وطن-تواجه ألبانيا موجة احتجاجات متصاعدة ضد حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، في تحرك تتداخل فيه اتهامات الفساد وتفاقم الضغوط المعيشية ومخاوف بشأن مشاريع التطوير الساحلية، وفي مقدمتها مشروع منتجع فاخر مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما امتدت الانتقادات إلى التقارب المتزايد بين تيرانا وإسرائيل، وسط جدل حول أولويات الحكومة وعلاقاتها الخارجية.
وبحسب تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تحولت الاعتراضات على مشاريع التطوير الساحلية إلى احتجاجات أوسع في العاصمة تيرانا، شارك فيها طلاب ومواطنون معترضون على الفساد وتكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل. وأطلق على الحركة اسم «ثورة الفلامنغو»، في إشارة إلى الطيور التي تعيش في الأراضي الرطبة المهددة بمشاريع التطوير.
مشروع كوشنر في جزيرة سازان يثير الجدل
تعود إحدى بؤر الخلاف إلى مشروع منتجع فاخر في جزيرة سازان والساحل القريب من زفيرنيتس، بالقرب من أراضي نارتا الرطبة المحمية. ووفقاً للتقرير، منحت لجنة الاستثمارات الاستراتيجية الألبانية، في 30 ديسمبر/كانون الأول 2024، شركة «أتلانتيك إنكيوبيشن بارتنرز» المرتبطة بكوشنر صفة المستثمر الاستراتيجي لمشروع قُدّرت قيمته بنحو 1.4 مليار يورو.
وتقول انتقادات معارضة للمشروع إنه يثير تساؤلات بشأن حماية البيئة وإدارة الأصول الساحلية وعلاقة الاستثمارات الكبرى بالنفوذ السياسي. ويرى منتقدون أن المشروع أصبح رمزاً لما يعتبرونه امتيازات تمنحها الحكومة للمستثمرين ذوي العلاقات السياسية، في وقت يواجه فيه كثير من المواطنين صعوبات اقتصادية.
في المقابل، يُطرح الاستثمار في المشاريع السياحية الكبرى بوصفه وسيلة لجذب رؤوس الأموال وتنشيط الاقتصاد. لكن الجدل في ألبانيا يدور حول شروط هذه الاستثمارات، ومدى انعكاس عوائدها على المجتمع المحلي، والضمانات التي تحمي المناطق البيئية الحساسة.
احتجاجات تتجاوز الحكومة إلى المعارضة
لم تقتصر الانتقادات على حكومة راما، بل طالت أيضاً المعارضة التقليدية. ونقل «ميدل إيست آي» عن إرفين ساليانجي، النائب السابق عن الحزب الديمقراطي، قوله إن جزءاً من المحتجين لا يثق بالحكومة ولا بقيادة المعارضة، ويتهم زعيم الحزب الديمقراطي سالي بيريشا وراما بالاحتفاظ بنفوذ واسع على اختيار المرشحين داخل حزبيهما.
وتعكس هذه الانتقادات، بحسب ساليانجي، شعوراً لدى بعض المحتجين بأن المشاركة السياسية لا تمنح الناخبين تأثيراً كافياً في القرارات، وأن النفوذ والثروة يتركزان في أيدي فئة محدودة.
ومع ذلك، لا تعني هذه المواقف أن جميع المشاركين في الاحتجاجات يتبنون التصورات نفسها؛ إذ تضم الحركة مطالب متنوعة تتعلق بالفساد والحقوق الاجتماعية والتعليم والبيئة ومستقبل الحياة السياسية في البلاد.
الهجرة ونقص العمالة يفاقمان الأزمة الاجتماعية
تواجه ألبانيا تحديات ديموغرافية واقتصادية متراكمة، مع استمرار هجرة المواطنين بحثاً عن فرص عمل وأجور أفضل. ووفق الأرقام التي أوردها التقرير، غادر أكثر من 600 ألف شخص البلاد بين عامي 2011 و2023، بينما بلغ عدد السكان نحو 2.3 مليون نسمة.
وفي محاولة لسد النقص في اليد العاملة، اتجهت الحكومة إلى استقدام عمال من الخارج. وذكر التقرير أن أكثر من 22 ألف أجنبي، معظمهم من الهند والفلبين، حصلوا على تصاريح عمل بحلول يونيو/حزيران 2026.
ويرى منتقدون أن الاعتماد على العمالة الوافدة لا يعالج وحده الأسباب التي تدفع الألبان إلى الهجرة، مثل انخفاض الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية فرص العمل. وتحوّلت هذه الملفات إلى جزء من النقاش العام حول جدوى السياسات الاقتصادية وقدرة الحكومة على توفير آفاق أفضل للشباب.
الطلاب يدخلون على خط الاحتجاجات
اتسعت الحركة الاحتجاجية خلال الأشهر الماضية، مع انضمام الطلاب إلى المظاهرات احتجاجاً على تكاليف التعليم وأوضاع الجامعات ومحدودية الفرص المتاحة للخريجين. ووفق التقرير، بدأت الاعتراضات في نطاق محلي على مشاريع التطوير الساحلية، قبل أن تتحول إلى تحرك يومي في تيرانا منذ نهاية مايو/أيار.
ويُنظر إلى غياب قيادة موحدة للحركة باعتباره سمة بارزة لها. وقال ساليانجي إن هذا التنظيم اللامركزي قد يجعل احتواء الاحتجاجات عبر التفاوض مع قائد واحد أكثر صعوبة، فيما اتهم الحكومة بالضغط على طلاب ومعلمين وموظفين عموميين بسبب مشاركتهم في المظاهرات.
كما أورد التقرير ادعاءات بشأن تقديم مكافآت لعناصر الشرطة مقابل التعامل العنيف مع المتظاهرين. وتحتاج هذه الاتهامات إلى تحقق مستقل، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع مثبتة من دون أدلة إضافية أو رد رسمي واضح.
اتهامات بأزمة مؤسساتية واختراق الجريمة المنظمة
يرى الكاتب والمفكر الألباني فاتوس لوبونيا أن الاحتجاجات تعكس أزمة تتجاوز الخلاف على مشروع استثماري أو أداء حكومة بعينها. ووصف، في تصريحات نقلها «ميدل إيست آي»، الوضع بأنه أزمة مؤسسات وديمقراطية، واتهم الجريمة المنظمة باختراق مؤسسات الدولة.
ولوبونيا، الذي سُجن سياسياً خلال الحقبة الشيوعية، من منتقدي راما والمعارضة التقليدية على حد سواء. وتندرج تصريحاته ضمن نقاش أوسع بشأن استقلال المؤسسات وفعالية الرقابة على المسؤولين، لكن توصيف الاقتصاد أو مؤسسات الدولة يحتاج إلى النظر في الأدلة القضائية والبيانات المستقلة، إلى جانب مواقف المعارضين.
وتزامنت الاحتجاجات مع قضايا فساد تطال شخصيات بارزة. ووفق التقرير، ظل رئيس بلدية تيرانا إريون فيلياج رهن الاحتجاز منذ فبراير/شباط 2025 على خلفية اتهامات بالفساد وغسل الأموال، التي ينفيها. كما تواجه نائبة رئيس الوزراء السابقة بليندا بالوكو اتهامات مرتبطة بعقود عامة تتجاوز قيمتها 200 مليون يورو، وتنفي ارتكاب مخالفات.
وأشار التقرير أيضاً إلى وضع رئيسة جهاز الاستخبارات فلورا هيسيني قيد الإقامة الجبرية وتعليقها من منصبها، على خلفية تحقيق يتعلق بشبهات تسريب معلومات سرية إلى مجموعات مرتبطة بالجريمة المنظمة. وتظل هذه الملفات في إطار الإجراءات والاتهامات القضائية، ولا تعني بذاتها ثبوت المسؤولية الجنائية على المتهمين.
التقارب مع إسرائيل يضيف بُعداً سياسياً
إلى جانب الخلافات الداخلية، أثار التقارب بين حكومة راما وإسرائيل انتقادات في سياق الاحتجاجات. وبحسب «ميدل إيست آي»، منح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ راما وسام الشرف الرئاسي في أبريل/نيسان 2025، كما وقّعت شركة «كايو» الألبانية الحكومية للصناعات الدفاعية مذكرة تفاهم مع شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية لإنشاء أكاديمية للطيران في مدينة فلوره.
وذكر التقرير أن راما تعهد، خلال زيارة إلى إسرائيل في يناير/كانون الثاني 2026، بتوسيع التعاون الدفاعي بين البلدين. كما تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، خلال زيارة إلى تيرانا في 12 أكتوبر/تشرين الأول، عن وصول عدد الزوار الإسرائيليين إلى ألبانيا إلى نحو 100 ألف، بزيادة تفوق 500% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وتشمل العلاقات الثنائية أيضاً مبادرات مرتبطة بالتراث اليهودي والسياحة. ويرى منتقدون أن هذه الخطوات تثير تساؤلات حول أولويات الحكومة في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، بينما يمكن للحكومة أن تطرح التعاون الخارجي بوصفه جزءاً من سياستها الدبلوماسية والاقتصادية.
وربط بعض المحتجين مشروع كوشنر في جزيرة سازان بمشروعاته السابقة المتعلقة بإعادة تطوير غزة، معتبرين أن المشاريع الكبرى التي ترتبط بشخصيات نافذة قد تتجاهل مصالح السكان المحليين. وتبقى هذه المقارنة موقفاً سياسياً عبّر عنه بعض المتظاهرين، وليست دليلاً بحد ذاتها على وجود صلة مباشرة بين المشروعين.
الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يدعوان إلى ضبط النفس
أثارت الاحتجاجات ردود فعل دولية حذرة. ووفق التقرير، أدانت المفوضية الأوروبية أعمال الحرق والاعتداءات على مؤسسات الدولة وتدمير الممتلكات، لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية حماية حق التظاهر، ودعت إلى أن تكون الاستجابة القانونية متناسبة.
كما سبق أن دعت بعثة الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في تقارير عن استخدام مفرط للقوة من الشرطة ضد المتظاهرين والصحفيين. وحثت السفارة الأمريكية في تيرانا جميع الأطراف على ضبط النفس والحفاظ على سلمية المظاهرات.
ويعكس هذا الموقف توازناً بين رفض العنف وحماية الحق في الاحتجاج، في وقت تتابع فيه المؤسسات الأوروبية مسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد يزيد استمرار الأزمة من الضغوط المتعلقة باستقلال المؤسسات ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
هل تفتح الاحتجاجات مساراً سياسياً جديداً؟
يطالب المحتجون باستقالة راما، ومكافحة الفساد، وتشكيل حكومة انتقالية، معتبرين أن التعبئة السلمية لم تحقق مطالبهم الأساسية. وفي المقابل، لا تزال مآلات الحركة غير واضحة، خصوصاً في ظل تنوع مطالب المشاركين وغياب قيادة موحدة تمثلهم جميعاً.
وقال لوبونيا إن ألبانيا تقف أمام مفترق طرق، محذراً من احتمال تشديد الإجراءات الأمنية إذا استمرت الأزمة. وتبقى هذه قراءة سياسية منسوبة إليه، فيما ستتحدد التطورات المقبلة وفق سلوك الحكومة والمعارضة والمتظاهرين، ومدى تقدم التحقيقات القضائية والإصلاحات المؤسسية.
وتكشف الاحتجاجات، في المحصلة، عن تداخل ملفات الاستثمار والبيئة والفساد والهجرة والعلاقات الخارجية في المشهد الألباني. ويظل التحدي الأساسي أمام السلطات هو معالجة المطالب الاجتماعية والسياسية، وضمان الشفافية والمساءلة، وحماية حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، من دون أن تتحول الأزمة إلى مواجهة أوسع بين الدولة والشارع.
اقرأ أيضاً
احتجاجات ألبانيا تتصاعد في تيرانا.. مطالب برحيل إيدي راما ورئيس الوزراء يرفض الاستقالة
بـ “الفلامنغو الوردي”.. ألبانيا تشتعل في اليوم الرابع ضد “شاطئ كوشنر الفاخر” وجرافات راما
أزمة ثقة تتصاعد في ألبانيا.. حين تبيع تيرانا سواحلها لشراء مقعد مؤجل في الاتحاد الأوروبي

