وطن-في القدس المحتلة، تزامنت صلاة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند حائط البراق مع تحركات واسعة للمستوطنين واقتحامات متكررة لباحات المسجد الأقصى، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف الفلسطينية من محاولات تغيير الواقع القائم في أحد أكثر المواقع حساسية في المدينة.
فمساء السبت 19 سبتمبر/أيلول 2026، ظهر نتنياهو في ساحة حائط البراق، برفقة عدد من وزراء حكومته وآلاف المستوطنين، وسط انتشار أمني إسرائيلي كثيف، عشية يوم الغفران اليهودي. كما نشر نتنياهو صورًا ومقاطع توثق مشاركته في صلوات «السليحوت» عند الحائط.
نتنياهو: «نحن هنا وسنبقى هنا»
وخلال وجوده في المنطقة، تحدث نتنياهو عن وجوده في الأنفاق أسفل البلدة القديمة، وقال إنهم «هنا، وسنبقى هنا دائمًا»، في تصريحات رافقت ظهوره في الموقع المقدس. كما شارك نتنياهو وزوجته في الصلاة من المنطقة المحيطة بحائط البراق، بينما كانت إجراءات أمنية مشددة تحيط بالمكان، مع وجود أعداد كبيرة من الإسرائيليين في ساحة الحائط.
وبالتزامن مع ذلك، كانت جماعات من المستوطنين تدعو إلى إقامة صلوات وطقوس دينية عند منطقة باب الرحمة، المحاذية للسور الشرقي للمسجد الأقصى. وكانت محافظة القدس قد حذرت قبل هذه الأحداث من تزايد الدعوات لإقامة طقوس يهودية في محيط المسجد، معتبرة أن تكرار هذه الممارسات قد يمهّد لتحويل المنطقة إلى موقع دائم للصلوات والطقوس اليهودية.
من حائط البراق إلى باحات الأقصى
في صباح الأحد 20 سبتمبر/أيلول، اتسعت دائرة الأحداث لتصل إلى باحات المسجد الأقصى نفسه. وأفادت محافظة القدس بدخول مئات المستوطنين إلى ساحات المسجد، مع تسجيل أداء طقوس وصلوات يهودية داخل الباحات تحت حماية الشرطة الإسرائيلية. وذكرت المحافظة أن العدد وصل إلى نحو 570 مستوطنًا حتى الساعة العاشرة صباحًا، بينما تحدثت مصادر أخرى في بداية الأحداث عن نحو 100 مستوطن.
وتأتي هذه الاقتحامات بالتزامن مع يوم الغفران، وفي وقت تشهد فيه القدس تصاعدًا في الدعوات المرتبطة بجماعات دينية إسرائيلية لإقامة طقوس داخل محيط المسجد الأقصى وعند أبوابه. وفي الأسابيع التي سبقت هذه الأحداث، سجلت منطقة باب الرحمة أيضًا طقوسًا وصلوات يهودية قرب السور الشرقي للمسجد، بحسب محافظة القدس، التي حذرت من تحول هذه الممارسات من مناسبات موسمية إلى نشاط متكرر.
لماذا يثير باب الرحمة كل هذا الجدل؟
باب الرحمة يقع في الجهة الشرقية من المسجد الأقصى، وقد أصبح خلال الفترة الأخيرة نقطة تركيز لجماعات يهودية دينية تنظم دعوات لإقامة صلوات وطقوس في محيطه.
وتقول محافظة القدس إن تكرار هذه الطقوس يثير مخاوف من محاولة تكريس واقع ديني جديد في محيط المسجد، ولا سيما مع استمرار الدعوات إلى توسيع نطاق ممارسة الشعائر اليهودية في المنطقة.
أما المسجد الأقصى، فيخضع منذ عقود لترتيبات مرتبطة بما يُعرف بالوضع القائم، الذي ينظم جوانب العبادة والوصول إلى الموقع المقدس. ويُسمح لليهود بالصلاة عند حائط البراق، بينما يخصص المسجد الأقصى للعبادة الإسلامية وفق الترتيبات المعمول بها.
حضور نتنياهو يضيف بُعدًا سياسيًا
ما يجعل التطورات الأخيرة أكثر حساسية ليس فقط حجم الاقتحامات، وإنما تزامنها مع ظهور نتنياهو شخصيًا في حائط البراق، إلى جانب وزراء من حكومته وآلاف الإسرائيليين. وقد اعتبرت محافظة القدس أن التزامن بين النشاط السياسي الرسمي والتحركات الدينية للجماعات الاستيطانية يمثل تصعيدًا في المشهد داخل القدس.
وفي المقابل، ربط محللون تحدثوا إلى الجزيرة هذه التحركات بالسياق السياسي الإسرائيلي الداخلي، معتبرين أن استخدام الرموز الدينية والوطنية في القدس يمكن أن يحمل أيضًا رسائل سياسية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وهذه قراءة تحليلية منسوبة إلى مصادرها وليست حقيقة مستقلة مثبتة بشأن دوافع نتنياهو.
القدس أمام مرحلة أكثر حساسية
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه تحركات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالاستيطان في القدس والضفة الغربية. وفي 17 سبتمبر/أيلول، أفادت رويترز بأن إسرائيل أضافت مناقصة لبناء 2167 وحدة استيطانية إلى خطة منطقة «إي1»، ليصل العدد الإجمالي إلى 3401 وحدة، وسط انتقادات فلسطينية ودولية.
وبذلك، تتقاطع في القدس عدة ملفات في الوقت نفسه: الاستيطان، والسيطرة على البلدة القديمة، والاقتحامات، والطقوس الدينية، والجدل حول مستقبل الوضع القائم في المسجد الأقصى.
صلاة انتهت.. لكن السؤال مستمر
انتهت صلاة نتنياهو عند حائط البراق، لكن مشهد القدس لم ينتهِ عند ذلك. ففي الوقت الذي ظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي محاطًا بإجراءات أمنية مشددة، كانت أعداد كبيرة من المستوطنين تتحرك في البلدة القديمة، قبل أن تمتد الاقتحامات إلى باحات المسجد الأقصى.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يتعلق الأمر فقط بزيارة أو صلاة عابرة، بل بتكرار أحداث وطقوس تقول الجهات الفلسطينية إنها قد تؤدي، إذا استمرت، إلى تغيير تدريجي في الواقع القائم حول المسجد.
ويبقى السؤال المطروح: هل تظل هذه التحركات مرتبطة بالمناسبات الدينية، أم تتحول تدريجيًا إلى ممارسة متكررة تفرض واقعًا جديدًا في محيط المسجد الأقصى؟
اقرأ المزيد
اقتحامات الأقصى تتصاعد.. صلوات تلمودية وقيود على الفلسطينيين في القدس

