وطن-في خطوة تكشف جانباً سياسياً وأيديولوجياً في سياسة تسليح المدنيين داخل إسرائيل، قرر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير استثناء جماعة «ناطوري كارتا» الحريدية المناهضة للصهيونية من الاستفادة من توسيع معايير الحصول على تراخيص حمل الأسلحة في مدينة بيت شيمش قرب القدس.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، نقلاً عن صحيفة «إسرائيل هيوم»، شمل قرار توسيع ما يُعرف بـ«إصلاح السلاح» مناطق واسعة من بيت شيمش، بما يتيح لعدد أكبر من السكان التقدم للحصول على تراخيص حمل الأسلحة النارية. إلا أن القرار استثنى الأحياء والشوارع التي تقطنها جماعة «ناطوري كارتا»، على خلفية مواقفها الرافضة للصهيونية ودولة إسرائيل.
300 ألف ترخيص منذ تولي بن غفير
تأتي الخطوة ضمن سياسة أوسع انتهجها بن غفير منذ توليه وزارة الأمن القومي، خصوصاً بعد هجمات أكتوبر 2023، إذ عملت الحكومة الإسرائيلية على تخفيف شروط الحصول على تراخيص الأسلحة وتوسيع نطاق المناطق والفئات المؤهلة لذلك.
ووفق «إسرائيل هيوم»، حصل نحو 300 ألف إسرائيلي على تراخيص لحمل السلاح منذ تولي بن غفير منصبه، فيما أصبحت أكثر من 200 بلدة ومدينة وتجمعاً مؤهلة للاستفادة من التسهيلات الجديدة.
وفي بيت شيمش، لم تعتمد الأهلية الجديدة على سكان المدينة بصورة موحدة، بل جرى تحديدها وفق عناوين السكن، بالتنسيق بين الشرطة الإسرائيلية ومكتب وزير الأمن القومي، ما أدى إلى استثناء المناطق التي تضم أفراداً من «ناطوري كارتا».
وقال بن غفير إنه يواصل توسيع «إصلاح السلاح»، معتبراً أن امتلاك المدنيين للأسلحة يعزز قدرتهم على حماية أنفسهم وعائلاتهم.
لماذا استُبعدت ناطوري كارتا؟
اللافت في القرار أن الاستثناء لم يرتبط، وفق التصريحات المنسوبة إلى بن غفير، بعوامل جغرافية أو أمنية فقط، وإنما بموقف الجماعة السياسي والديني.
وقال الوزير الإسرائيلي إن من يرفع علم منظمة التحرير الفلسطينية أو يظهر في صور مع من تصفهم إسرائيل بالإرهابيين يمثل «عدواً»، في تبرير مباشر لاستبعاد أحياء الجماعة من أهلية الحصول على السلاح.
وتُعد «ناطوري كارتا» من أبرز الجماعات اليهودية الحريدية المناهضة للصهيونية. وترفض الجماعة إقامة دولة يهودية قبل مجيء المسيح وفق تفسيرها الديني، كما يشارك بعض أعضائها في فعاليات مؤيدة للفلسطينيين وينتقدون سياسات الحكومة الإسرائيلية.
ويفتح استبعاد الجماعة الباب أمام سؤال أوسع حول معايير منح السلاح في إسرائيل: هل تقوم الأهلية على اعتبارات أمنية فقط، أم يمكن أن تدخل المواقف السياسية والأيديولوجية أيضاً في تحديد من يحق له حمل السلاح؟
توسع سريع في تراخيص الأسلحة
شهدت إسرائيل زيادة كبيرة في الطلب على تراخيص الأسلحة منذ نهاية عام 2023، بالتزامن مع الحرب في غزة وتصاعد التوتر الأمني في الضفة الغربية والقدس.
وأفادت تقارير إسرائيلية بأن عدد طلبات الحصول على تراخيص الأسلحة ارتفع بصورة حادة خلال هذه الفترة، بينما تضاعف عدد حاملي التراخيص مقارنة بالفترة التي سبقت تولي بن غفير وزارة الأمن القومي.
كما ارتفع عدد التجمعات التي أصبح سكانها مؤهلين للتقدم بطلبات الترخيص، في إطار سياسة تقول الحكومة الإسرائيلية إنها تهدف إلى تمكين المدنيين من الدفاع عن أنفسهم في ظل التهديدات الأمنية.
لكن هذه السياسة أثارت انتقادات من جهات حقوقية وبحثية، خصوصاً بسبب المخاوف من أن يؤدي انتشار الأسلحة على نطاق واسع إلى زيادة العنف داخل المجتمع الإسرائيلي، أو استخدامها ضد الفلسطينيين في المناطق التي تشهد توترات متصاعدة.
مخاوف من تداعيات سياسية وأمنية
تزداد حساسية سياسة تسليح المدنيين في ظل استمرار العنف في الضفة الغربية المحتلة. وتشير بيانات أممية إلى تسجيل أكثر من ألف هجوم نفذه مستوطنون ضد فلسطينيين خلال النصف الأول من عام 2026، وأسفرت هذه الهجمات عن إصابات وأضرار في الممتلكات وطالت عشرات التجمعات الفلسطينية.
وفي المقابل، يرى منتقدو إصلاحات بن غفير أن توسيع منح تراخيص السلاح لا يجري بصورة متساوية بين جميع السكان.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن الفلسطينيين داخل إسرائيل لا يستفيدون من التوسعات الجديدة بالطريقة نفسها التي يستفيد بها المواطنون اليهود، وهو ما أثار انتقادات بشأن وجود تمييز في سياسة منح تراخيص الأسلحة.
ونقل الموقع عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن إصلاحات بن غفير تخدم بصورة أساسية المواطنين اليهود، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى خلق مخاطر إضافية على السكان غير اليهود.
القدس أيضاً ضمن خطة التسليح
لم تتوقف سياسة التوسع عند بيت شيمش. ففي مارس الماضي، أعلن بن غفير أن السكان اليهود الإسرائيليين في القدس، بمن فيهم المقيمون في القدس الشرقية المحتلة، سيكونون مؤهلين للحصول على تراخيص حمل السلاح وفق المعايير الجديدة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لتوسيع حمل الأسلحة في المدن والمناطق التي تعتبرها الحكومة الإسرائيلية حساسة أمنياً، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الانقسامات السياسية والدينية داخل المجتمع الإسرائيلي.
لكن قرار استبعاد «ناطوري كارتا» يضيف بعداً جديداً إلى الجدل، لأنه يوضح أن الخلاف حول السلاح لا يتعلق فقط بمنطقة جغرافية أو مستوى التهديد الأمني، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بموقف الجماعة من الدولة والصهيونية.
السلاح يتحول إلى قضية سياسية
تكشف قضية بيت شيمش أن سياسة تسليح المدنيين في إسرائيل أصبحت أكثر من مجرد إجراء أمني لمواجهة المخاطر. فمع وصول أعداد حاملي تراخيص السلاح إلى مستويات مرتفعة، وتوسيع قائمة المناطق المؤهلة، أصبح توزيع الحق في حمل السلاح جزءاً من نقاش أوسع حول الهوية والانتماء والولاء السياسي.
وبينما يؤكد بن غفير أن «السلاح في الأيدي الصحيحة ينقذ الأرواح»، يرى منتقدوه أن تحديد من هم «الأيدي الصحيحة» وفق الانتماء السياسي أو الأيديولوجي قد يحول سياسة السلاح إلى أداة إضافية في الصراع الداخلي الإسرائيلي.
وهكذا، لا تعكس قضية «ناطوري كارتا» مجرد استثناء محلي في مدينة بيت شيمش، بل تكشف اتجاهاً أوسع في إسرائيل، حيث يتقاطع انتشار السلاح بين المدنيين مع الانقسامات السياسية والدينية، ومع الصراع المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
اقرأ أيضاً
سموتريتش يعلن خطة “تهويد” النقب والجليل.. مليون يهودي لتغيير خريطة إسرائيل الديموغرافية
إسرائيل تراقب المناهج المصرية.. ماذا يقرأ الطالب عن الدولة العبرية؟
تبرئة مستوطن اعتدى على راهبة فرنسية في القدس.. هل يفلت المعتدون على المسيحيين من العقاب؟
تبرئة مستوطن اعتدى على راهبة فرنسية في القدس.. هل يفلت المعتدون على المسيحيين من العقاب؟
دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بالتمييز ضد الفلسطينيين وملاحقة النشاط المؤيد لغزة

