وطن-تصاعدت اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة مع انطلاق موسم قطاف الزيتون، لتتجاوز المزارعين الفلسطينيين والمتضامنين معهم، وتطال دبلوماسيين أوروبيين وصحفية أميركية أُصيبت بجروح خطيرة أثناء عملها الميداني. وأعادت هذه الحوادث فتح النقاش حول غياب المساءلة، ودور القوات الإسرائيلية في حماية المدنيين، وحدود رد الفعل الأوروبي والأميركي على العنف المتكرر.
وقالت صحيفة إل إندبندينتي الإسبانية إن وفداً دبلوماسياً أوروبياً تعرض لهجوم من مستوطنين في بلدة الطيبة، قرب القدس، خلال زيارة مرتبطة بموسم قطاف الزيتون. وشمل الوفد القنصل العام البلجيكي ودبلوماسيين فرنسيين وبولنديين، إلى جانب شخصيات أخرى، فيما تعرض رئيس بلدية فرنسي كان يرافق المجموعة للاعتداء أيضاً.
وجاء الهجوم بعد يوم من اعتداء منفصل على المصورة الصحفية الأميركية هايدي ليفين، العاملة مع صحيفة واشنطن بوست، أثناء تغطيتها قطاف الزيتون في قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله. وأصيبت ليفين بكسور في فقرات الظهر وأحد الأضلاع، وفق ما أوردته الصحيفة وتقارير إخبارية أخرى.
هجوم على وفد دبلوماسي أوروبي في الطيبة
تعرض الوفد الأوروبي، السبت 17 أكتوبر، لهجوم في بلدة الطيبة الفلسطينية، حيث كان يشارك في زيارة تضامنية خلال موسم قطاف الزيتون. وذكرت تقارير صحفية أن مستوطنين ملثمين هاجموا المجموعة وهددوا أفرادها، وألحقوا أضراراً بمركبة دبلوماسية، من بينها تحطيم إحدى نوافذها.
وأثار الاعتداء إدانات أوروبية، إذ طالب وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم، مؤكداً أن الاعتداءات المرتبطة بسياسة الاستيطان لا يمكن التعامل معها بوصفها حوادث معزولة.
كما أدان الاتحاد الأوروبي الهجمات الأخيرة التي نفذها مستوطنون، داعياً إلى وقف العنف ومحاسبة المسؤولين عنه.
لكن الحادثة أعادت طرح سؤال بشأن مدى استعداد الحكومات الأوروبية للانتقال من الإدانات الدبلوماسية إلى إجراءات أكثر صرامة، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين ومزارعهم خلال موسم الزيتون.
عشرة موقوفين على خلفية الاعتداءات
في تطور لاحق، أعلنت الشرطة الإسرائيلية، الاثنين 19 أكتوبر، توقيف عشرة أشخاص للاشتباه في تورطهم في أعمال عنف شهدتها الضفة الغربية خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينها الاعتداء على الصحفية الأميركية والهجوم على الوفد الأوروبي.
وبحسب صحيفة واشنطن بوست، جاءت التوقيفات بعد موجة من الانتقادات الدولية، فيما قالت السلطات الإسرائيلية إن المشتبه بهم سيخضعون للاستجواب والإجراءات القانونية اللازمة.
ولا تعني التوقيفات، في حد ذاتها، ثبوت مسؤولية جميع المشتبه بهم عن الاعتداءات؛ إذ يتطلب ذلك استكمال التحقيقات والإجراءات القضائية. غير أنها تمثل تطوراً في قضية أثارت اهتماماً دولياً واسعاً، خصوصاً بسبب استهداف صحفية تحمل اعتماداً مهنياً واضحاً ودبلوماسيين أجانب.
تقارير عن تجاهل نداءات الاستغاثة
أثارت المعلومات التي نشرتها صحيفة هآرتس بشأن تحذيرات سبقت الاعتداء على الوفد الأوروبي تساؤلات إضافية حول أداء القوات الإسرائيلية. وذكرت الصحيفة أن تحذيرات من وجود مستوطنين يهددون المجموعة وصلت قبل وقوع الهجوم، وأنها تضمنت معلومات عن موقع الدبلوماسيين وتسجيلات مصورة للمهاجمين.
وبحسب التقرير، لم تصل القوات الإسرائيلية إلى الموقع لمنع الاعتداء أو التدخل أثناء وقوعه، فيما فتح الجيش تحقيقاً داخلياً لفحص أداء قواته في الحادثة.
وتكتسب هذه المزاعم أهمية خاصة لأنها تتعلق بمدى استجابة القوات للتحذيرات المسبقة، لا بمجرد ما جرى بعد وقوع الاعتداء. غير أن تحديد المسؤوليات النهائية يتطلب الاطلاع على نتائج التحقيقات الرسمية ومقارنتها بشهادات الموجودين في المكان والتسجيلات المتاحة.
إدانة إسرائيلية وسط خلاف حول المسؤولية
أدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الهجوم، وقال إن وزارته تتواصل مع ممثلي الدول المعنية للمساعدة في التعامل مع الحادثة. لكنه أشار أيضاً إلى أن الزيارة لم تُنسق مسبقاً مع الجيش، معتبراً أن التنسيق كان من شأنه المساعدة في حماية المشاركين.
وأثارت هذه الملاحظة انتقادات، خصوصاً بعد التقارير التي تحدثت عن وصول تحذيرات مسبقة إلى القوات الإسرائيلية. فبينما ركزت تصريحات رسمية على مسألة التنسيق، انصب اهتمام منتقدين على سبب عدم التدخل لحماية الوفد، إذا كانت القوات قد تلقت بالفعل معلومات عن التهديد.
من جهته، شكك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بعض جوانب الروايات المتداولة، وقال إن الصور المنشورة لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الفردية أو إعادة بناء التسلسل الكامل للأحداث، ملمحاً إلى احتمال استغلال الحادثة لتشويه صورة إسرائيل.
غير أن تقارير صحفية وشهادات ميدانية وتسجيلات مصورة أثارت تساؤلات بشأن هذا الموقف، في وقت أعلنت فيه السلطات توقيف مشتبه بهم على خلفية الاعتداءات. ويظل تحديد المسؤولية الجنائية لكل شخص مرتبطاً بنتائج التحقيقات والأدلة التي تُعرض أمام القضاء.
صحفية أميركية تصاب بكسور أثناء تغطية قطاف الزيتون
لم يكن الهجوم على الدبلوماسيين الحادث الوحيد الذي استهدف أجانب في الضفة الغربية خلال عطلة نهاية الأسبوع. ففي 16 أكتوبر، تعرضت المصورة الصحفية الأميركية هايدي ليفين، العاملة مع صحيفة واشنطن بوست، لاعتداء عنيف أثناء تغطيتها قطاف الزيتون في قرية أبو فلاح.
وذكرت الصحيفة أن ليفين كانت ترتدي سترة تحمل علامة الصحافة بوضوح، عندما هاجمها مستوطنون ملثمون وأسقطوها أرضاً وواصلوا ضربها. وأصيبت بأربع كسور في فقرات الظهر وكسر في أحد الأضلاع، فضلاً عن جروح استدعت تلقي العلاج وإجراء تدخل طبي في يدها.
وأفاد صحفيون وشهود كانوا في المكان بأن المهاجمين اعتدوا على فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون، وأضرموا النار في أشجار وألقوا الحجارة، فيما لم تتدخل القوات الإسرائيلية الموجودة في المنطقة لوقف العنف، وفق روايات نقلتها وسائل إعلام أميركية.
وأعادت إصابة ليفين تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه الصحفيين خلال توثيق اعتداءات المستوطنين، وعلى المخاوف من أن يتحول موسم الزيتون، الذي يمثل مورداً اقتصادياً أساسياً لعائلات فلسطينية كثيرة، إلى فترة تتكرر فيها الهجمات والتهديدات.
إدانات أميركية وأوروبية ومطالب بالمحاسبة
أثارت إصابة الصحفية الأميركية والهجوم على الوفد الأوروبي ردود فعل دولية، مع مطالبات بإجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين. وأكدت جهات أميركية ضرورة التحقيق في الاعتداء على ليفين، فيما شددت دول أوروبية على أن استهداف الدبلوماسيين أمر غير مقبول.
لكن هذه الإدانات تأتي في سياق أوسع من الانتقادات الموجهة إلى محدودية المحاسبة في قضايا عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. وتقول منظمات حقوقية إن كثيراً من الاعتداءات لا تنتهي بملاحقات قضائية فعالة، الأمر الذي يغذي مخاوف استمرار العنف وتكراره.
وفي المقابل، أعلنت السلطات الإسرائيلية فتح تحقيقات وتوقيف مشتبه بهم في الاعتداءات الأخيرة. ويبقى الاختبار الأساسي في ما إذا كانت هذه الإجراءات ستفضي إلى محاسبة فعلية، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير ملموس في حماية الفلسطينيين والصحفيين والزوار الأجانب.
موسم الزيتون تحت ضغط الاعتداءات
يأتي تصاعد الهجمات في وقت يعتمد فيه آلاف الفلسطينيين على موسم قطاف الزيتون لتأمين جزء مهم من دخلهم السنوي. ولا تقتصر آثار الاعتداءات على الإصابات الجسدية، بل تشمل أيضاً تهديد وصول المزارعين إلى أراضيهم، وإتلاف الأشجار والمحاصيل، وزيادة الشعور بالخوف خلال العمل في الحقول.
وتقول منظمات حقوقية إن الاعتداءات المتكررة على المزارعين والمتضامنين والصحفيين تعكس مشكلة أوسع تتعلق بالحماية والمساءلة في الضفة الغربية المحتلة. كما تثير الحوادث التي تطال الأجانب والدبلوماسيين تساؤلات بشأن ما إذا كانت الضغوط الدولية ستدفع إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية.
وبين الإدانة الدبلوماسية والتحقيقات الأمنية، تظل المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة السلطات على منع الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، وضمان وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم بأمان. فموسم الزيتون، الذي يمثل تقليداً اقتصادياً واجتماعياً متجذراً في الحياة الفلسطينية، بات بالنسبة إلى كثيرين اختباراً متجدداً لمدى الحماية التي توفرها القوانين والجهات المسؤولة على الأرض.
اقرأ المزيد
اعتقال 10 مستوطنين بعد هجمات على مصورة أميركية ودبلوماسيين أوروبيين وفلسطينيين في الضفة الغربية
رغم ارتدائها سترة الصحافة.. مستوطنون يعتدون على مصورة «واشنطن بوست» في الضفة الغربية
ركلوها نحو 50 مرة لأنها تحمل كاميرا.. مستوطنون يعتدون على مصوّرة «واشنطن بوست» في فلسطين

