وطن-أثار مقال نشرته صحيفة إسبانية جدلاً واسعاً حول التحولات التي طرأت على صورة الملكات في أوروبا، منتقداً انتقال الاهتمام من الأدوار التقليدية المرتبطة بالبروتوكول والثقافة والعمل العام إلى ملفات شخصية وفكرية وسياسية أكثر إثارة للانقسام.
وركز المقال بشكل خاص على ميت ماريت، زوجة ولي عهد النرويج، والملكة ليتيزيا، زوجة ملك إسبانيا، معتبراً أن بعض مواقفهما وعلاقاتهما السابقة أو تصريحاتِهما العامة أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة الدور الذي تؤديه الملكيات الأوروبية الحديثة.
من ملكات القصور إلى شخصيات تحت المجهر
تقول صحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية إن الملكات الأوروبيات في الماضي ارتبطن بصورة مختلفة عن صورتهن الحالية؛ إذ كان يُنتظر منهن إتقان اللغات والموسيقى والفنون وركوب الخيل، إلى جانب أداء أدوار سياسية واجتماعية في بعض المراحل التاريخية.
أما اليوم، فيرى المقال أن وسائل الإعلام تتابع الملكات من زاوية مختلفة، تشمل حياتهن الخاصة، وماضيهن قبل دخول القصور، وعلاقاتهن الاجتماعية، إضافة إلى المواقف التي يتخذنها بشأن قضايا ثقافية أو بيئية أو اجتماعية.
وفي هذا السياق، اختارت الصحيفة ميت ماريت نموذجاً بارزاً لما تعتبره تحولاً في صورة المرأة داخل العائلات الملكية الأوروبية.
ميت ماريت.. من حياة عادية إلى العائلة الملكية
ولدت ميت ماريت عام 1973، وتزوجت ولي عهد النرويج الأمير هاكون عام 2001، بعدما اختار الأخير الارتباط بامرأة لا تنتمي إلى الأوساط الأرستقراطية التقليدية.
وسبق دخولها العائلة الملكية جدل واسع حول حياتها السابقة، إذ تحدثت علناً عن مرحلة من شبابها وصفتها بأنها مضطربة، وأشارت إلى تعاطي المخدرات في تلك الفترة. كما كانت أماً لطفل ولد عام 1997 قبل زواجها من الأمير هاكون، وهو ماريوس بورغ هويبي.
ويشير المقال الإسباني إلى أن حياة ميت ماريت السابقة ظلت موضوعاً للنقاش حتى بعد دخولها القصر، خصوصاً مع ظهور قضايا جديدة مرتبطة بأشخاص من محيطها الاجتماعي.
علاقة ميت ماريت بجيفري إبستين
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل التي تناولها المقال علاقة ميت ماريت برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الذي ارتبط اسمه بجرائم واستغلال جنسي لقاصرات.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، تعرفت ميت ماريت على إبستين عام 2011، واستمرت الاتصالات بينهما لفترة أطول مما أشارت إليه في تصريحات سابقة.
وتقول الصحيفة إن وثائق مرتبطة بقضية إبستين أُفرج عنها لاحقاً تضمنت عدداً كبيراً من الإشارات إلى اسم ميت ماريت، كما تضمنت مراسلات شخصية بينها وبين إبستين.
غير أن مجرد ورود اسم شخص في وثائق أو مراسلات مرتبطة بإبستين لا يثبت ارتكابه أي جريمة أو مشاركته في جرائمه، وهي نقطة مهمة عند التعامل مع هذا النوع من الملفات الحساسة.
رسائل مثيرة للجدل وأفكار حول مستقبل الإنسان
استند المقال الإسباني إلى رسائل قالت إنها جزء من وثائق مرتبطة بإبستين، وركز على عبارات منسوبة إلى ميت ماريت بشأن قضايا اجتماعية وفكرية، بينها الإنجاب والإجهاض والتكنولوجيا ومستقبل الإنسان.
ومن بين ما أثار اهتمام الصحيفة مناقشات قالت إنها دارت حول مفهوم ما بعد الإنسانية، أو الترانسهيومانية، وهي مجموعة من الأفكار التي تبحث في إمكانية استخدام التكنولوجيا والعلوم لتغيير القدرات والحدود البيولوجية للإنسان.
وربطت الصحيفة هذه المراسلات بنقاشات أوسع حول الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية ومستقبل الإنجاب.
لكن هذه النقاشات الفكرية لا تعني بالضرورة تبني ميت ماريت لمشروع سياسي أو علمي محدد، كما أن تفسير الرسائل الشخصية خارج سياقها الكامل قد يقود إلى استنتاجات تتجاوز ما تثبته الوثائق نفسها.
ابنها ماريوس بورغ هويبي في دائرة الجدل
وتناول المقال أيضاً القضايا الجنائية المرتبطة بابن ميت ماريت، ماريوس بورغ هويبي، والتي زادت من الضغوط الإعلامية على العائلة الملكية النرويجية.
وتحظى هذه القضية باهتمام واسع في النرويج، لكنها تظل منفصلة قانونياً عن ميت ماريت نفسها، ولا يمكن تحميلها مسؤولية أفعال شخص آخر لمجرد وجود صلة عائلية بينهما.
ويأتي إدراج هذه القضية في المقال الإسباني ضمن سياق أوسع ينتقد الطريقة التي أصبحت بها الحياة الخاصة لأفراد العائلات الملكية مادة رئيسية في التغطية الإعلامية.
ليتيزيا.. الملكة التي دخلت نقاش المناخ
انتقل المقال بعد ذلك إلى الملكة الإسبانية ليتيزيا، زوجة الملك فيليبي السادس.
وكانت ليتيزيا صحفية قبل زواجها من الأمير فيليبي عام 2004، قبل أن تصبح ملكة إسبانيا بعد اعتلاء زوجها العرش عام 2014.
ويرى المقال الإسباني أن مسارها يمثل مثالاً مختلفاً للمرأة التي انتقلت من الحياة المهنية العادية إلى أعلى مستويات المؤسسة الملكية.
جدل «خفض النمو» في إسبانيا
استشهدت الصحيفة بمشاركة ليتيزيا في فعالية حول اللغة والصحافة وتغير المناخ في إقليم لاريوخا عام 2023.
وخلال المناسبة، أشارت الملكة إلى أعمال باحثين يناقشون مفهوم خفض النمو الاقتصادي، المعروف باسم «Degrowth»، وإلى الجدل العلمي حول إمكانية تحقيق التنمية المستدامة في ظل الاستهلاك المتزايد للموارد والطاقة.
وتقوم نظرية خفض النمو، في جوهرها، على فكرة أن الاقتصادات الحديثة قد تحتاج إلى تقليل بعض أنماط الإنتاج والاستهلاك، خصوصاً في الدول الغنية، من أجل الحد من الضغط على البيئة والموارد الطبيعية.
لكن الفكرة مثيرة للجدل؛ إذ يرى مؤيدوها أنها محاولة لإعادة تعريف الرفاه الاقتصادي بعيداً عن النمو المستمر، بينما يحذر منتقدوها من تداعيات محتملة على الوظائف ومستويات المعيشة والاقتصاد.
لماذا تثير مواقف الملكات الحساسية؟
تنبع حساسية هذه التصريحات من طبيعة المؤسسة الملكية نفسها.
فالملوك والملكات في الملكيات الدستورية الأوروبية يؤدون في الغالب أدواراً تمثيلية ورمزية، ولذلك قد تصبح مشاركتهم في قضايا سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية مثار جدل، حتى عندما لا تكون تصريحاتهم جزءاً من سياسة حكومية رسمية.
ويرى المقال الإسباني أن دخول شخصيات ملكية في نقاشات مثل تغير المناخ، ومستقبل الاقتصاد، والإنجاب، والتكنولوجيا الحيوية، يجعلها عرضة لتفسيرات سياسية تتجاوز أحياناً مضمون تصريحاتها الأصلية.
بين البروتوكول والجدل الإعلامي
تكشف المقارنة التي أجرتها الصحيفة بين ميت ماريت وليتيزيا عن تغير أوسع في علاقة المجتمعات الأوروبية بالملكية.
ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الحياة الملكية محصورة في المناسبات الرسمية والصور البروتوكولية. وأصبحت العلاقات الشخصية والتصريحات والماضي المهني والعائلي وحتى الآراء الفكرية عناصر تدخل في تشكيل الصورة العامة للملوك والملكات.
وفي المقابل، يرى مؤيدو الملكيات الحديثة أن انخراط أفراد الأسر المالكة في قضايا المجتمع، مثل البيئة والصحة والتعليم والثقافة، يمكن أن يمنح المؤسسة الملكية دوراً أكثر ارتباطاً بقضايا العصر.
أما منتقدوهم فيخشون أن يؤدي ذلك إلى تسييس المؤسسة الملكية أو إدخالها في صراعات أيديولوجية يفترض أن تبقى خارجها.
أزمة صورة أم تحول طبيعي؟
في النهاية، يطرح المقال الإسباني سؤالاً أوسع من الجدل حول ميت ماريت وليتيزيا: هل تغيرت الملكيات الأوروبية، أم تغيرت الطريقة التي ينظر بها الإعلام إليها؟
فقد أصبحت الملكات اليوم شخصيات عامة أكثر انفتاحاً على المجتمع، لكن هذا الانفتاح يجعل حياتهن الخاصة ومواقفهن الشخصية أكثر عرضة للتدقيق.
وبينما تحاول العائلات الملكية الحفاظ على صورتها التقليدية القائمة على الاستمرارية والحياد، فإن حضور أفرادها في قضايا البيئة والمجتمع والثقافة يفتح الباب أمام نقاشات جديدة حول حدود الدور الملكي.
وهكذا، لا تبدو قصة ميت ماريت وليتيزيا مجرد حكاية عن ملكتين تعرضتا للجدل، بل تعكس تحولاً أوسع في صورة الملكية الأوروبية نفسها؛ حيث أصبح المطلوب من أفراد العائلات المالكة أن يكونوا قريبين من المجتمع، لكن من دون أن يتحول هذا القرب إلى مصدر لانقسامات سياسية وفكرية تهدد الصورة الرمزية التي تقوم عليها المؤسسة الملكية.
اقرأ المزيد
تقصي الحقائق: هل ارتبط اسم إيريكا كيرك فعلاً بشبكة إبستين للاتجار بالأطفال؟
صور جديدة تكشف لحظات محاولة إنعاش جيفري إبستين بعد انتحاره داخل السجن

