وطن-قد يعيش الإنسان أشهرًا أو حتى سنوات وهو يعتقد أن صحته جيدة، بينما تكون مستويات السكر المرتفعة في الدم قد بدأت بالفعل في إحداث أضرار تدريجية داخل الجسم. فغياب الأعراض لا يعني بالضرورة أن أعضاء الجسم في مأمن، إذ يمكن لبعض مضاعفات السكري أن تتطور بصمت، خصوصًا عندما يبقى مستوى السكر مرتفعًا لفترات طويلة.
ويُعد الجلوكوز مصدرًا أساسيًا للطاقة، لكن استمرار ارتفاعه في الدم يمكن أن يضر بالأوعية الدموية والأعصاب، ويرفع خطر الإصابة بمشكلات تؤثر في العينين والكلى والقلب والأعصاب والقدمين. وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن مضاعفات السكري قد تتطور على مدى طويل من دون أعراض واضحة، وهو ما يجعل الفحوصات والمتابعة المنتظمة مهمة حتى عندما يشعر المريض بأنه بخير.
ولا يعني تسجيل قراءة مرتفعة للسكر مرة واحدة أن الجسم تعرض بالضرورة إلى تلف مزمن. فمستوى الخطر يرتبط بالصورة الصحية الكاملة، بما في ذلك استمرار ارتفاع السكر، ومدة الإصابة بالسكري، وضغط الدم، ومستويات الدهون في الدم، والتدخين، والوزن، والعمر، وغيرها من عوامل الخطر.
العينان.. اعتلال الشبكية قد يبدأ من دون أن تلاحظ
توجد في الجزء الخلفي من العين شبكة دقيقة من الأوعية الدموية التي تغذي الشبكية، وهي النسيج المسؤول عن استقبال المعلومات البصرية. ومع استمرار ارتفاع السكر في الدم، يمكن أن تتضرر هذه الأوعية، ما يؤدي إلى ما يعرف باسم اعتلال الشبكية السكري.
وتكمن خطورة هذه الحالة في أنها قد لا تسبب تغيرًا واضحًا في النظر خلال مراحلها الأولى. ومع تقدم الضرر، قد تظهر أعراض مثل تشوش الرؤية أو تغيرات في القدرة على الإبصار، وقد يصل الأمر في الحالات المتقدمة إلى فقدان البصر.
ولهذا لا ينبغي انتظار ظهور مشكلة في الرؤية لإجراء فحص العين. فالفحوصات المنتظمة تساعد على اكتشاف التغيرات في وقت مبكر، عندما تكون فرص التدخل والحفاظ على النظر أفضل.
كما أن السكري لا يرتبط باعتلال الشبكية فقط، إذ ترتفع لدى المصابين به أيضًا احتمالات الإصابة ببعض مشكلات العين الأخرى، مثل إعتام عدسة العين والزَّرَق.
الكلى.. ضرر قد يتطور من دون ألم واضح
تلعب الكلى دورًا أساسيًا في تصفية الدم والتخلص من الفضلات والسوائل الزائدة. لكن استمرار ارتفاع السكر في الدم يمكن أن يؤثر في الأوعية الدموية الدقيقة داخل الكلى ويضعف قدرتها على أداء وظيفتها تدريجيًا.
وقد يتطور مرض الكلى المزمن المرتبط بالسكري دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة. لذلك فإن غياب الألم أو عدم ملاحظة تغير في البول لا يكفي للاطمئنان إلى سلامة الكلى. وتوصي المتابعة الطبية بإجراء فحوصات دورية للكشف المبكر عن أي تراجع في وظائفها.
ومن الفحوصات التي قد يستخدمها الأطباء تقييم وجود الألبومين في البول، إلى جانب تحاليل الدم التي تساعد على تقدير كفاءة الكلى في ترشيح الفضلات.
ويزداد خطر تلف الكلى عندما يجتمع ارتفاع السكر مع ارتفاع ضغط الدم، لذلك فإن السيطرة على العاملين معًا تعد جزءًا مهمًا من حماية وظائف الكلى على المدى الطويل.
الأعصاب.. تنميل ووخز وقد يفقد المريض الإحساس
من المضاعفات المعروفة للسكري الاعتلال العصبي السكري، الذي يحدث عندما يؤدي ارتفاع السكر لفترات طويلة إلى تلف الأعصاب.
وغالبًا ما تبدأ الأعراض في القدمين والساقين، وقد تشمل التنميل والوخز والحرقان والألم أو الضعف. وفي بعض الحالات قد يكون فقدان الإحساس هو المشكلة الأخطر، لأن المريض قد لا يشعر بجرح أو فقاعة أو قرحة صغيرة في قدمه.
وقد تتحول الإصابة البسيطة إلى مشكلة أكثر خطورة إذا لم تُكتشف وتعالج في الوقت المناسب، خصوصًا عندما يترافق تلف الأعصاب مع ضعف الدورة الدموية. كما يمكن أن يؤثر تلف الأعصاب في وظائف أخرى، مثل الجهاز الهضمي والمثانة وبعض الوظائف الجنسية، وقد يؤثر في تنظيم بعض وظائف القلب.
ولا يعني كل تنميل أو ألم في الأطراف أن سببه السكري، لكن ظهور مثل هذه الأعراض لدى شخص مصاب بالسكري يستدعي إبلاغ الطبيب وتقييم السبب.
القلب والدماغ.. الخطر يتجاوز الأوعية الدقيقة
لا يقتصر تأثير ارتفاع السكر المزمن على الأوعية الصغيرة في العينين والكلى، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في الأوعية الدموية الكبيرة، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.
وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن الأشخاص المصابين بالسكري يواجهون خطرًا أعلى للإصابة بأمراض القلب، كما يمكن أن تتفاقم المخاطر عندما يترافق السكري مع ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع الكوليسترول أو التدخين أو زيادة الوزن وقلة النشاط البدني.
ومع مرور الوقت، يمكن لارتفاع السكر أن يضر بالأوعية الدموية، بينما تساهم عوامل أخرى، مثل ارتفاع الكوليسترول وضغط الدم، في تراكم الترسبات داخل الشرايين وتضييقها.
ولهذا فإن الوقاية من مضاعفات السكري لا تعتمد على قراءة السكر وحدها، بل تتطلب متابعة مجموعة من المؤشرات، من بينها ضغط الدم والدهون في الدم والوزن والنشاط البدني والتدخين، إلى جانب الالتزام بالعلاج الموصوف.
القدم.. جرح صغير قد يصبح مشكلة كبيرة
تحتاج قدم مريض السكري إلى عناية خاصة، خصوصًا عندما يكون هناك اعتلال عصبي أو ضعف في الدورة الدموية، فقد يؤدي تلف الأعصاب إلى فقدان الإحساس بالألم أو الحرارة، ما يجعل المريض غير قادر على ملاحظة جرح أو فقاعة أو احتكاك من الحذاء. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي ضعف تدفق الدم إلى إبطاء التئام الجروح وزيادة احتمالات العدوى.
ولهذا ينصح مرضى السكري بفحص أقدامهم يوميًا، والانتباه إلى الجروح والتشققات والتغيرات في لون الجلد أو تورم القدم. كما ينبغي عدم تجاهل أي جرح لا يلتئم أو تظهر عليه علامات العدوى، بل طلب التقييم الطبي في أقرب وقت.
صحة الفم أيضًا قد تتأثر
لا تتوقف مضاعفات السكري عند العينين والكلى والقلب والأعصاب. فقد يرتبط السكري أيضًا بزيادة خطر الإصابة بأمراض اللثة ومشكلات الفم والأسنان.
وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن أمراض اللثة قد تجعل التحكم في مستوى السكر أكثر صعوبة، ما يجعل العناية بالأسنان واللثة جزءًا من الرعاية الصحية الشاملة لمريض السكري.
لذلك لا ينبغي إهمال نزيف اللثة أو التورم أو الألم أو المشكلات المتكررة في الفم، بل من الأفضل مناقشتها مع طبيب الأسنان والطبيب المعالج.
هل مضاعفات السكري حتمية؟
وجود السكري لا يعني أن مضاعفاته ستحدث حتمًا. فإدارة المرض بصورة جيدة يمكن أن تساعد على الوقاية من كثير من المضاعفات أو تأخير ظهورها.
وتوضح المصادر الطبية أن الحفاظ على مستوى السكر ضمن النطاق الذي يحدده الطبيب، إلى جانب السيطرة على ضغط الدم والكوليسترول والعوامل الأخرى، يمكن أن يساعد على تقليل خطر المضاعفات أو تأخيرها.
لكن العلاج لا يعني محاولة خفض السكر بشكل عشوائي أو الوصول إلى أرقام منخفضة بأي ثمن، لأن انخفاض السكر الشديد قد يكون خطرًا أيضًا. لذلك يجب أن تكون أهداف العلاج مناسبة لكل شخص، وفق عمره وحالته الصحية والأدوية التي يستخدمها والأمراض المصاحبة لديه.
ماذا تفعل إذا كان السكر مرتفعًا منذ فترة؟
إذا كانت قراءات السكر أعلى من المستوى المستهدف بشكل متكرر، فمن المهم عدم الاكتفاء بالقياسات المنزلية أو الانتظار حتى ظهور الأعراض، بل مناقشة الأمر مع الطبيب.
وقد يطلب الطبيب فحص الهيموغلوبين السكري التراكمي «A1c»، الذي يعطي فكرة عن متوسط مستوى السكر خلال الأشهر السابقة، إلى جانب فحوصات أخرى بحسب الحالة.
وقد تشمل المتابعة تقييم العينين والكلى والقدمين، إلى جانب قياس ضغط الدم وفحص مستويات الكوليسترول وغيرها من عوامل الخطر. فإدارة السكري لا تقتصر على خفض رقم السكر، وإنما تهدف أيضًا إلى حماية الأعضاء من تأثيراته طويلة المدى.
وإذا كان المريض يتناول علاجًا بالفعل ولا تزال القراءات مرتفعة، فلا ينبغي تعديل الجرعات أو إيقاف الدواء من تلقاء نفسه. فقد يحتاج الطبيب إلى تعديل الخطة العلاجية أو مراجعة النظام الغذائي والنشاط البدني أو البحث عن عوامل أخرى تؤثر في مستوى السكر.
أما الارتفاع الشديد في السكر المصحوب بأعراض خطيرة مثل القيء، أو ألم البطن، أو صعوبة أو تغير واضح في التنفس، أو اضطراب الوعي، أو تدهور شديد في الحالة العامة، فيستدعي الحصول على رعاية طبية عاجلة.
الخطر الأكبر.. أن الضرر قد يبدأ قبل ظهور الأعراض
قد يبدو الشخص المصاب بارتفاع السكر بصحة طبيعية، ويشعر أنه لا يعاني من أي مشكلة، بينما تكون بعض التغيرات المرتبطة بالسكري قد بدأت بالفعل في العينين أو الكلى أو الأعصاب أو الأوعية الدموية.
وهذا هو السبب في أن المتابعة الطبية لا ينبغي أن تعتمد على ظهور الأعراض وحده. ففحوصات العين والكلى والقدمين، إلى جانب متابعة السكر وضغط الدم والكوليسترول، يمكن أن تساعد على اكتشاف المشكلات في وقت مبكر.
وفي النهاية، فإن ارتفاع السكر المزمن ليس مجرد رقم يظهر على جهاز القياس، بل عامل يمكن أن يؤثر تدريجيًا في أعضاء متعددة من الجسم. وكلما جرى اكتشاف الاضطراب مبكرًا وإدارته وفق خطة طبية مناسبة، زادت فرص الحد من المضاعفات وحماية العينين والكلى والقلب والأعصاب والقدمين على المدى الطويل.
اقرأ المزيد
اكتشاف علمي يغيّر كل ما عرفناه عن الميتفورمين.. الدماغ هو المفتاح الحقيقي لخفض السكر
القدم السكري.. لماذا قد يتحول جرح صغير إلى مضاعفات خطيرة لدى مرضى السكري؟
القاتل الصامت: كيف يغذي “الالتهاب المزمن” خلايا السرطان، ألزهايمر والسكري؟

