وطن-تدخل احتجاجات الطلاب في فرنسا أسبوعها الثالث، وسط اتساع رقعة الغضب من تدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين والاكتظاظ داخل الفصول، في حركة انطلقت من ضواحي باريس الفقيرة قبل أن تتحول إلى احتجاجات وطنية يشارك فيها طلاب وأولياء أمور ومدرسون ونقابيون.
ولا تقتصر مطالب المحتجين على إصلاح المباني المدرسية أو توفير التجهيزات الأساسية، بل تمتد إلى تقليص أعداد الطلاب داخل الفصول، وتحسين ظروف العمل والتدريس، وإعادة النظر في نظام القبول الجامعي، الذي يقول طلاب من الأحياء المحرومة إنه لا يمنح الجميع فرصاً متكافئة.
وبحسب تقارير صحفية فرنسية ودولية، بدأت التحركات في سبتمبر/أيلول بعد احتجاجات على نقص المدرسين في إحدى ثانويات منطقة كريتاي قرب باريس، قبل أن تنتشر عمليات إغلاق المدارس والمظاهرات إلى مدن ومناطق أخرى. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، قدرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في التحركات بنحو 266 ألف شخص، بينما رفع المنظمون تقديراتهم إلى 450 ألفاً.
وتواصلت الاحتجاجات في 8 أكتوبر، حين خرج عشرات الآلاف مجدداً إلى الشوارع، في وقت تعهدت فيه الحكومة بإرسال 3,000 مدرس مؤهل إلى المؤسسات التعليمية الأكثر تضرراً. لكن هذا التعهد لم ينهِ الحراك، إذ يقول الطلاب إن الأزمة تتجاوز النقص في الكوادر إلى تفاوت أعمق في جودة التعليم والفرص المتاحة بين المناطق والفئات الاجتماعية. <Cite refs=
مدارس متهالكة وفصول مكتظة
تتصدر الظروف المادية داخل المدارس قائمة شكاوى الطلاب، ولا سيما في المناطق ذات الدخل المنخفض، حيث تتحدث شهادات نقلتها وسائل إعلام عن تسرب المياه من الأسقف، وتصدع الجدران، ونقص المقاعد والطاولات، وتعطل دورات المياه، وارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول خلال أشهر الصيف.
وفي بعض المؤسسات، يضطر الطلاب إلى الدراسة في فصول مكتظة، بينما تؤدي حالات الغياب ونقص المدرسين إلى ضياع ساعات تعليمية. وتشير تقارير عن الاحتجاجات إلى أن نحو 10% من ساعات التدريس المقررة في المدارس الثانوية العامة لا تُقدَّم، بسبب عدم توافر المدرسين أو البدلاء في بعض الحالات.
وتقول طالبة في ثانوية ألفريد كاستلر بمنطقة بونتواز، وفق شهادة نقلتها صحيفة «ميدل إيست آي»، إن الفصول تضم أعداداً كبيرة من الطلاب، وإن بعض المباني تعاني مشكلات تتعلق بمواد البناء والتجهيزات. كما اشتكى طلاب من قضاء ساعات طويلة في المدرسة، قبل العودة إلى المنزل لإنجاز الواجبات، في جدول يصفونه بأنه مرهق.
وتتكرر شكاوى أخرى بشأن غياب التهوية المناسبة، وتعطل الكهرباء وأجهزة الحاسوب، وسوء حالة المرافق الصحية. ويرى الطلاب أن هذه المشكلات ليست تفاصيل ثانوية، بل تؤثر مباشرة في قدرتهم على التعلم وفي شعورهم بأن المدرسة توفر لهم بيئة آمنة وملائمة.
وتؤكد هذه المطالب أن الأزمة لا تتعلق فقط بنتائج الامتحانات أو المناهج، بل أيضاً بالظروف اليومية التي يتلقى فيها الطلاب تعليمهم، وبمدى قدرة المؤسسات العامة على توفير الحد الأدنى من التجهيزات والخدمات.
الضواحي الفقيرة في قلب الاحتجاجات
برزت الضواحي المحيطة بباريس بوصفها نقطة انطلاق رئيسية للحراك، خصوصاً المناطق التي تعاني ارتفاع معدلات الفقر وتفاوتاً في الخدمات العامة. ويقول طلاب من هذه الأحياء إن مدارسهم تواجه نقصاً في الموارد ومشكلات في البنية التحتية، بينما تبدو المؤسسات التعليمية في المناطق الأكثر ثراءً أفضل تجهيزاً وأكثر قدرة على توفير الدعم للطلاب.
وترتبط هذه الشكاوى بنقاش أوسع في فرنسا بشأن تأثير الوضع الاجتماعي للأسرة ومكان السكن في فرص النجاح الدراسي. فحين تتجمع المشكلات الاقتصادية مع نقص المدرسين والاكتظاظ وضعف التجهيزات، تصبح قدرة الطلاب على الاستعداد للامتحانات ومواصلة الدراسة أكثر صعوبة.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن طلاب من منطقة سان دوني وضواحٍ أخرى قولهم إنهم يشعرون بأن مجتمعاتهم لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به مناطق أكثر ثراءً. كما عبّر بعضهم عن رفض الصور النمطية التي تربط سكان الضواحي بالفشل الدراسي أو المشكلات الاجتماعية.
ولا يقتصر هذا الشعور على المطالبة بتحسين المدارس؛ إذ يرى المشاركون أن الاستثمار في التعليم يمثل أيضاً اعترافاً بحق سكان الأحياء الشعبية في الحصول على الخدمات والفرص نفسها المتاحة لغيرهم.
وفي المقابل، لا تعني الفوارق في ظروف المدارس أن جميع المؤسسات في المناطق الفقيرة تعاني المشكلات نفسها، أو أن كل طالب من أصول مهاجرة يواجه التجربة ذاتها. لكنها تكشف عن مخاوف متكررة بشأن العلاقة بين الحرمان الاجتماعي وجودة التعليم.
إصابات واعتقالات تثير الجدل حول تعامل الشرطة
تحولت طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات إلى محور رئيسي في الأزمة، بعد وقوع مواجهات في عدد من المدن واستخدام الغاز المسيل للدموع وأدوات أخرى لتفريق التجمعات.
وأثارت إصابات بين القاصرين انتقادات من منظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان، طالبوا بالتحقيق في ملابسات استخدام القوة، خصوصاً عندما يكون المشاركون في الاحتجاجات من الطلاب المراهقين.
وفي مدينة لنس، أُصيب طالب يبلغ 15 عاماً إصابة بالغة أدت إلى فقدانه يده وجزءاً من ساعده، في حادث مرتبط بقنبلة صاعقة خلال المواجهات. وأفادت تقارير بأن السلطات علّقت مؤقتاً استخدام هذا النوع من القنابل في احتجاجات المدارس بعد الحادث، بينما دعت جهات حقوقية إلى توضيح ظروف استخدام الأسلحة المخصصة لتفريق الحشود.
كما وثقت تقارير إصابات أخرى بين الطلاب، فيما دافعت السلطات عن تعامل الشرطة مع المواجهات، مؤكدة ضرورة حماية المؤسسات التعليمية والتعامل مع أعمال العنف والتخريب.
وبحسب أرقام نشرتها وسائل إعلام استناداً إلى بيانات رسمية، تجاوز عدد الموقوفين منذ بداية الحراك 5,000 شخص في مطلع أكتوبر، وكان القاصرون يشكلون النسبة الأكبر منهم. وارتفع العدد لاحقاً مع استمرار التحركات، في مؤشر على حجم التوتر الذي رافق الاحتجاجات.
ويضع هذا التصعيد الحكومة أمام معادلة صعبة: ضمان سلامة الطلاب والمدارس، مع احترام حق الاحتجاج والتحقيق في أي استخدام غير متناسب للقوة. ويقول منتقدون إن التعامل الأمني وحده لا يعالج أسباب الغضب، بل قد يزيد شعور الطلاب بأن مطالبهم لا تلقى استجابة جدية.
اتهامات بالتمييز في عمليات التحقق من الهوية
إلى جانب المشكلات داخل المدارس، تحدث طلاب من أصول عربية وإفريقية عن شعورهم بأنهم أكثر عرضة للتدقيق الأمني والعنف خلال الاحتجاجات، مقارنة بغيرهم.
وتشير هذه الشهادات إلى أن الإحساس بالتمييز لا ينفصل، في نظر بعض المحتجين، عن تجاربهم اليومية خارج المدرسة، بما فيها تعاملهم مع الشرطة ونظرة المجتمع إلى سكان الضواحي.
وتستند هذه المخاوف إلى نقاشات ودراسات سابقة في فرنسا تناولت التفاوت في عمليات التحقق من الهوية، واحتمال تعرض الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم من السود أو العرب لعمليات تفتيش أكثر من غيرهم.
لكن تقييم كل واقعة خلال الاحتجاجات الحالية يتطلب التحقيق في ظروفها وأدلتها بصورة مستقلة. وتبقى الشهادات التي نقلتها وسائل الإعلام مؤشراً إلى شعور شريحة من الطلاب بعدم المساواة، لا بديلاً عن التحقيق في الوقائع المحددة.
ويقول محتجون إنهم يريدون أن يُعاملوا بوصفهم طلاباً يطالبون بتحسين التعليم، لا باعتبارهم تهديداً أمنياً بسبب أحيائهم أو خلفياتهم العائلية.
نظام القبول الجامعي يزيد الإحباط
تمتد مطالب الطلاب إلى منصة «باركورسوب»، وهي النظام الوطني المستخدم للتقديم إلى مؤسسات التعليم العالي في فرنسا. ويقول بعض الطلاب إن إجراءات القبول لا تمنح المتقدمين فرصاً متكافئة، وإن الطلاب القادمين من مدارس في الأحياء المحرومة يواجهون صعوبات إضافية في الوصول إلى التخصصات والجامعات التي يرغبون فيها.
ويعترض هؤلاء على ما يرونه غموضاً في معايير الاختيار، وعلى احتمال أن تؤثر الخلفية الاجتماعية أو المدرسة السابقة في فرص القبول. ويشيرون إلى أن الحصول على درجات مرتفعة لا يضمن دائماً الوصول إلى التخصص المطلوب، ما يزيد الضغط النفسي خلال مرحلة الانتقال من المدرسة الثانوية إلى الجامعة.
وقد أثار نظام «باركورسوب» نقاشات مستمرة منذ إطلاقه، بسبب طريقة ترتيب الطلبات ومعايير تقييمها، ومدى وضوح المعلومات المتاحة للطلاب بشأن أسباب القبول أو الرفض.
ويطالب محتجون بمزيد من الشفافية في إجراءات الاختيار، وبتوضيح المعايير التي تستخدمها المؤسسات الجامعية، حتى يتمكن الطلاب من فهم قرارات القبول والاعتراض عليها عند الضرورة.
وتتجاوز هذه المطالب مسألة المنصة نفسها؛ إذ ترتبط بسؤال أوسع حول ما إذا كان النظام التعليمي قادراً على تعويض الفوارق الاجتماعية، أم أنه قد يعيد إنتاجها عندما تختلف الموارد المتاحة للطلاب بين المدارس والمناطق.
الحكومة تتعهد بإجراءات.. والطلاب يواصلون الضغط
أمام اتساع الاحتجاجات، أعلنت الحكومة الفرنسية إجراءات للتعامل مع نقص المدرسين، من بينها التعهد بإرسال 3,000 مدرس مؤهل إلى المدارس الأكثر تضرراً، إلى جانب فتح قنوات لتلقي شكاوى الطلاب بشأن أوضاع مؤسساتهم التعليمية.
وتشكل هذه الخطوات استجابة مباشرة لبعض المطالب، لكنها لا تحسم الجدل بشأن حجم التمويل المطلوب لتجديد المدارس القديمة، وتقليل الاكتظاظ، وتحسين الخدمات والتجهيزات، وضمان توافر المعلمين بصورة منتظمة.
ويطالب الطلاب والنقابات بأن تتحول التعهدات إلى خطة طويلة الأمد، لا أن تقتصر على إجراءات عاجلة تهدف إلى احتواء الاحتجاجات. كما يدعون إلى معالجة الفوارق بين المناطق، وتحسين ظروف التعلم في المؤسسات التي تواجه صعوبات متراكمة.
وتواجه الحكومة، في المقابل، قيوداً مالية ونقاشاً سياسياً بشأن الإنفاق العام، ما يجعل حجم الاستثمارات التي ستُخصص للتعليم ومدى سرعة تنفيذها من أبرز نقاط الخلاف في المرحلة المقبلة.
أزمة تتجاوز أسوار المدارس
تكشف الاحتجاجات أن الغضب الطلابي في فرنسا لا يتعلق بمشكلة واحدة، بل بتراكم شكاوى تتصل بجودة التعليم، والفوارق الاجتماعية، وفرص الالتحاق بالجامعات، وطريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات.
ففي حين يركز بعض الطلاب على نقص المدرسين وسوء حالة المباني، يربط آخرون هذه المشكلات بإحساس أوسع بالتهميش والتمييز، خصوصاً في الضواحي التي تعاني ضعف الموارد وارتفاع معدلات الفقر.
ولا تزال قدرة الحكومة على تحويل التعهدات الأخيرة إلى تغييرات ملموسة عاملاً أساسياً في مسار الحراك. فإرسال مدرسين إضافيين قد يساعد على معالجة جانب من النقص، لكنه لن يكون كافياً وحده إذا بقيت مشكلات الاكتظاظ والبنية التحتية والقبول الجامعي من دون حلول واضحة.
ومع استمرار الاحتجاجات، باتت الأزمة اختباراً لمدى قدرة الدولة الفرنسية على ضمان تعليم عام يوفر فرصاً أكثر تكافؤاً، وعلى الاستماع إلى مطالب الطلاب والتعامل معها من خلال الإصلاح والحوار، بدلاً من ترك المواجهات الأمنية تتصدر المشهد.
اقرأ المزيد
فرنسا.. مراهق يفقد يده بانفجار قنبلة للشرطة خلال احتجاجات طلابية
«غضب المدارس يخنق حكومة فرنسا».. تصعيد طلابي حاد يضع ماكرون ولوكورنو أمام الاختبار الأصعب!

