وطن-تتجه الأزمة الاجتماعية في فرنسا إلى مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو تعليق الدراسة في جميع الثانويات يومي الخميس والجمعة، في محاولة لاحتواء موجة احتجاجات طلابية واسعة امتدت إلى عدد كبير من المدن، ورفعت مطالب بزيادة الدعم المخصص للتعليم العام وتحسين أوضاع المؤسسات التعليمية.
وأفادت صحيفة «إيه بي سي» الإسبانية بأن لوكورنو أعلن القرار داخل الجمعية الوطنية، بالتزامن مع اتساع حركة احتجاجية بدأت منذ أواخر سبتمبر أمام عدد من الثانويات، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى مراكز المدن الكبرى، مع مشاركة طلاب جامعات ونقابات طلابية حظيت بدعم من منظمات عمالية.
مئات الآلاف في الشوارع
وشهدت فرنسا واحدة من أكبر التعبئات الطلابية منذ سنوات، وفق الصحيفة، إذ قدرت النقابات عدد المشاركين بنحو 450 ألف متظاهر، مقابل 256 ألفاً بحسب وزارة الداخلية الفرنسية. وجابت المظاهرات عدداً من المدن، رافعة مطالب تتعلق بتحسين التعليم العام وزيادة الإمكانات المخصصة للمؤسسات التعليمية.
وتقول «إيه بي سي» إن هذه التعبئة تمثل «الفصل الثالث» من الاحتجاجات، بعدما بدأت التحركات في نهاية سبتمبر باعتصامات وإغلاق مداخل ثانويات في مدن عدة، قبل أن تصبح أكثر تنظيماً وتنتقل إلى مراكز المدن.
وفي باريس، تراوح عدد المشاركين بين 100 ألف وفق النقابات و56 ألفاً بحسب الشرطة، فيما امتدت المسيرة عبر الجادات الشرقية للعاصمة، بمشاركة غالبيتها من الشباب. كما شهدت مدن مثل مرسيليا وتولوز مظاهرات كبيرة، في مؤشر على اتساع نطاق التحركات.
وتعتبر هذه الاحتجاجات، بحسب الصحيفة الإسبانية، الأكبر التي تنظمها نقابات طلاب المدارس الثانوية والجامعات منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السلطة عام 2017، الأمر الذي يضع حكومة لوكورنو أمام اختبار سياسي واجتماعي حساس.
تراجع العنف رغم استمرار المواجهات
وعلى الرغم من حجم التعبئة، كان يوم الاحتجاج أقل حدة من الأيام السابقة من حيث الحوادث الخطيرة، وفق «إيه بي سي». وأعلنت الشرطة توقيف عشرات الأشخاص في بيانات جزئية صدرت خلال ساعات بعد الظهر، لتنضم هذه التوقيفات إلى أكثر من 5 آلاف حالة اعتقال سُجلت منذ الأسبوع السابق.
وقال لوكورنو عبر منصة «إكس» إن السلطات تتعامل مع مظاهرات اليوم «باحترام، بل وبشيء من الارتياح»، في إشارة إلى تراجع حدة المواجهات مقارنة بالأسبوع السابق، عندما تحولت بعض عمليات إغلاق الثانويات إلى اضطرابات وأعمال عنف في عدد من المناطق.
وبحسب الصحيفة، تعرضت أكثر من 25 ثانوية للحرق أو النهب خلال الأيام الماضية، فيما قدرت السلطات الإقليمية حجم الأضرار المادية التي لحقت بالمؤسسات التعليمية بنحو 20 مليون يورو.
طلاب يطالبون الحكومة بالاستماع إليهم
وتلخص تصريحات المشاركين جانباً من دوافع الاحتجاجات. وقالت الطالبة إيما هو، البالغة 21 عاماً والدارسة لعلوم التربية في جامعة نانتير، إن المطلب الأساسي للمحتجين هو أن «تستمع الحكومة إليهم»، مضيفة أن الشباب لا يحتاجون إلى كل هذه الاضطرابات حتى يتم الاستماع إلى مطالبهم.
وفي باريس، شارك إلياس، وهو معالج فيزيائي يبلغ 31 عاماً، تضامناً مع طلاب الثانويات. وقال إن بعض المؤسسات التعليمية «في وضع سيئ للغاية»، مشيراً إلى أن هناك ثانويات تضم نحو ألفي طالب ولا يتوفر فيها سوى عدد محدود جداً من المراقبين، معتبراً أن التعليم العام في فرنسا يعاني نقصاً واضحاً في الإمكانات.
مشهدان مختلفان في شوارع باريس
وعكست مسيرة باريس، بحسب «إيه بي سي»، مشهدين متباينين. فقد اتسم الجزء الأكبر من المسيرة بأجواء احتفالية، حيث ردد المتظاهرون هتافات ضد ماكرون ولوكورنو، وغنوا النشيد الوطني الفرنسي «لامارسييز»، ورفعوا لافتات تطالب بمزيد من التمويل للخدمات العامة.
لكن مقدمة المسيرة شهدت توتراً أكبر، مع مشاركة نحو 300 شخص من مجموعات «البلاك بلوك»، وهي مجموعات ملثمة ترتدي الأسود وترتبط عادة بأوساط يسارية راديكالية، وفق الصحيفة.
واندلعت المواجهات بعد قيام بعض المشاركين بتحطيم واجهة فرع مصرفي بالقرب من ساحة الأمة في نهاية مسار المسيرة. وسرعان ما تحولت المنطقة إلى مواجهات وعمليات كر وفر، بعدما رشق بعض المتظاهرين قوات الأمن بالحجارة والألعاب النارية وأجسام أخرى، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع.
ومع ذلك، ظل عدد الموقوفين أقل من احتجاجات الأول من أكتوبر، عندما اعتُقل نحو ألفي شاب، معظمهم على خلفية اضطرابات خطيرة قرب الثانويات، بينها حريق كبير عند مدخل مؤسسة تعليمية في مدينة نانت.
الحكومة ترفض ترك مساحة للعنف
وفي الجمعية الوطنية، شدد لوكورنو على أن الدولة «لا يمكن أن تترك سنتيمتراً واحداً للعنف»، مجدداً انتقاداته لحزب «فرنسا الأبية» اليساري، الذي اتهمه بالغموض في موقفه من أعمال العنف.
وبحسب بيانات حكومية نقلتها الصحيفة، أصيب منذ بداية الاحتجاجات 715 شرطياً و85 من مديري المدارس أو الأساتذة نتيجة المواجهات وأعمال الشغب.
لكن بعض الطلاب يرون أن أعمال العنف، رغم رفضهم لها، ساهمت في تسليط الضوء على الأزمة. ونقلت «إيه بي سي» عن الطالب لاويل آدمكولو، البالغ 15 عاماً ويدرس في ثانوية كوندورسيه قرب أوبرا باريس، إدانته لهذه الأعمال، لكنه قال إنه يخشى أن تكون الطريقة الوحيدة التي جعلت بعض الشباب يُسمعون أصواتهم.
وأضاف أن جيله يشعر بقلق عميق تجاه المستقبل، في ظل تغير المناخ واحتمالات الحرب، كما أشار إلى نظام القبول الجامعي المعروف باسم «باركورسيب»، معتبراً أنه يزيد الإحساس بالظلم بسبب عدم اعتماده على العلامات الدراسية وحدها، وبسبب ما يراه الطلاب من غموض في آلياته.
إغلاق مئات الثانويات
وأفادت الصحيفة بأن نحو 900 ثانوية من أصل 3700 في فرنسا كانت مغلقة، من بينها ثانوية كوندورسيه التي شهدت تجمع مئات الطلاب رغم حظر التظاهر أمامها، حيث أغلق المحتجون مدخل المؤسسة بحاويات القمامة.
وفي المقابل، بدا أن التهديد بفرض غرامات تبلغ 135 يورو ساهم في تهدئة الوضع في مدينة سان دوني، التي كانت من أبرز بؤر التوتر خلال الأسبوع السابق، حيث بدت المؤسسات التعليمية هناك شبه خالية.
مطالب اجتماعية تصطدم بأزمة مالية
وتواجه حكومة لوكورنو معضلة صعبة، إذ يطالب المحتجون بزيادة الإنفاق على التعليم والخدمات العامة، في وقت تمر فيه المالية العامة الفرنسية بمرحلة حرجة.
وبحسب «إيه بي سي»، يتوقع أن تنهي فرنسا العام بعجز عام يبلغ 5.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بيعت السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات الأسبوع الماضي بفائدة بلغت 4.9 في المئة، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2002، وفق ما أوردته الصحيفة.
وفي إطار محاولة تصحيح المسار المالي، تستعد حكومة لوكورنو لطرح تخفيضات بقيمة 43 مليار يورو في موازنة العام المقبل، ما يحد من هامش تحركها للاستجابة لمطالب الشارع، ولا سيما في قطاع التعليم العام.
تعليق الدراسة وفتح باب الحوار
وأعلن لوكورنو أن يومي الخميس والجمعة لن يشهدا حصصاً دراسية في الثانويات، على أن يخصص الوقت لحوار بين الطلاب والأساتذة فيما وصفه بـ«لحظة ديمقراطية تربوية».
ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الحكومة لاحتواء الحركة الاحتجاجية ومنع تحولها إلى أزمة اجتماعية أوسع، خصوصاً مع استمرار المطالب المتعلقة بتمويل التعليم والخدمات العامة.
وفي السياق نفسه، ترأس الرئيس إيمانويل ماكرون اجتماعاً لخلية أزمة في قصر الإليزيه مساء الثلاثاء، في وقت يجد فيه نفسه، بعد ولاية ثانية اتسمت بتوترات اجتماعية متكررة، أمام شارع غاضب مجدداً.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، تبدو أزمة الاحتجاجات الطلابية اختباراً جديداً لحكومة لوكورنو، التي تواجه مهمة مزدوجة تتمثل في احتواء الغضب الاجتماعي من جهة، والحفاظ على مسار خفض العجز والإنفاق من جهة أخرى. ويبقى اتجاه الأزمة مرهوناً بقدرة الحكومة على تقديم إجابات مقنعة بشأن مستقبل التعليم العام في فرنسا.
قد يعجبك
فرنسا.. مراهق يفقد يده بانفجار قنبلة للشرطة خلال احتجاجات طلابية

