وطن-في ظل تصاعد المخاوف من تجدد الهجمات الإيرانية على مواقع المعارضة الكردية الإيرانية داخل إقليم كردستان العراق، برزت تحركات سياسية يقودها مسؤولون أكراد عراقيون لبحث إمكانية احتواء التوتر مع طهران وفتح مسار يحد من التصعيد العسكري. لكن هذه المبادرة المحتملة تواجه عقبة أساسية، إذ تؤكد أحزاب كردية إيرانية معنية مباشرة بالملف أنها لم تتلق أي مقترح للحوار ولا تعلم بوجود مفاوضات جديدة.
وبحسب موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، أجرى سياسيون من إقليم كردستان العراق مباحثات مع مسؤولين إيرانيين بشأن إنهاء الصراع مع أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية التي تقيم في شمال العراق منذ عقود، في مسعى لتجنب مزيد من الضربات داخل الإقليم ذي الحكم الذاتي.
وكشف بافل طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، عن هذه التحركات خلال مشاركته في المنتدى السنوي لمعهد الشرق الأوسط للأبحاث «ميري»، مشيراً إلى أن الفكرة المطروحة قد تستلهم بعض جوانب مسار السلام الذي أطلقته تركيا مع حزب العمال الكردستاني في أكتوبر 2024.
وأوضح طالباني أن المقترح نوقش على نطاق واسع مع مسؤولين إيرانيين في طهران، لكنه أقر بأن أي عملية من هذا النوع ستكون طويلة ومعقدة. وكان قد زار إيران في سبتمبر، والتقى عدداً من المسؤولين، بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي في 16 سبتمبر. غير أن البيان الإيراني بشأن اللقاء لم يشر إلى أي مبادرة سلام أو حوار سياسي مع المعارضة الكردية الإيرانية، بل ركز على تعزيز التعاون لحماية أمن الحدود المشتركة وتنفيذ التفاهم الأمني بين بغداد وطهران.
المعارضة الكردية: لا علم لنا بأي مفاوضات
في المقابل، قالت أحزاب كردية إيرانية تحدث إليها الموقع البريطاني إنها لا تعرف بوجود مسار تفاوضي جديد، فيما رفضت أطراف أخرى التعليق.
وقال عضو في حزب حرية كردستان «باك» إن الظروف الحالية لا توفر أرضية للحوار بين الكرد وإيران، مضيفاً أن التجارب السابقة تجعل التعامل مع الوعود الإيرانية محفوفاً بالحذر والشكوك.
من جهتها، أكدت فريبا محمدي، نائبة سكرتير حزب كومله اليساري، أن حزبها لم يتلق أي مقترح للحوار، ولم يتواصل معه أي طرف بشأن عملية سياسية محتملة، سواء من الحكومة الإيرانية أو من جهة أخرى.
وأضافت محمدي أن تهيئة شروط الحوار مع نظام تتهمه بانتهاك حقوق الكرد وعسكرة المناطق الكردية وإعدام آلاف الشباب ليست مهمة سهلة، لكنها شددت على أن أحزاب المعارضة لم ترفض مبدأ التفاوض من حيث المبدأ، بل تعتبره إحدى وسائل النضال السياسي.
ويكشف هذا التباين عن فجوة بين التحركات التي يتحدث عنها مسؤولون في إقليم كردستان العراق وبين مواقف الأطراف التي يُفترض أن تشارك في أي تسوية، ما يثير تساؤلات بشأن مدى جدية المبادرة وإمكان انتقالها من الاتصالات السياسية إلى مفاوضات فعلية.
اتفاق أمني بين بغداد وطهران وسط مخاوف من التصعيد
تعود جذور التوتر إلى الاتفاق الأمني الذي وقعته بغداد وطهران في مارس 2023، ونص على إبعاد جماعات المعارضة الكردية الإيرانية عن الحدود ونزع سلاحها. وجاء الاتفاق بعد اتهام إيران هذه الجماعات بتأجيج احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» التي اندلعت داخل البلاد عام 2022.
واستهدفت إيران لاحقاً مواقع لهذه الجماعات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أفادت قناة «روداو» الكردية، وفق ما نقله «ميدل إيست آي»، بأن مسؤولين عراقيين وأكراداً وإيرانيين يستعدون لعقد اجتماع لبحث وجود أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية في الإقليم.
وتزامن الحديث عن المبادرة مع انسحاب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 30 سبتمبر، وهو ما أثار مخاوف بشأن قدرة الإقليم على حماية أجوائه، في ظل ما نقله الموقع عن مسؤولين أكراد بشأن نقص منظومات الدفاع الجوي. ومنذ ذلك الحين، تعرضت مواقع لأحزاب كردية إيرانية لهجمات إيرانية جديدة، بينها هجوم وقع أثناء انعقاد منتدى «ميري» في كويه.
وتقيم جماعات كردية إيرانية عدة في إقليم كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي. وكانت خمس منها قد شكلت «ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران» قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، قبل أن ينضم حزب كومله إلى الائتلاف في مارس.
بارزاني ينتقد المعارضة ويحذر من تعريض الإقليم للخطر
أشار «ميدل إيست آي» إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في أوائل مارس استعداده لدعم الأكراد الإيرانيين في شن هجوم على إيران، قبل أن يتراجع عن موقفه لاحقاً. كما تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن إحباط تركيا تحركاً كانت تخطط له أحزاب كردية إيرانية بدعم إسرائيلي وأمريكي في بداية الحرب.
وخلال منتدى «ميري»، قال رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إن فرصاً سياسية متاحة أمام الكرد في إيران، على غرار ما يجري في سوريا وتركيا، مؤكداً أن الملف كان حاضراً في اجتماعات المسؤولين الأكراد مع طهران.
لكن بارزاني وجه انتقادات حادة إلى أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية، متهماً إياها بالتصرف بصورة غير مسؤولة خلال الحرب. وقال إن تصريحاتها ونشاطها على منصات التواصل الاجتماعي أعطيا انطباعاً بأنها تستعد للتحرك داخل إيران، ما عرّض الإقليم لمخاطر كبيرة.
وأضاف أن الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني عملا منذ بداية الحرب على منع هذا السيناريو، من خلال نشر قوات وضبط الحدود لتجنب تحركات قد تستفز طهران وتجر الإقليم إلى مواجهة جديدة.
وبحسب الأرقام التي أوردها الموقع البريطاني، تعرض إقليم كردستان خلال الحرب لأكثر من ألف ضربة صاروخية وهجوم بطائرات مسيّرة، أسفرت عن مقتل 32 شخصاً، بينهم 19 عضواً في أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية. ودافعت إيران عن هجماتها باعتبارها تستهدف جماعات ترى أنها تهدد أمنها.
تجارب تفاوضية سابقة انتهت بالاغتيالات أو الفشل
لا يُطرح الحوار بين طهران والمعارضة الكردية الإيرانية للمرة الأولى. ففي 13 يوليو 1989، اغتيل عبد الرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في فيينا أثناء مفاوضات مع إيران. وفي 17 سبتمبر 1992، اغتيل الزعيم السابق للحزب صادق شرفكندي في برلين.
وفي عام 2011، توصل حزب الحياة الحرة الكردستاني «بيجاك»، المرتبط بحزب العمال الكردستاني، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران، بعد تفاهمات شملت وقف إعدام سجناء سياسيين كرد مقابل وقف هجمات الحزب، وفق ما أورده الموقع.
وقال شمال بشير، المحلل الكردي الإيراني المقيم في ستوكهولم والرئيس السابق للعلاقات الخارجية في «بيجاك»، إن نيجيرفان بارزاني أدى آنذاك دوراً شبيهاً بدور الوسيط، عبر تسهيل الاتصالات بين الأحزاب الكردية الإيرانية وطهران.
كما جرت محاولة تفاوض أخرى في أوسلو عام 2019، بوساطة منظمة نرويجية متخصصة في حل النزاعات، وشاركت فيها أربعة أحزاب كردية إيرانية، من بينها جناحان من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وجناحان من كومله. لكن المحادثات لم تحقق نتائج ملموسة.
ونقل الموقع عن عضو في أحد الأحزاب المشاركة، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن تلك المحاولة كانت سعياً إلى إيجاد حل سياسي، لكنه ألقى باللوم على إيران في تعثر المفاوضات.
هل يمكن استنساخ التجربة التركية في إيران؟
ألقت تجربة تركيا مع حزب العمال الكردستاني بظلالها على النقاش بشأن إمكانية إطلاق مسار مماثل بين إيران والمعارضة الكردية. وقال شمال بشير إن مستقبل أي حوار بين طهران و«بيجاك» قد يتأثر بالمسار السياسي الجاري بين عبد الله أوجلان والدولة التركية.
وأضاف أن هناك مؤشرات على أن أوجلان ناقش الملف مع وفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي، واقترح أن يتولى بافل طالباني ونيجيرفان بارزاني تسهيل وساطة بين «بيجاك» وإيران.
واعتبر بشير أن موافقة أوجلان قد تتيح لـ«بيجاك» قيادة مسار تفاوضي محتمل مع طهران. وفي السياق نفسه، قال تونجر باكيرهان، الرئيس المشارك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، خلال مؤتمر «ميري»، إن إيران تستطيع معالجة مشكلاتها الداخلية إذا اختارت نهجاً سياسياً مشابهاً للمسار الجاري في تركيا.
لكن جبار ياور، الأمين العام السابق لوزارة البيشمركة، يرى أن إطلاق عملية سلام مع المعارضة الكردية الإيرانية سيكون أكثر تعقيداً من الحالة التركية. فبينما تعاملت أنقرة أساساً مع حزب العمال الكردستاني بوصفه الطرف الرئيسي في الصراع، تواجه طهران مجموعة من التنظيمات الكردية التي تختلف في رؤاها السياسية والأمنية.
وتشمل هذه القوى «بيجاك» و«كومله» والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و«خبات» وتنظيمات أخرى. ورغم تشكيل ائتلاف سياسي بينها في الفترة الأخيرة، فإن تباين مواقفها قد يصعّب تحديد طرف واحد يتولى التفاوض باسم الجميع.
ويحذر محللون من أن دخول «بيجاك» في مفاوضات منفردة مع إيران قد يهدد وحدة الائتلاف، إذا شعرت بقية الأحزاب بأنها مستبعدة من أي تفاهمات محتملة.
حقوق الكرد والحكم الذاتي في صلب أي تسوية
قال محمد أ. صالح، الباحث غير المقيم في معهد أبحاث السياسة الخارجية بالولايات المتحدة والمتخصص في الشأن الكردي، إن الكرة باتت في ملعب الحكومة الإيرانية، مؤكداً أن المطالب السياسية الكردية تشمل الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، وحرية النشاط السياسي والتجمع السلمي، إلى جانب قدر معقول من الحكم الذاتي الفعلي.
ويرى صالح أن إظهار طهران استعداداً حقيقياً للتعامل مع هذه المطالب، وتوفير ضمانات موثوقة للمشاركة السياسية، قد يفتح الباب أمام تفاؤل حذر بإمكان إطلاق مسار مختلف يخفف التوتر على الحدود مع إقليم كردستان العراق.
ومع ذلك، فإن غياب أي تأكيد من أحزاب المعارضة بشأن تلقيها عروضاً رسمية يترك المبادرة في مرحلة غير واضحة المعالم. وبين رغبة المسؤولين الأكراد العراقيين في منع التصعيد، وشكوك المعارضة في نوايا طهران، يبقى نجاح أي مسار سياسي رهناً بوجود ضمانات واضحة، ومشاركة فعلية للأطراف المعنية، واستعداد إيراني لمعالجة المطالب الكردية بعيداً عن التهديد العسكري.
قد يعجبك
شمال سوريا يهتز أمنياً.. كوباني تشتعل والأنظار تتجه إلى حزب العمال الكردستاني
العراق يفتح ملف الفصائل المسلحة بعد انسحاب القوات الأميركية.. اختبار صعب بين بغداد وواشنطن وطهران
مقتل 7 أشخاص في سوريا بإطلاق نار على حافلة في حمص على يد مسلحين مجهولين
انسحاب أمريكا من العراق يثير مخاوف كردية من فراغ أمني وهجمات إيرانية..

