وطن-حذّر رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، مارتن ييغر، من أن المواجهة بين برلين وموسكو دخلت مرحلة أكثر خطورة، مؤكداً أن خطر وقوع هجمات ضد أهداف داخل ألمانيا لا يزال «حقيقياً وحاضراً»، في ظل ما تصفه السلطات الألمانية بتصاعد أنشطة الحرب الهجينة الروسية في أوروبا.
وخلال جلسة استماع علنية أمام لجنة الرقابة البرلمانية في البوندستاغ، الاثنين، قال ييغر إن المواجهة مع روسيا «اكتسبت بعداً جديداً وأكثر خطورة»، محذراً من أن ألمانيا قد تنجر إلى صراع عنيف مع موسكو. واعتبر أن محاولة الهجوم في مطار لايبزيغ تمثل أحد الأمثلة على هذا التطور.
برلين تتحدث عن «حرب ظل» روسية
وقال رئيس جهاز الاستخبارات الألماني إن روسيا تخوض ما وصفه بـ«حرب ظل» ضد ألمانيا وأوروبا، تشمل أنشطة سرية وعمليات هجينة تتجاوز الأشكال التقليدية للصراع العسكري.
وأوضح ييغر أن أجهزة الاستخبارات الروسية تعمل، وفق تقديره، بصورة «احترافية وقاسية»، وأن موسكو تراقب رد فعل ألمانيا والدول الأوروبية على هذه الأنشطة. وحذر من أن أي تردد أو ضعف في الرد قد يشجع على مزيد من الضغط.
وأضاف أن ألمانيا أصبحت، من وجهة نظر موسكو، عقبة رئيسية أمام مشروعها لتوسيع نفوذها في أوروبا، بسبب دعم برلين لأوكرانيا ولدول البلطيق الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
محاولة هجوم في مطار لايبزيغ تحت المجهر
وتستند التحذيرات الألمانية جزئياً إلى حادثة وقعت في مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس الماضي، عندما عُثر على طائرة مسيّرة محملة بمواد متفجرة، في واقعة وصفتها السلطات الألمانية بأنها حادث أمني بالغ الخطورة.
وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت في سبتمبر أن لديها أساساً استخباراتياً لنسبة الحادث إلى روسيا، بينما أثارت الواقعة لاحقاً نقاشاً داخل البرلمان حول الأدلة التي استندت إليها برلين في تحديد الجهة المسؤولة.
ويقول ييغر إن محاولة الهجوم في لايبزيغ ليست حادثاً منفرداً، بل تأتي في سياق أوسع من أنشطة تنسبها ألمانيا إلى موسكو، تشمل هجمات إلكترونية وعمليات تخريب ومحاولات تأثير واستغلال للطائرات المسيّرة.
في المقابل، تنفي روسيا باستمرار نيتها مهاجمة دول حلف الناتو، كما ينفي الكرملين الاتهامات الغربية المتعلقة بتنفيذ هجمات هجينة ضد الدول الأوروبية.
تحذير من هجمات محدودة في أوروبا
لم يقتصر تحذير ييغر على الأراضي الألمانية، إذ أشار إلى احتمال تنفيذ روسيا عمليات عسكرية محدودة ومنخفضة الشدة في منطقة البلطيق.
ويرى رئيس الاستخبارات الألمانية أن موسكو قد تسعى إلى اختبار قدرة الدول الأوروبية وحلف الناتو على الرد من خلال عمليات محدودة، بدلاً من الدخول مباشرة في مواجهة عسكرية واسعة.
ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه المخاوف الأوروبية من اتساع نطاق الأنشطة الروسية غير التقليدية، فيما قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن أوروبا شهدت تصاعداً في الهجمات الهجينة ومحاولات التخريب وانتهاكات المجال الجوي خلال الأسابيع الأخيرة.
ميرتس: أمن ألمانيا مرتبط بمصير أوكرانيا
تزامنت تصريحات ييغر مع زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف، حيث أكد استمرار دعم بلاده لأوكرانيا في مواجهة روسيا.
وقال ميرتس إن ألمانيا تدعم أوكرانيا ليس فقط من منطلق التضامن، وإنما لأن نتائج الحرب ترتبط مباشرة بأمن أوروبا وألمانيا.
وخلال الزيارة، شدد المستشار الألماني على أن بلاده ستواصل دعم كييف، في وقت تستعد فيه أوكرانيا لمواجهة مرحلة شتوية جديدة من الهجمات الروسية.
وتعد ألمانيا من أبرز الداعمين الأوروبيين لأوكرانيا، وهو ما يجعلها في صلب الضغوط الروسية الرامية إلى تقليص الدعم الأوروبي لكييف.
موسكو تلوّح بتصعيد ضد داعمي أوكرانيا
وتزامنت التحذيرات الألمانية مع تصعيد في الخطاب الروسي تجاه الدول الأوروبية التي تقدم دعماً عسكرياً لأوكرانيا.
وكانت موسكو قد حذرت من أن المنشآت الصناعية الأوروبية التي تنتج أسلحة أو معدات عسكرية لصالح كييف يمكن أن تصبح أهدافاً محتملة، في رسالة تستهدف الدول التي تلعب دوراً رئيسياً في تسليح أوكرانيا.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الخطاب النووي الروسي بشأن منطقة كالينينغراد. فقد حذرت موسكو من إمكانية اللجوء إلى الأسلحة النووية إذا حاول حلف الناتو عزل الإقليم الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، وهو ما وصفه الحلف بأنه خطاب نووي غير مسؤول.
كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً إن روسيا ستستخدم جميع الوسائل المتاحة لها في حال تعرضها لهجوم مباشر، مع تأكيده أن موسكو لا تعتزم مهاجمة دول أخرى من تلقاء نفسها.
«خطر الهجمات ضد ألمانيا حقيقي»
وكان أبرز ما ورد في شهادة ييغر أمام البرلمان تأكيده أن خطر وقوع هجمات داخل ألمانيا ليس مجرد احتمال نظري. وقال رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية إن «خطر الهجمات ضد أهداف في ألمانيا لا يزال حقيقياً وحاضراً»، محذراً من أن روسيا أصبحت تمثل، بحسب تقديره، التهديد الخارجي الأكثر مباشرة وشمولاً ووضوحاً لألمانيا في الوقت الراهن.
لكن السلطات الألمانية تميز بين ارتفاع مستوى الخطر وبين وجود تهديد محدد ووشيك ضد السكان. وكانت الحكومة قد أوضحت في أعقاب حادثة لايبزيغ أن مستوى الخطر العام مرتفع، لكنها لم تعلن في ذلك الوقت عن تهديد محدد ومباشر للمواطنين.
الشتاء المقبل تحت المراقبة
وحذر ييغر أيضاً من أن الحرب في أوكرانيا قد تدخل مرحلة أكثر عنفاً خلال الشتاء المقبل، قائلاً إن ألمانيا وأوروبا يجب أن تستعدا لهجمات روسية «بدرجة من الشدة والوحشية لم نرها بعد».
ويرى رئيس الاستخبارات الألمانية أن موسكو تسعى إلى إجبار أوكرانيا على الخضوع، وفي الوقت نفسه الضغط على الدول الأوروبية التي تدعم كييف.
وتعكس هذه التقديرات مخاوف أوروبية متزايدة من أن الحرب لا تقتصر على ساحات القتال داخل أوكرانيا، وإنما تمتد إلى أوروبا عبر الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيّرة وعمليات التأثير والضغط السياسي.
ألمانيا أمام مرحلة أمنية جديدة
وتشير تصريحات رئيس جهاز الاستخبارات الألماني إلى أن برلين باتت تتعامل مع العلاقة مع موسكو باعتبارها تحدياً أمنياً طويل الأمد، وليس أزمة مرتبطة فقط بمسار الحرب في أوكرانيا.
ويرى ييغر أن انتهاء الحرب في أوكرانيا لن يعني بالضرورة انتهاء المواجهة بين روسيا وأوروبا، بينما تستعد ألمانيا لتعزيز قدراتها الاستخباراتية والأمنية لمواجهة ما تعتبره تهديداً روسياً متزايداً.
وفي المقابل، تواصل موسكو رفض الاتهامات الغربية بشأن التخطيط لمهاجمة دول الناتو، مؤكدة أن روسيا لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع الحلف.
وبين التحذيرات الألمانية والنفي الروسي، تدخل أوروبا مرحلة أمنية أكثر حساسية، حيث أصبحت الهجمات الهجينة والتخريب والهجمات السيبرانية والتهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من حسابات الأمن القومي، فيما يبقى خطر تحول هذه المواجهة غير المباشرة إلى صراع أوسع أحد أبرز مصادر القلق لدى الحكومات الأوروبية.
اقرأ المزيد
لماذا يجب أن تأخذ أوروبا تهديدات روسيا على محمل الجد؟
أوروبا ترفع جاهزيتها تحسباً لهجوم روسي محتمل.. دول تبدأ تفعيل خطط الطوارئ
مراسل دنماركي في روسيا يحذر من تصاعد التهديد الروسي: خطر هجوم على أوروبا قد يصل إلى 90%

