وطن-في خطوة دبلوماسية تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية، قدّم أول سفير إسرائيلي لدى إقليم أرض الصومال، مايكل لوتم، أوراق اعتماده إلى رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله، خلال مراسم رسمية أُقيمت في العاصمة هرجيسا، تزامنت مع وضع حجر الأساس لمبنى سفارة إسرائيلية، في تطور يعكس انتقال العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة جديدة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت، الأحد، أن السفير قدّم أوراق اعتماده خلال الأسبوع الماضي، ووصفت الخطوة بأنها «محطة مهمة أخرى» في مسار تعزيز العلاقات مع أرض الصومال، عقب الاعتراف المتبادل بين الطرفين في 26 ديسمبر 2025.
وتُعد إسرائيل، بحسب الصحيفة، الدولة الوحيدة التي اعترفت رسمياً باستقلال أرض الصومال، الإقليم الواقع شمالي الصومال، والذي أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991، من دون أن يحصل على اعتراف دولي واسع. وفي المقابل، تربط الإقليم علاقات اقتصادية متنامية بدولة الإمارات العربية المتحدة، خصوصاً عبر ميناء بربرة الاستراتيجي.
سفارة إسرائيلية في هرجيسا بعد الاعتراف المتبادل
وجرت مراسم تسلّم أوراق الاعتماد بحضور مسؤولين من الجانبين، حيث قبل رئيس أرض الصومال رسمياً اعتماد مايكل لوتم سفيراً لإسرائيل. كما شهدت المناسبة وضع حجر الأساس لمبنى السفارة الإسرائيلية في العاصمة هرجيسا، وفق بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية الذي نقلته الصحيفة.
وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية المتبادلة منذ إعلان إسرائيل اعترافها بأرض الصومال؛ إذ زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الإقليم، فيما افتتحت أرض الصومال سفارة لها في غرب القدس خلال زيارة أجراها الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله في يونيو الماضي.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن ساعر قوله، عقب مراسم تقديم أوراق الاعتماد، إن إسرائيل «عازمة على تطوير وتعزيز علاقاتها مع أرض الصومال»، في إشارة إلى توجه تل أبيب نحو تحويل الاعتراف السياسي إلى تعاون دبلوماسي أكثر رسوخاً.
من جانبه، قال رئيس أرض الصومال إن هذه هي المرة الأولى التي يتلقى فيها رئيس للإقليم أوراق اعتماد سفير من دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف باستقلال أرض الصومال، معتبراً أن الخطوة تحمل دلالة سياسية وتاريخية بالنسبة إلى الإقليم الذي يسعى منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى تثبيت مكانته ككيان مستقل على الساحة الدولية.
أما السفير الإسرائيلي مايكل لوتم، فأكد، بحسب الصحيفة، أن الاعتراف بأرض الصومال لا يمثل مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعكس إقراراً بما بناه الإقليم خلال 35 عاماً من مؤسسات واستقرار نسبي، مقارنة بالاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها مناطق أخرى في المنطقة.
موقع استراتيجي قرب باب المندب يثير الاهتمام الإسرائيلي
لا تقتصر أهمية التقارب بين إسرائيل وأرض الصومال على الاعتراف المتبادل وتبادل التمثيل الدبلوماسي، بل تمتد إلى الموقع الجغرافي للإقليم المطل على خليج عدن، والقريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وقالت «ميدل إيست آي» إن الجانبين يجريان محادثات بشأن إمكانية إنشاء إسرائيل قاعدة بحرية على ساحل أرض الصومال المطل على البحر الأحمر، وهي خطوة قد تمنح تل أبيب حضوراً استراتيجياً في منطقة تتزايد أهميتها بالنسبة إلى أمن الملاحة والتوازنات الإقليمية.
وخلال مراسم هرجيسا، أشار الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله إلى الأهمية الجيوسياسية للإقليم، قائلاً إن موقع أرض الصومال حول البحر الأحمر وخليج عدن يجعل التعاون مع إسرائيل ذا أهمية إقليمية ودولية. وأضاف أن الإقليم يتعامل مع هذه العلاقة «بالتزام استراتيجي حقيقي ومنظور طويل الأمد».
ويضع هذا الموقع أرض الصومال عند تقاطع طرق بحرية وتجارية حيوية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر وباب المندب، خصوصاً مع تصاعد التوترات التي أثرت في حركة الملاحة خلال السنوات الأخيرة.
ميناء بربرة في قلب التنافس الإقليمي والدولي
تبرز مدينة بربرة، العاصمة التجارية لأرض الصومال، بوصفها إحدى أهم نقاط الاهتمام في هذا التقارب، إذ تضم الميناء الرئيسي للإقليم، وتشرف على ممر بحري بالغ الأهمية يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. وأوضحت الصحيفة أن شركة «دي بي ورلد» الإماراتية تدير ميناء بربرة، ضمن شراكة تشمل ذراع الاستثمار الأجنبي التابعة للحكومة البريطانية. كما تمتلك الإمارات قاعدة عسكرية في المدينة، ما يعكس حجم الاهتمام الإقليمي والدولي بهذا الموقع الحيوي.
ويمنح وجود الميناء والبنية التحتية المرتبطة به الإقليم أهمية تتجاوز حجمه الجغرافي والاقتصادي، إذ يمكن أن يشكل نقطة انطلاق للتعاون التجاري واللوجستي والأمني مع أطراف إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز حضورها في القرن الأفريقي. وفي هذا السياق، يضيف افتتاح سفارة إسرائيلية في هرجيسا، إلى جانب المحادثات المتعلقة بالتعاون البحري، بُعداً جديداً إلى شبكة المصالح والتحالفات المحيطة بالبحر الأحمر وخليج عدن.
اعتراف إسرائيلي يسعى الإقليم إلى استثماره دولياً
بالنسبة إلى أرض الصومال، يمثل الاعتراف الإسرائيلي مكسباً دبلوماسياً تسعى السلطات في هرجيسا إلى توظيفه لكسر العزلة الدولية، وفتح الباب أمام علاقات أوسع مع دول أخرى، بعد عقود من إعلان الانفصال عن الصومال من دون الحصول على اعتراف دولي واسع. أما إسرائيل، فتجد في الإقليم شريكاً محتملاً في منطقة ذات أهمية استراتيجية، بالنظر إلى قربها من باب المندب وخليج عدن، وما يرتبط بذلك من مصالح بحرية وأمنية وتجارية.
وبينما تعمل هرجيسا على تعزيز مكانتها السياسية والاقتصادية، تسعى تل أبيب إلى ترسيخ وجود دبلوماسي في القرن الأفريقي، في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وبذلك، لا يبدو تقديم أوراق اعتماد أول سفير إسرائيلي مجرد إجراء دبلوماسي بروتوكولي، بل خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين الطرفين، قد تمتد آثارها إلى توازنات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، خصوصاً إذا تحولت المحادثات المتعلقة بالتعاون البحري إلى ترتيبات عملية.
اقرأ المزيد
من أرض الصومال إلى جنوب اليمن: إسرائيل ترسم خريطة نفوذ جديدة على البحر الأحمر
زيارة سرية بين رئيس أرض الصومال وإسرائيل تكشف صفقة الاعتراف واتفاقات تتجاوز الدبلوماسية
الصومال يعلن إنهاء اتفاقياته مع الإمارات وإعادة رسم النفوذ في القرن الإفريقي
المخطط الإماراتي الإسرائيلي بين اليمن والصومال وصراع النفوذ في القرن الإفريقي

