وطن-دخل النزاع على جزر فوكلاند، التي تسميها الأرجنتين «مالفيناس»، على خط التوتر المتصاعد بين بريطانيا وإسرائيل، في تطور لافت نقل الخلاف بين لندن وتل أبيب من ملفات غزة والضفة الغربية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة البريطانية.
وجاء التصعيد بعد تصريحات أطلقها يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلن فيها تأييده للموقف الأرجنتيني بشأن الجزر، قبل أن يلمّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية مراجعة موقف واشنطن من السيادة البريطانية عليها.
ترامب يفتح باب المراجعة
وخلال حديثه مع الصحفيين في المكتب البيضاوي، سُئل ترامب عما إذا كانت الولايات المتحدة تعيد النظر في موقفها من السيادة البريطانية على جزر فوكلاند.
فأجاب: «أنا أراجع كل موقف دائماً، وهذا واحد من مواقف كثيرة».
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي لم يعلن تغييراً رسمياً في السياسة الأمريكية، فإن تصريحاته أثارت اهتماماً واسعاً، خصوصاً أنها جاءت في ظل خلافات متزايدة بين إدارة ترامب وبريطانيا بشأن عدد من الملفات الدولية.
وبحسب “ميدل إيست آي“، فإن التصريح يمثل إشارة نادرة من البيت الأبيض إلى احتمال إعادة تقييم موقف واشنطن من النزاع على الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي.
جزر فوكلاند.. نزاع عمره عقود
تطالب الأرجنتين بالسيادة على جزر فوكلاند منذ عقود، بينما تتمسك بريطانيا بالسيطرة عليها. ووصل النزاع إلى ذروته عام 1982 عندما اندلعت حرب بين البلدين انتهت بانتصار بريطانيا واستمرار سيطرتها على الجزر.
ويعيش في الأرخبيل نحو 3600 شخص، وتقول التقارير إن غالبية ساحقة منهم تؤيد استمرار الحكم البريطاني. لكن القضية لا تزال حاضرة بقوة في السياسة الأرجنتينية، إذ يواصل رؤساء البلاد المتعاقبون التأكيد على حق بوينس آيرس في السيادة على الجزر.
يائير نتنياهو يشعل الجدل
قبل تصريحات ترامب، نشر يائير نتنياهو سلسلة تعليقات باللغة الإسبانية على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلن فيها تأييده للموقف الأرجنتيني.
وكتب، بحسب ميدل إيست آي: «جزر فوكلاند تنتمي إلى الأرجنتين».
وفي منشور آخر، أوضح أن موقفه مرتبط أساساً بموقف بريطانيا من إسرائيل، وليس بالنزاع على الجزر بحد ذاته.
وقال: «بريطانيا حالياً دولة معادية، والأرجنتين دولة صديقة»، مضيفاً أن موقفه يمكن أن يتغير إذا تغيرت علاقة البلدين بإسرائيل.
وتكشف هذه التصريحات أن قضية فوكلاند تحولت بالنسبة إلى نجل نتنياهو إلى ورقة مرتبطة مباشرة بالخلاف السياسي مع لندن.
ميلي يرحب بالموقف الإسرائيلي
ولقي موقف يائير نتنياهو ترحيباً من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أعاد نشر تصريحاته المتعلقة بجزر مالفيناس.
ويُعد ميلي من أبرز حلفاء إسرائيل في أمريكا اللاتينية، وقد جعل دعم تل أبيب جزءاً أساسياً من سياسته الخارجية.
وفي المقابل، يواصل الرئيس الأرجنتيني الدفاع عن مطالبة بلاده بالجزر، ما جعل تصريحات نجل نتنياهو تلتقي بصورة غير معتادة مع الموقف الرسمي لبوينس آيرس.
لماذا هاجم يائير نتنياهو بريطانيا؟
لم يخفِ نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي دوافعه السياسية، إذ ربط موقفه من فوكلاند بما وصفه بـ«العداء البريطاني لإسرائيل». وهاجم الحكومة البريطانية بسبب مواقفها تجاه الحرب في غزة والضفة الغربية المحتلة، كما انتقد أي توجه بريطاني نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
واتهم لندن أيضاً بما وصفه بـ«النفاق» تجاه إسرائيل، وشن هجوماً حاداً على الحكومة البريطانية وسياساتها في المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه مواقف بريطانيا تجاه إسرائيل أكثر انتقاداً، خصوصاً بشأن العمليات العسكرية في غزة والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
من غزة إلى فوكلاند
وتكمن أهمية التطور الجديد في أن الخلاف بين لندن وتل أبيب لم يعد محصوراً في الملف الفلسطيني. فبحسب “ميدل إيست آي”، ظهرت داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة وبريطانيا دعوات لاستخدام ملف فوكلاند للضغط على الحكومة البريطانية، في ظل غضب إسرائيلي من التحول النسبي في الموقف البريطاني تجاه غزة وفلسطين.
وأشارت تقارير بريطانية إلى أن بعض الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل مارسوا ضغوطاً على واشنطن لإعادة النظر في موقفها من قضية الجزر.
وفي حال تحولت هذه الضغوط إلى سياسة رسمية، فإنها قد تضع واشنطن أمام خلاف غير مسبوق مع لندن بشأن قضية تعد من الملفات السيادية شديدة الحساسية بالنسبة إلى البريطانيين.
غضب داخل اليمين البريطاني
لكن تصريحات يائير نتنياهو أثارت أيضاً غضباً داخل الأوساط البريطانية المؤيدة لإسرائيل. ووصف المعلق اليميني أليكس أرمسترونغ، من قناة GB News، موقف نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه غير بنّاء، محذراً من أن التشكيك في السيادة البريطانية على فوكلاند قد يؤدي إلى خسارة إسرائيل جزءاً من الدعم الذي تتمتع به داخل اليمين البريطاني.
كما انتقد النائب البريطاني روبرت لو تصريحات يائير نتنياهو، مؤكداً أن الجزر «بريطانية وستبقى كذلك»، ومشيراً إلى استعداد بريطانيا للدفاع عنها إذا اقتضت الضرورة.
وهكذا تحولت تصريحات كان يمكن أن تبقى مجرد موقف شخصي إلى مصدر خلاف داخل الأوساط التي تعد تقليدياً من أكثر الدوائر البريطانية دعماً لإسرائيل.
ورقة ضغط في يد واشنطن؟
وتزداد أهمية الملف مع ما كشفته تقارير عن مذكرة داخلية لوزارة الدفاع الأمريكية أشارت إلى إمكانية استخدام قضية فوكلاند كورقة ضغط في التعامل مع بريطانيا.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن تصريحات ترامب الأخيرة قد تكون أكثر من مجرد تعليق عابر، خصوصاً في ظل العلاقات المتوترة نسبياً بين واشنطن ولندن حول عدد من الملفات الدولية.
وفي المقابل، لا يعني تصريح ترامب أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً بتغيير موقفها من سيادة بريطانيا على الجزر، إذ لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي بهذا الاتجاه.
تحالفات تتغير
تكشف أزمة فوكلاند الجديدة عن مفارقة لافتة في السياسة الدولية: حليف إسرائيل في واشنطن قد يستخدم قضية سيادية حساسة لبريطانيا، بينما يدفع أحد أبرز أفراد عائلة نتنياهو باتجاه الموقف الأرجنتيني، في وقت تزداد فيه الخلافات بين لندن وتل أبيب بسبب غزة وفلسطين.
وبذلك، لم تعد جزر فوكلاند مجرد نزاع قديم بين بريطانيا والأرجنتين، بل تحولت إلى ورقة يمكن أن تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية والأرجنتينية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يقتصر الأمر على تصريحات سياسية وضغوط خلف الكواليس، أم تتحول فوكلاند فعلاً إلى ورقة تفاوض تستخدمها واشنطن في خلافاتها مع لندن؟
اقرأ المزيد
نتنياهو يستبعد اتفاقاً مع قادة إيران ويصف حكام طهران بـ”المتوحشين”..
سارة نتنياهو تحت الأضواء.. شهادات وقضايا عن “منزل الرعب” داخل مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي
على خطى “بن نيتاي”: قراءة تاريخية في لجوء آل نتنياهو لأسماء مستعارة في الأوقات الحرجة..

