وطن-تكشف أزمة منع شركة مقاولات أمريكية من دخول قطاع غزة، وفق تقرير صحيفة «الغارديان» البريطانية، عن العقبات التي تواجه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترتيب مرحلة ما بعد الحرب، وتثير تساؤلات بشأن قدرة «مجلس السلام» على تنفيذ مشروعاته الميدانية في ظل استمرار سيطرة إسرائيل على المعابر وحركة الدخول إلى القطاع.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في تعطل مشروع لإنشاء قاعدة عسكرية مؤقتة يُفترض أن تستضيف عناصر من قوة استقرار دولية مقترحة، تضم قوات من المغرب وكوسوفو. ورغم منح العقد لشركة «أركل إنترناشونال» الأمريكية في أغسطس الماضي، لم تتمكن الشركة، بحسب التقرير، من دخول غزة وبدء أعمال البناء.
وتضع هذه التطورات المجلس أمام اختبار عملي مبكر: فهل يستطيع تنفيذ ترتيبات أمنية وإدارية داخل القطاع من دون موافقة إسرائيلية، أم أن دوره سيظل مرتبطًا بقرارات الجهة التي تسيطر على المعابر والظروف الميدانية؟
عقد أمريكي ينتظر الموافقة الإسرائيلية
وبحسب «الغارديان»، منح «مجلس السلام» في أغسطس الماضي أول عقد إنشائي له داخل غزة لشركة «أركل إنترناشونال»، بهدف إقامة موقع عسكري مؤقت لدعم انتشار القوات الدولية المقترحة.
وكان المشروع يتضمن إنشاء قاعدة محصنة تبلغ مساحتها نحو 100 متر في 100 متر، ومحاطة بحواجز ترابية، ومجهزة لاستقبال قرابة 150 جنديًا في كل دورة انتشار، ضمن ترتيبات أوسع لقوة يُتوقع أن تضم نحو 500 عنصر من المغرب وكوسوفو.
لكن مرور شهرين على منح العقد من دون السماح للشركة بالدخول إلى القطاع حال دون انطلاق أعمال البناء، بحسب الصحيفة، التي نقلت عن شخص مطلع على المشروع قوله إن إسرائيل لا تفتح الحدود أمام تنفيذ الخطة.
وأشار المصدر إلى أن غياب الموافقات اللازمة لا يعرقل البناء فحسب، بل يمنع أيضًا إدخال معدات البناء وإنشاء المرافق الأساسية الضرورية لتشغيل الموقع واستقبال القوات.
وتبرز هذه العقبة التحدي الذي يواجه أي مشروع دولي في غزة؛ إذ إن توفير التمويل والشركات المنفذة والتفاهمات السياسية لا يكفي وحده لإنجاز المشروعات ما دامت حركة الأفراد والمعدات تخضع لقيود ميدانية تتحكم بها إسرائيل.
قوة الاستقرار الدولية تثير جدلًا بشأن دورها في غزة
لا يقتصر الجدل المحيط بالمشروع على تعطل البناء، بل يمتد إلى طبيعة القوة الدولية التي يُفترض أن تستخدم القاعدة، والمهام التي ستتولاها داخل القطاع.
ووفق التقرير، من المقرر أن تشارك قوات من المغرب وكوسوفو ضمن الترتيبات الأمنية المقترحة، في إطار قوة استقرار دولية يُراد لها أن تؤدي دورًا خلال المرحلة التالية للحرب.
غير أن فكرة نشر قوات دولية في غزة أثارت انتقادات من جهات مدنية وحقوقية وأكاديميين، بسبب المخاوف من أن تتحول هذه القوة إلى جزء من ترتيبات أمنية تُفرض على الفلسطينيين من دون ضمانات واضحة بشأن إنهاء الاحتلال أو حماية المدنيين أو تمكين السكان من تقرير مستقبلهم.
ويرى منتقدون أن مشاركة قوات من دول أخرى في ترتيبات أمنية داخل القطاع قد تمنح هذه الترتيبات غطاءً دوليًا، إذا لم ترتبط بجدول واضح لإنهاء السيطرة الإسرائيلية وضمان الحقوق الفلسطينية.
في المقابل، يبقى تقييم الدور الفعلي للقوة مرتبطًا بطبيعة التفويض الممنوح لها، وقواعد عملها، والجهة التي ستتولى الإشراف عليها، ومدى قدرتها على العمل بصورة مستقلة عن القرارات الإسرائيلية.
حصيلة ثقيلة منذ وقف إطلاق النار
يتعطل المشروع الأمريكي في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية والأمنية في غزة تشكل التحدي الأبرز أمام أي خطة للمرحلة المقبلة.
ووفق الأرقام التي أوردتها «الغارديان» في التقرير، قُتل أكثر من 1488 فلسطينيًا وأصيب ما لا يقل عن 5281 آخرين منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025. كما أشار التقرير إلى أن الهجمات الإسرائيلية خلال تلك الفترة أدت إلى مقتل أطفال بصورة شبه يومية، استنادًا إلى البيانات التي أوردها عن الوضع في القطاع.
أما الحصيلة الإجمالية للحرب، فقد ذكر التقرير أنها تجاوزت 74 ألفًا و377 قتيلًا فلسطينيًا، إلى جانب أكثر من 175 ألفًا و398 مصابًا، فضلًا عن مفقودين يُعتقد أن كثيرين منهم ما زالوا تحت الأنقاض.
وتأتي هذه الأرقام في ظل تضرر واسع للمستشفيات والمرافق الصحية، واستمرار الصعوبات التي تواجه إدخال المساعدات والإمدادات الطبية، ما يزيد من تعقيد الاستجابة الإنسانية.
وتضع هذه الظروف أي خطة دولية أمام أسئلة تتجاوز إنشاء قاعدة عسكرية أو نشر قوات؛ إذ تشمل ضمان وصول المساعدات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وحماية المدنيين، وتوفير بيئة تسمح باستئناف الحياة اليومية للسكان.
مواقف إسرائيلية متشددة تزيد تعقيد الخطة
في موازاة التعثر الميداني، تتواصل الخلافات بشأن مستقبل غزة السياسي والديموغرافي، في ظل مواقف لوزراء إسرائيليين يدعون إلى تغيير الواقع القائم في القطاع.
وأشار تقرير «الغارديان» إلى مواقف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اللذين دعوا إلى سياسات من شأنها تشجيع الفلسطينيين على مغادرة غزة، كما طرحا مواقف مؤيدة لإقامة مستوطنات إسرائيلية في القطاع.
وتثير هذه التوجهات مخاوف بشأن مدى التوافق بين التصورات الإسرائيلية لمستقبل غزة والأهداف المعلنة للترتيبات الأمريكية والدولية المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب.
فبينما تتحدث خطة ترامب عن الاستقرار وإقامة ترتيبات جديدة لإدارة القطاع، تظل القضايا الأساسية المتعلقة بالسيادة والأمن وحرية الحركة وحقوق الفلسطينيين موضع خلاف، في وقت لم تتضح فيه بعد آليات ضمان تنفيذ أي اتفاق على الأرض.
«مجلس السلام» أمام اختبار النفوذ الإسرائيلي
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قدم «مجلس السلام» باعتباره إطارًا للمساعدة في إدارة المرحلة التالية للحرب في غزة ودفع مسار الاستقرار. لكن تعطل مشروع القاعدة العسكرية يكشف، وفق ما أوردته الصحيفة البريطانية، الفجوة بين الطموحات السياسية والقدرة الفعلية على تنفيذ المشروعات داخل القطاع.
فإذا كان المجلس عاجزًا عن إدخال شركة أمريكية ومعدات البناء اللازمة لإنشاء موقع محدود، فإن ذلك يثير تساؤلات أوسع بشأن قدرته على تنفيذ ترتيبات تتطلب حركة مستمرة للأفراد والإمدادات والتنسيق بين أطراف متعددة.
ولا يعني هذا التعثر بالضرورة أن جميع مكونات الخطة ستفشل، لكنه يوضح أن نجاحها يعتمد على معالجة مسألة الوصول إلى غزة، وتحديد صلاحيات الأطراف المشاركة، وضمان عدم تحول القيود الميدانية إلى عائق دائم أمام التنفيذ.
كما يسلط الضوء على التناقض بين تقديم المجلس باعتباره أداة دولية لدعم الاستقرار، وبين استمرار اعتماد مشروعاته على موافقة إسرائيلية تسمح ببدء العمل.
وفي نهاية المطاف، لا يتوقف مستقبل «مجلس السلام» على الإعلان عن المبادرات أو توقيع العقود، بل على قدرته على تنفيذها، وعلى طبيعة الترتيبات التي ستحدد من يملك القرار داخل غزة، وكيف ستُحمى حقوق الفلسطينيين وتُلبّى احتياجاتهم.
وتبقى أزمة المقاول الأمريكي مؤشرًا مبكرًا على حجم التحديات التي تواجه خطة ترامب: فهل تستطيع واشنطن تحويل وعود الاستقرار إلى خطوات ملموسة على الأرض، أم ستظل مشروعاتها في القطاع رهينة الموافقات والقيود التي تفرضها إسرائيل؟
اقرأ المزيد
بإشراف “مجلس السلام” وترامب.. تل السلطان محطة أولى لـ مناطق غزة الخالية من حماس
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب
وثيقة مسربة: نزع سلاح حماس مقابل الهدنة.. هل ينهار اتفاق غزة بقرار من “مجلس السلام”؟

