وطن-أعاد التقارب المتزايد بين إسرائيل وجمهورية صربسكا فتح ملف النفوذ الخارجي في البوسنة والهرسك، بعدما حقق الحزب الذي يتزعمه السياسي الصربي القومي ميلوراد دوديك نتائج قوية في الانتخابات الأخيرة، بالتزامن مع توسيع إسرائيل علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الكيان ذي الأغلبية الصربية داخل الدولة البوسنية.
وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات التي جرت في 4 أكتوبر أن حليفة دوديك، زيليكا تسفيانوفيتش، حققت أكثر من 55% من الأصوات في السباق على المقعد الصربي في مجلس الرئاسة الثلاثي للبوسنة والهرسك، لتعود إلى المجلس ممثلةً عن المكون الصربي. كما حافظ حزب «تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين» الذي يقوده دوديك على نفوذه السياسي في جمهورية صربسكا.
وجاءت النتائج في بلد لا يزال نظامه السياسي قائماً على توازنات إثنية معقدة أُرست بموجب اتفاق دايتون للسلام عام 1995، فيما تواجه البوسنة والهرسك صعوبات متواصلة في إصلاح مؤسساتها وتعزيز مسارها نحو الاتحاد الأوروبي.
جدعون ساعر يهنئ دوديك.. ورسالة سياسية لافتة
بعد إعلان نتائج الانتخابات، وجّه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تهنئة إلى دوديك وتسفيانوفيتش وحزبهما، واصفاً النتائج بأنها «تصويت قوي بالثقة» في جمهورية صربسكا وفي قيادة دوديك وسياساته.
وأثار استخدام ساعر لقب «الرئيس دوديك» اهتماماً خاصاً، إذ إن دوديك لم يعد يشغل منصب رئيس جمهورية صربسكا بعد إدانته في قضية تتعلق بعدم الامتثال لقرارات الممثل السامي الدولي في البوسنة، حيث أُيّد الحكم بحقه وأصبح حظر توليه المنصب لمدة ست سنوات نافذاً. كما أُلغيت ولايته رسمياً في أغسطس 2025.
ومع ذلك، بقي دوديك لاعباً سياسياً رئيسياً من خلال قيادته لحزب «تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين»، فيما حقق الحزب وحلفاؤه نتائج قوية في الانتخابات الأخيرة، ما يؤكد استمرار نفوذه داخل المعسكر الصربي في البوسنة.
أما دوديك، فرد على تهنئة ساعر بالقول إن الفوز يمثل تفويضاً لتعميق الصداقة بين جمهورية صربسكا وإسرائيل، مشيراً إلى التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأمن.
تقارب إسرائيلي صربي يتجاوز المجاملات السياسية
ولا يقتصر التقارب بين إسرائيل وجمهورية صربسكا على التصريحات السياسية، ففي سبتمبر الماضي، افتُتح في بانيا لوكا مكتب تمثيلي لغرفة التجارة الإسرائيلية، في خطوة وُصفت بأنها تطور مهم في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. وحضر مراسم الافتتاح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، والسفيرة الإسرائيلية لدى البوسنة والهرسك غاليت بيليغ، إلى جانب دوديك وعدد من كبار المسؤولين في جمهورية صربسكا.
كما وُقّعت مذكرة تعاون تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، فيما تحدث دوديك عن مشاريع مشتركة محتملة مع إسرائيل بقيمة تقارب ملياري دولار، تشمل التكنولوجيا ونقل الخبرات ومجالات اقتصادية أخرى.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن الخطوة تهدف إلى الانتقال بالعلاقات من مستوى الصداقة السياسية إلى الاستثمار والتعاون الاقتصادي، في مؤشر على أن العلاقة بين الطرفين باتت تتخذ طابعاً مؤسسياً أكثر وضوحاً.
دوديك ونتنياهو.. طلب لإعادة مؤسسات جمهورية صربسكا
وكان دوديك قد زار إسرائيل في يناير 2026 والتقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما قال دوديك عقب اللقاء إنه طلب مساعدة إسرائيل في ما وصفه بـ«العودة إلى حرفية اتفاق دايتون»، بما يشمل استعادة الجيش والموارد المالية والمحاكم وأجهزة الاستخبارات التي قال إن جمهورية صربسكا كانت تتمتع بها في السابق.
وتكشف هذه التصريحات عن حجم الطموحات السياسية لدوديك، الذي يدعو منذ سنوات إلى توسيع صلاحيات جمهورية صربسكا ويطرح في أوقات مختلفة فكرة حقها في تقرير مصيرها.
لكن السلطات البوسنية والمؤسسات الدولية المعنية بالملف تنظر إلى مثل هذه التحركات باعتبارها تحدياً للنظام الدستوري القائم على اتفاق دايتون، الذي أبقى البوسنة والهرسك دولة واحدة تتكون من كيانين رئيسيين هما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صربسكا.
نفوذ انتخابي مستمر رغم العقوبات والحظر
ويكتسب التطور أهمية إضافية بسبب الوضع القانوني لدوديك، ففي فبراير 2025، أصدرت محكمة البوسنة والهرسك حكماً بسجنه عاماً واحداً ومنعه من ممارسة مهام رئيس جمهورية صربسكا لمدة ست سنوات، على خلفية عدم الامتثال لقرارات الممثل السامي الدولي كريستيان شميت.
وأيدت محكمة الاستئناف الحكم لاحقاً، وأصبحت آثاره القانونية نافذة، لتنتهي ولاية دوديك رسمياً. ومع ذلك، لم يؤد إخراجه من المنصب إلى تراجع نفوذه السياسي بصورة مماثلة. فقد واصل قيادة حزبه، بينما فاز حليفه سافو مينييتش برئاسة جمهورية صربسكا في الانتخابات الأخيرة، واحتفظت تسفيانوفيتش بالمقعد الصربي في مجلس الرئاسة الثلاثي.
وهكذا، أظهرت الانتخابات أن الحظر القانوني على دوديك لم يُنهِ حضوره السياسي، بل انتقل جزء من نفوذه إلى حلفائه والمؤسسات الحزبية التي يقودها.
البوسنة.. نظام سياسي ولد من الحرب
تعود جذور النظام السياسي الحالي في البوسنة والهرسك إلى اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب البوسنية عام 1995. ويقسم النظام السياسي البلاد إلى كيانين رئيسيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي يضم بصورة أساسية البوشناق والكروات، وجمهورية صربسكا ذات الأغلبية الصربية، إلى جانب مؤسسات اتحادية مشتركة.
كما يتكون مجلس الرئاسة من ثلاثة أعضاء، يمثل كل منهم أحد المكونات الرئيسية: البوشناق والكروات والصرب. وقد صُمم هذا النظام للحفاظ على توازن دقيق بين المكونات بعد حرب خلفت مئات الآلاف من القتلى والمهجرين، لكنه أصبح في الوقت نفسه أحد مصادر الجمود السياسي المستمر في البلاد.
وتشير نتائج الانتخابات الأخيرة إلى استمرار قوة الأحزاب ذات الخطاب القومي، في وقت تعاني فيه البوسنة من انخفاض المشاركة السياسية ومن بطء الإصلاحات المرتبطة بمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
سربرنيتسا.. أحد أكثر الملفات حساسية
يبقى موقف دوديك من حرب البوسنة وخصوصاً مجزرة سربرنيتسا أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في مسيرته السياسية. وقُتل أكثر من 8 آلاف رجل وفتى بوسني مسلم في سربرنيتسا عام 1995، وصنفت المحاكم الدولية الجريمة باعتبارها إبادة جماعية.
وقد واجه دوديك انتقادات واسعة بسبب مواقفه من توصيف الجريمة، فيما يرى منتقدوه أن خطابه حول الحرب يسهم في إبقاء الانقسامات القومية حية داخل المجتمع البوسني.
وفي المقابل، يواصل دوديك تقديم نفسه باعتباره مدافعاً عن مصالح الصرب في البوسنة وعن صلاحيات جمهورية صربسكا، ويعتبر أن مؤسسات الدولة المركزية استولت على صلاحيات كان يفترض أن تبقى لدى الكيان الصربي بموجب اتفاق دايتون.
إسرائيل ودوديك.. ما الذي يجمع الطرفين؟
يقول محللون نقلت عنهم وسائل إعلام إقليمية إن التقارب بين إسرائيل وجمهورية صربسكا لا يمكن فهمه فقط من زاوية العلاقات الاقتصادية، بل يرتبط أيضاً بتقاطع المصالح السياسية بين الطرفين.
فبالنسبة إلى دوديك، تمنحه العلاقات الخارجية مع إسرائيل قناة إضافية لتعزيز حضوره الدولي وفتح أبواب جديدة أمام الاستثمارات والتعاون السياسي والاقتصادي.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الانفتاح على جمهورية صربسكا يوفر لها موطئ قدم اقتصادي وسياسياً في منطقة البلقان، التي تتنافس فيها قوى إقليمية ودولية متعددة.
لكن من المهم الفصل بين هذه الوقائع وبين التفسيرات التي ترى في التعاون الإسرائيلي دعماً مباشراً لمشروع انفصال جمهورية صربسكا؛ فالعلاقات المعلنة حتى الآن تشمل الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والأمن، بينما تبقى آثارها السياسية الأوسع موضع تحليل وخلاف.
أوروبا أمام معادلة أكثر تعقيداً
تأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه البوسنة والهرسك دفع مسارها نحو الاتحاد الأوروبي، بينما لا تزال الانقسامات الداخلية تعرقل الإصلاحات المطلوبة.
وتخشى أطراف أوروبية من أن يؤدي تصاعد النزعات القومية والانفصالية إلى زيادة هشاشة الدولة وإبطاء اندماجها الأوروبي، خصوصاً مع استمرار التنافس بين الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة وقوى أخرى على النفوذ في منطقة البلقان.
ومن هذه الزاوية، فإن توسع العلاقات بين إسرائيل وجمهورية صربسكا لا يمثل مجرد تطور اقتصادي ثنائي، بل يأتي داخل بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية.
ومع احتفاظ دوديك بنفوذ سياسي واضح رغم خروجه من منصبه، وتوسع التعاون الإسرائيلي مع المؤسسات في بانيا لوكا، تبدو البوسنة أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع شبكات النفوذ الإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان هذا التقارب سيظل محصوراً في الاقتصاد والاستثمار والتعاون السياسي، أم أنه سيتحول إلى عنصر إضافي في الصراع حول مستقبل العلاقة بين جمهورية صربسكا والدولة البوسنية، وهي مسألة قد تكون لها انعكاسات مباشرة على استقرار البلقان وعلى المسار الأوروبي للبوسنة والهرسك.
اقرأ المزيد
تحالف العزلة والانفصال.. كيف توظف إسرائيل “جمهورية صربسكا” لتفكيك الموقف الأوروبي؟

