وطن-تتزايد المخاوف من تفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة، بعدما أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته بنحو الثلث بسبب نقص التمويل، في خطوة ستحرم نحو نصف مليون فلسطيني من المساعدات التي يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتدهور ظروف معيشة النازحين.
وأعلن البرنامج، في 19 أكتوبر 2026، خفض عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية في غزة من نحو 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون، محذراً من أن التحسن المحدود الذي شهدته الأوضاع الغذائية خلال الأشهر الماضية يظل هشاً وقابلاً للانتكاس. كما خفّض الحصص الغذائية إلى النصف، وقلّص الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء.
وسلط موقع «ميدل إيست آي» البريطاني الضوء على انعكاسات القرار على العائلات الفلسطينية التي تعيش في الخيام ومراكز النزوح، مستعرضاً شهادات سكان يخشون العودة إلى ظروف الجوع الحاد التي عاشوها خلال مراحل سابقة من الحرب والحصار.
عائلات تقلّص وجباتها خوفاً من نفاد الطعام
في خيمة نزوح بشارع الوحدة في مدينة غزة، كانت علا الشمالي تطهو كمية صغيرة من العدس لعائلتها المكونة من تسعة أفراد. لم تكن الوجبة كافية لتلبية احتياجات الأسرة، لكنها وسيلة لتوفير ما تبقى من الطعام في ظل مخاوف من تراجع المساعدات خلال الفترة المقبلة.
وقالت علا، بحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، إن الأسرة بدأت تقليل كميات الطعام اليومية لإطالة مدة الاستفادة من مخزونها المحدود، بعدما أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على الطرود الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي والجمعيات الخيرية.
وأضافت أن تقليص المساعدات يعني أن الأسرة ستعيش على حافة المجاعة، مشيرة إلى أن والدها محمد الشمالي، البالغ من العمر 78 عاماً، لا يزال يعاني آثار التدهور الصحي الذي أصابه خلال أزمة الجوع السابقة.
ويعاني الوالد سرطان المثانة وارتفاع ضغط الدم والسكري، وهي أمراض تجعل تأمين غذاء متنوع ومتوازن أكثر أهمية، غير أن الأسرة بالكاد تستطيع توفير الاحتياجات الأساسية. وكانت علا تبيع أحياناً جزءاً من المساعدات التي تحصل عليها لشراء مواد غذائية أخرى تناسب احتياجات والدها الصحية، لكنها تخشى الآن أن يؤدي خفض الحصص إلى حرمان الأسرة من الطعام الكافي، فضلاً عن صعوبة توفير غذاء مناسب للمريض المسن.
وتعيش العائلة في خيمة مؤقتة بعدما دُمّر منزلها في حي الشجاعية شرقي القطاع في مارس 2025. وتقول علا إن الخيمة لا توفر الحد الأدنى من الخصوصية أو الصرف الصحي أو الكهرباء، وإن الأمطار الأخيرة زادت من صعوبة الحياة داخلها.
وأضافت، في تعبير عن مخاوفها من المرحلة المقبلة، أن الأسرة لا تملك المال لشراء الطعام وتعتمد على المساعدات، محذرة من أن توقفها أو تراجعها قد يترك أفرادها بلا غذاء كافٍ.
برنامج الأغذية العالمي يخفض مساعداته بسبب نقص التمويل
جاء قرار التقليص في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من سكان غزة تواجه انعدام الأمن الغذائي. ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي الصادرة في أكتوبر الجاري، يعاني نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة 67% من سكان القطاع، مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة أو أسوأ، فيما يظل نحو 200 ألف شخص في ظروف طوارئ غذائية تستدعي مساعدة عاجلة لمنع الوفيات المرتبطة بالجوع.
وأوضح البرنامج أن مساعداته كانت تصل إلى نحو 1.6 مليون شخص شهرياً منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وتشمل الطرود الغذائية ودقيق القمح والخبز والوجبات الساخنة والمساعدات النقدية والدعم التغذوي.
لكن نقص التمويل أجبره على خفض نطاق الاستجابة. وبالإضافة إلى تقليص عدد المستفيدين، باتت الأسرة التي كانت تحصل على طردين غذائيين تتلقى طرداً واحداً فقط مع كمية أصغر من دقيق القمح، كما انخفض عدد الوجبات الساخنة اليومية إلى 150 ألفاً.
وخفض البرنامج كذلك قيمة المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة، بينما قال إنه يحتاج إلى نحو 450 مليون دولار لضمان استمرار عملياته الحيوية في غزة والضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2026 إلى مارس 2027.
وحذر البرنامج من أن استمرار نقص التمويل قد يعكس التحسن المحدود الذي تحقق في الأمن الغذائي خلال الأشهر الماضية، خصوصاً مع ارتفاع البطالة وتراجع قدرة السكان على شراء المنتجات الطازجة والأطعمة الغنية بالبروتين.
أسعار الغذاء تقفز والأسر تخشى نقص الطحين
في وسط مدينة غزة، تلقى أحمد جلو، البالغ من العمر 28 عاماً، خبر تقليص المساعدات بقلق شديد. وقال إنه تابع التطورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم اتصل بأقاربه وأصدقائه طالباً منهم شراء الطحين الأبيض إن تمكنوا من ذلك، خشية ارتفاع الأسعار أو تراجع المعروض في الأسواق.
ويعيش جلو مع ثمانية من أفراد أسرته في خيمة بأحد مراكز النزوح، ويتقاسم مع شقيقه عدنان مسؤولية إعالة الأسرة بعد مقتل والدهما في هجمات إسرائيلية عام 2014، وفقدانهما شقيقاً آخر خلال العام الماضي.
وقال للصحيفة إن الطرود الغذائية التي كان يقدمها برنامج الأغذية العالمي، وتضم الفول والطحين والزيت والمعكرونة، لم تكن كبيرة، لكنها ساعدت أسرته على الصمود.
وتوجه جلو إلى السوق لشراء بعض المعلبات والطحين والزيت، لكنه فوجئ، بحسب شهادته، بارتفاع أسعار عدد من السلع الأساسية. وقال إن سعر كيس الطحين الأبيض زنة 25 كيلوغراماً ارتفع من نحو 70 شيكلاً إلى 150 شيكلاً، فيما صعد سعر كيلو السكر من أربعة شواكل إلى سبعة، وارتفع سعر طبق البيض من 28 شيكلاً إلى 55 شيكلاً.
وأضاف أنه اشترى مواد قد تكفي أسرته نحو عشرة أيام، لكنها لا توفر ضماناً لاستمرار الغذاء بعد ذلك، خصوصاً أن دخله من العمل في الموسيقى خلال حفلات الزفاف التقليدية غير ثابت، وقد لا يتجاوز 50 شيكلاً في يوم جيد.
واستعاد جلو فترات سابقة من الجوع، قائلاً إن أسرته اضطرت في إحدى المرات إلى إعداد الخبز من طحين ملوث بفضلات الفئران بعدما حاولت تنظيفه، لعدم وجود بديل. كما تحدث عن مخاطر تعرض لها أشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى الطحين والغذاء قرب نقاط التفتيش الإسرائيلية، مشيراً إلى مقتل أصدقاء له خلال محاولات الحصول على الطعام.
وتعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي تواجه الأسر التي لا تملك دخلاً ثابتاً، ولا تستطيع تكوين مخزون غذائي تحسباً لأي نقص جديد في الأسواق.
مخابز مغلقة وخضروات يصعب شراؤها
وفي حي تل الهوى غربي مدينة غزة، قال ناصر الشرفا، البالغ من العمر 56 عاماً، إنه ذهب إلى ثلاثة مخابز لشراء الخبز لأسرته، لكنه وجدها مغلقة. ونقل عن العاملين فيها أنهم لا يملكون الطحين الأبيض بسبب إغلاق المعابر ونقص الإمدادات.
وأضاف الشرفا أن بعض التجار بدأوا رفع أسعار الطحين والخضروات تحسباً لفرض قيود إضافية على دخول السلع إلى القطاع.
وبحسب الأسعار التي أوردها في حديثه للصحيفة، ارتفع سعر كيلو البصل من أربعة شواكل إلى 15 شيكلاً، بينما زاد سعر البطاطس من خمسة شواكل إلى نحو 22 شيكلاً، وصعد سعر الطماطم من ثمانية شواكل إلى 25 شيكلاً للكيلوغرام.
وتعتمد الأسرة على دخل أبنائه من بسطة صغيرة لبيع الملابس، وهو دخل غير ثابت لا يسمح بشراء احتياجات عدة أيام مسبقاً. وقال الشرفا إن ما يكسبه الأبناء يكفي لشراء الطعام في اليوم الذي يعملون فيه، لكنه لا يملك المال لشراء المواد الغذائية قبل ارتفاع أسعارها أو اختفائها من الأسواق.
وتكشف هذه الشهادات عن مشكلة تتجاوز نقص المساعدات المباشرة، إذ تتزامن محدودية الإمدادات مع انهيار القدرة الشرائية لدى كثير من الأسر، ما يجعل توفر السلعة في السوق غير كافٍ لضمان قدرة السكان على الحصول عليها.
النزوح والخيام يزيدان هشاشة الوضع الغذائي
تتفاقم أزمة الغذاء بالتزامن مع تدهور ظروف الإيواء، إذ يعيش النازحون في خيام وملاجئ مؤقتة لا توفر حماية كافية من المطر والبرد، وتفتقر مواقع كثيرة إلى الخدمات الصحية والصرف الصحي المناسب.
ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في أكتوبر 2026، يعيش نحو 950 ألف نازح في مواقع معرضة لمخاطر الفيضانات بدرجات متوسطة إلى مرتفعة، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع شديدة التعرض لهذه المخاطر. كما يحتاج نحو 1.98 مليون شخص إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد الأساسية غير الغذائية.
وتظهر هذه الأرقام أن الأزمة الإنسانية لا تقتصر على توافر الطعام، بل تشمل ظروف السكن والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، وهي عوامل تؤثر في قدرة الأسر على الحفاظ على صحتها، ولا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي ظل سوء الأحوال الجوية، قد تتحول الخيام المتضررة إلى مصدر إضافي للمخاطر الصحية، بينما تزيد صعوبة تخزين الطعام وإعداده من أعباء الأسر التي تعيش في مواقع النزوح.
وتتداخل هذه الظروف مع ضعف فرص العمل، إذ يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 80% من سكان غزة عاطلون عن العمل، ما يجعل كثيراً من العائلات عاجزة عن شراء الخضروات والمواد الغذائية الغنية بالبروتين حتى عندما تكون متاحة في الأسواق.
مخاوف من انتكاسة غذائية مع اقتراب الشتاء
رغم التحسن المحدود في بعض مؤشرات الأمن الغذائي بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن الوضع لا يزال هشاً، وأن تقليص المساعدات قد يؤدي إلى زيادة احتياجات السكان خلال الأشهر المقبلة.
وتشير بيانات البرنامج إلى أن واحداً فقط من كل خمسة أطفال يحصل على غذاء متنوع بما يكفي لتلبية احتياجاته، في وقت لا يزال فيه نحو 200 ألف شخص يعيشون في ظروف طوارئ غذائية.
ولا يعني خفض المساعدات وحده أن المجاعة قد أُعلنت مجدداً، لكنه يرفع المخاطر في بيئة تتداخل فيها ندرة الموارد مع ارتفاع الأسعار والبطالة وضعف الخدمات الأساسية. ويتوقف تطور الأزمة على حجم المساعدات المتاحة، واستمرار دخول الغذاء والسلع التجارية، وقدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
وبينما تتزايد مخاوف النازحين من عودة الجوع، يطالب السكان والمنظمات الإنسانية بتوفير التمويل اللازم لاستمرار برامج الإغاثة، وضمان وصول المساعدات والسلع الأساسية، ومنع تدهور الأوضاع إلى مستويات أشد خطورة.
وتؤكد الشهادات التي نقلها «ميدل إيست آي» أن تقليص المساعدات لا يُترجم إلى أرقام فقط، بل إلى وجبات أقل وأعباء صحية أكبر وقلق يومي بشأن القدرة على إطعام الأطفال وكبار السن. ومع اقتراب الشتاء، يصبح استمرار الدعم الغذائي عاملاً حاسماً لتفادي مزيد من التدهور في حياة مئات آلاف الأسر الفلسطينية.
اقرأ أيضاً
برنامج الأغذية العالمي يقلّص مساعداته في غزة.. نصف مليون فلسطيني مهددون بفقدان الدعم الغذائي
«رفح الخضراء».. شركات مرتبطة بالعرجاني تمسح أنقاض غزة بإشراف إسرائيلي
غزة بعد عام من وقف إطلاق النار.. مرضى يموتون بلا علاج ومأوى يهدد النازحين
مسؤول أمريكي سابق: نتنياهو عطّل صفقة غزة 6 أشهر.. ومقتل نحو 9 آلاف فلسطيني خلال التأخير

