وطن-أثار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جدلاً واسعاً بعد تصريحات وجّه فيها تهديداً مباشراً إلى مصر، قائلاً إنه إذا هاجمت القاهرة إسرائيل «فلن تكون هناك سيناء».
وجاء التصريح عشية ذكرى حرب أكتوبر، التي انتهت باستعادة مصر لسيناء بعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، ما أضفى على الكلمات حساسية إضافية في ظل استمرار التوترات الإقليمية والحرب في غزة.
لكن أهمية التصريح لا ترتبط فقط بمضمونه المباشر، بل بالسياق السياسي والأيديولوجي الذي يأتي فيه، خصوصاً مع استمرار ظهور أفكار وخطابات لدى بعض أوساط اليمين الإسرائيلي تتحدث عن حدود أوسع لإسرائيل وعن إعادة رسم خريطة المنطقة.
سموتريتش يضع سيناء في قلب التهديد
قال سموتريتش في تصريح متداول إن مصر إذا هاجمت إسرائيل فلن تبقى سيناء، في إشارة إلى إمكانية أن تؤدي أي مواجهة عسكرية بين البلدين، وفق منطقه، إلى تغيير الواقع على الأرض.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بسبب مكانة سيناء في الذاكرة السياسية والعسكرية المصرية. فقد خاضت مصر حرب أكتوبر عام 1973 لاستعادة أراضٍ احتلتها إسرائيل عام 1967، قبل أن تفضي اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية إلى انسحاب إسرائيلي كامل من شبه جزيرة سيناء.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت معاهدة السلام إحدى ركائز العلاقة بين القاهرة وتل أبيب، رغم استمرار الخلافات السياسية حول ملفات إقليمية عدة.
من معاهدة السلام إلى خطاب التهديد
تبدو تصريحات سموتريتش أكثر حساسية بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي حافظت عليها مصر وإسرائيل لعقود، فالقاهرة أبقت على معاهدة السلام، كما لعبت أدواراً متكررة في الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين، ولا سيما في ملفات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمساعدات الإنسانية المرتبطة بقطاع غزة.
وفي هذا السياق، يثير توجيه تهديد يتعلق بسيناء تساؤلات حول حدود الخطاب السياسي الإسرائيلي، وما إذا كانت تصريحات بعض المسؤولين تعكس مجرد خطاب للردع والضغط السياسي، أم أنها تعبر عن تصورات أوسع تجاه حدود المنطقة ومستقبلها.
«إسرائيل الكبرى».. فكرة حاضرة في خطاب اليمين الإسرائيلي
لا تنطلق فكرة «إسرائيل الكبرى» من تصريح سموتريتش وحده، بل ترتبط بتيارات أيديولوجية وقومية ودينية موجودة منذ عقود داخل المجتمع والسياسة الإسرائيليين. وقد ظهرت في مناسبات مختلفة خرائط وتصريحات من شخصيات في اليمين الإسرائيلي تتضمن تصورات لحدود أوسع من الحدود المعترف بها لإسرائيل حالياً.
وسبق لسموتريتش نفسه أن ظهر أمام خريطة أثارت جدلاً واسعاً بسبب تضمينها الأردن ضمن تصور لما وصفه بـ«إسرائيل». كما صدرت عنه في فترات سابقة تصريحات مرتبطة بفكرة التوسع الإسرائيلي، بما في ذلك مواقف تتعلق بالأراضي السورية. لكن وجود هذه الأفكار في الخطاب السياسي لبعض الشخصيات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة وجود سياسة رسمية إسرائيلية معتمدة لإعادة رسم حدود جميع دول المنطقة، وهو تمييز مهم عند قراءة هذه التصريحات.
لماذا تثير سيناء حساسية خاصة في مصر؟
بالنسبة إلى مصر، لا تمثل سيناء مجرد مساحة جغرافية، بل ترتبط بصورة مباشرة بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وبحرب أكتوبر وبمسار استعادة الأراضي المصرية. ولهذا فإن أي حديث إسرائيلي عن سيناء، حتى لو ورد في سياق افتراضي أو تهديدي، يمكن أن يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز التصريح نفسه.
وتزداد حساسية الأمر في ظل الحرب المستمرة في غزة، والقرب الجغرافي بين القطاع وشبه جزيرة سيناء، والجدل المتكرر حول مستقبل قطاع غزة والحدود المصرية.
من غزة إلى لبنان وسوريا.. تصاعد المخاوف الإقليمية
تأتي تصريحات سموتريتش في مرحلة تشهد فيها المنطقة توسعاً في رقعة المواجهات والتوترات، من غزة إلى لبنان وسوريا، بالتزامن مع نقاشات إسرائيلية حول الأمن والحدود ومواجهة التهديدات الإقليمية.
ويرى منتقدو اليمين الإسرائيلي أن بعض الخطابات التي تتحدث عن توسيع النفوذ أو تغيير الحدود تتجاوز فكرة الدفاع عن إسرائيل إلى طرح تصورات جغرافية وسياسية أوسع.
وفي المقابل، تقدم الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها في اليمين مثل هذه المواقف عادة في سياق الأمن القومي ومواجهة التهديدات، وليس بالضرورة باعتبارها خطة عملية لإعادة رسم حدود المنطقة.
بين التهديد السياسي والواقع على الأرض
السؤال الأساسي الذي تطرحه تصريحات سموتريتش هو ما إذا كانت مجرد رسالة ردع سياسية موجهة إلى القاهرة، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في الخطاب المتعلق بالحدود الإسرائيلية، فالقول إن أي هجوم مصري سيؤدي إلى زوال سيناء يتجاوز في حدته الحديث التقليدي عن الرد العسكري، لأنه يربط الحرب المحتملة بإمكانية تغيير الجغرافيا السياسية.
لكن تحويل التصريحات إلى دليل على وجود خطة إسرائيلية رسمية لضم سيناء يحتاج إلى أدلة مستقلة وواضحة، لا إلى تصريح منفرد مهما كانت خطورته السياسية. ومع ذلك، فإن تكرار الخطابات التي تتحدث عن توسع جغرافي إسرائيلي، إلى جانب التصريحات المتعلقة بالأردن وسوريا وأجزاء أخرى من المنطقة، يبقي ملف «إسرائيل الكبرى» حاضراً في النقاش الإقليمي.
مصر أمام خطاب إسرائيلي أكثر حساسية
تحافظ القاهرة منذ عقود على معاهدة السلام مع إسرائيل، وتشارك في ملفات الوساطة المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما ترتبط بعلاقات أمنية وسياسية معقدة مع تل أبيب. لكن ذلك لم يمنع ظهور تصريحات إسرائيلية حادة تجاه مصر، ما يسلط الضوء على مفارقة لافتة في المشهد الإقليمي: فحتى الدول التي تربطها بإسرائيل اتفاقيات سلام وعلاقات رسمية يمكن أن تجد نفسها في مرمى خطاب سياسي إسرائيلي شديد اللهجة.
وبينما لا تعني تصريحات سموتريتش وحدها أن إسرائيل تستعد فعلياً لاستهداف سيناء أو تغيير حدود مصر، فإنها تعيد فتح النقاش حول طبيعة الخطاب التوسعي داخل اليمين الإسرائيلي، ومدى تأثيره في مستقبل العلاقات الإقليمية.
هذا ويبقى السؤال الأهم: هل ستظل مثل هذه التصريحات في إطار المزايدات السياسية والردع الإعلامي، أم أنها تعكس تحولاً أوسع في التصورات الإسرائيلية بشأن حدود القوة والنفوذ في المنطقة؟
اقرأ المزيد

