الولايات المتحدة شريكاً غير فعال في الحرب – لأهدافه على الأقل – تحول الزعيم التركي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يزداد نفوذه لعقد صفقة.

 

وسلّط اغتيال السفير الروسي على يد شرطي تركي في أنقرة قبل أسبوع عيد الميلاد الضوء على سرعة تغير توجّه أردوغان. إذ لم يتوقع الكثير من الأتراك، أن يذبل دعمه لإخوانهم في الدين، المعارضين السنّة، بهذه السرعة.

 

تركيا في مرمى النيران

من الواضح أن “داعش” رأى الكتابة على الحائط. إذ انتقلت تركيا من قناة حميدة، إلى عدو صريح.

 

ولم يعلن التنظيم على الفور مسؤوليته عن مطار أتاتورك في يوليو/ تموز الماضي، ولكن بحلول نهاية العام نزع القفازات.

 

ليس لدى “داعش” أو الأكراد أي سبب لتقليص هجماتهم، وتركيا هي حقاً في مرمى نيرانهم.

 

وسيركز الأكراد على أهداف الجيش والشرطة، معتبرين الخسائر المدنية جزءاً مقبولاً من حزمة إرهابهم.

 

سينجذب “داعش” نحو الغربيين ونحو تقويض الدولة التركية. وسيستهدف السياح لضرب الاقتصاد، وشن حرب مفتوحة على العلمانيين في تركيا لتعميق الجرح الذي فتحه أردوغان بين المحافظين والأقل تديناً.

 

هدف “داعش” سيكون خلق حالة من الفوضى، وسيواصل الأكراد معركة الأجيال. لا يبشر أي منهما بالخير لتركيا، وجيرانها في أوروبا أو حلفائها في واشنطن.

 

عام 2016 الوضع السياسي الراهن. وعام 2017 هو بالفعل لوحة قاتمة.