وطن-اتهمت منظمة إسرائيلية تضم جنوداً سابقين وحاليين الجيش الإسرائيلي باتباع نمط مثير للجدل خلال الحرب على قطاع غزة، يتمثل ـ بحسب شهادات نقلتها المنظمة ـ في تنفيذ هجمات تؤدي إلى مقتل فلسطينيين، ثم البحث بعد ذلك عن معلومات أو صلات يمكن استخدامها لربط الضحايا بحركة حماس أو فصائل مسلحة أخرى، بما يسمح بتقديم تبريرات للعمليات أمام الرأي العام الدولي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن منظمة كسر الصمت الإسرائيلية تحدثت عن ممارسة وصفتها بـ«التجريم بأثر رجعي»، مشيرة إلى أن بعض الفلسطينيين يُصنفون باعتبارهم عناصر في حماس بعد مقتلهم، بدلاً من أن يكون تحديد صفتهم أو دورهم العسكري جزءاً من عملية الاستهداف قبل تنفيذ الهجوم.
اتهامات بتنفيذ الهجوم ثم البحث عن مبررات
وفي مقابلة مع قناة فرانس 24، قال المدير التنفيذي لمنظمة كسر الصمت، ناداف فايمان، إن الجيش الإسرائيلي قد ينفذ الهجوم أولاً، ثم تبدأ بعد ذلك عملية البحث في هوية القتلى والعلاقات المحتملة التي قد تربطهم بحماس أو جماعات مسلحة أخرى.
وبحسب فايمان، فإن هذا الأسلوب يؤدي إلى بناء رواية تبريرية بعد وقوع الهجوم، خصوصاً عندما تسفر العمليات عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وأشار إلى أن هذا النمط ظهر، وفق المنظمة، في عدد من الوقائع التي شهدها قطاع غزة، من بينها أحداث مرتبطة بمحيط مستشفى ناصر، ومقتل مسعفين في رفح، إضافة إلى غارات جوية أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين.
ما المقصود بـ«التجريم بأثر رجعي»؟
تقول منظمة كسر الصمت إن المقصود بهذا المصطلح هو تصنيف الشخص على أنه هدف مشروع بعد مقتله، من خلال البحث لاحقاً عن أي معلومة يمكن استخدامها لإثبات وجود صلة له بحماس أو بجهة مسلحة.
وقد تكون هذه الصلة، بحسب ما أورده التقرير، وجود أحد أفراد العائلة ضمن الحركة، أو الإقامة بالقرب من منشأة تصفها إسرائيل بأنها مرتبطة بحماس، أو ورود اسم الشخص في سجلات أو قوائم مالية سابقة.
وترى المنظمة أن مثل هذه المعلومات لا تثبت بالضرورة أن الشخص كان هدفاً عسكرياً مشروعاً لحظة تنفيذ الهجوم.
«نطلق النار أولاً ثم نفكر»
قال فايمان إن المشكلة الأساسية، من وجهة نظر المنظمة، تكمن في أن الجنود الذين ينفذون الهجمات قد لا يمتلكون المعلومات التي تُستخدم لاحقاً لتفسير العملية.
ووصف الوضع بقوله إن العملية قد تبدأ بإطلاق النار أو تنفيذ القصف، ثم يأتي البحث عن تفسير لهوية الضحايا والسبب الذي يمكن تقديمه لتبرير استهدافهم.
وأضاف أن بناء ملف حول القتلى بعد العملية قد يسمح للجيش بالقول إن الهجوم استهدف وجود عناصر من حماس في الموقع، بينما لم تكن هذه المعلومات بالضرورة متاحة للقوة المنفذة للهجوم في لحظة اتخاذ القرار.
منظمة «كسر الصمت» تطرح شهادات جنود
تُعد منظمة كسر الصمت من أبرز المنظمات الإسرائيلية التي تنتقد ممارسات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأسست عام 2004 على يد جنود سابقين، بهدف جمع شهادات عسكرية حول ما يحدث خلال العمليات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبحسب المنظمة، فإن شهادات جنود جمعتها خلال السنوات الماضية تشير إلى أن بعض الممارسات التي يقدمها الجيش باعتبارها أخطاء فردية قد تكون، في بعض الحالات، جزءاً من نمط أوسع مرتبط بطريقة تنفيذ العمليات وقواعد الاشتباك.
وتقول المنظمة إن شهادات حصلت عليها تتحدث عن تصنيف فلسطينيين باعتبارهم «إرهابيين» بعد قتلهم، بما في ذلك حالات تتعلق بأشخاص غير مسلحين أو قاصرين.
الكاميرات والصحفيون في مرمى الاتهامات
تطرقت المنظمة أيضاً إلى تعامل القوات الإسرائيلية مع الكاميرات ومعدات التصوير في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023. وبحسب ما نقلته الصحيفة البريطانية، قالت كسر الصمت إن بعض الجنود تعاملوا مع حاملي الكاميرات باعتبارهم تهديداً محتملاً، وإن قواعد الاشتباك التي تصفها المنظمة بالمتساهلة ساهمت، وفق روايتها، في اعتبار بعض العاملين في مجال التصوير أهدافاً عسكرية في ظروف معينة.
وربطت المنظمة بين هذه الممارسات وبين العدد الكبير من الصحفيين الذين قتلوا خلال الحرب في قطاع غزة، معتبرة أن التفسيرات العسكرية التي تقدم بعد وقوع الحوادث تلعب دوراً في الدفاع عن تلك العمليات أمام المجتمع الدولي.
قواعد الاشتباك تحت المجهر
ترى كسر الصمت أن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بحوادث منفردة، بل بطريقة تحديد الأهداف وقواعد الاشتباك المعمول بها على الأرض. وبحسب رواية المنظمة، فإن تخفيف القيود المفروضة على استخدام القوة يمكن أن يؤدي إلى توسيع دائرة الأشخاص الذين يُعتبرون أهدافاً محتملة، وهو ما يرفع مخاطر سقوط ضحايا مدنيين.
كما ترى أن تحميل الجنود مسؤولية قرارات اتُّخذت ضمن منظومة عملياتية أوسع قد لا يكون كافياً، إذا كانت قواعد الاشتباك نفسها تسمح بممارسات تؤدي إلى نتائج واسعة النطاق.
مطالب بتحقيقات مستقلة
تأتي هذه الاتهامات في وقت يواجه فيه الجيش الإسرائيلي انتقادات دولية وحقوقية متزايدة بشأن عملياته في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
وتتركز المطالب الحقوقية على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الهجمات التي أسفرت عن مقتل مدنيين، إضافة إلى حوادث استهداف العاملين في المجال الطبي والصحفيين، وتدقيق قواعد الاشتباك التي تحكم استخدام القوة.
وفي المقابل، تبقى الاتهامات التي طرحتها منظمة كسر الصمت جزءاً من رواية تنتقد سلوك الجيش الإسرائيلي، بينما تنفي إسرائيل في مناسبات عديدة اتهامات استهداف المدنيين بصورة متعمدة، وتؤكد أن عملياتها تستهدف ما تعتبره أهدافاً عسكرية مرتبطة بالجماعات المسلحة.
اتهامات تفتح سؤالاً أكبر
وبعيداً عن تفاصيل كل حادثة على حدة، تفتح هذه الاتهامات سؤالاً أكثر حساسية حول الطريقة التي يجري بها تحديد الأهداف العسكرية وتبرير سقوط الضحايا بعد وقوع الهجمات.
فإذا ثبت أن تصنيف بعض القتلى يجري بعد تنفيذ العمليات وليس قبلها، فإن ذلك سيطرح تساؤلات جدية حول معايير الاستهداف ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
أما إذا كانت المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالضحايا موجودة قبل تنفيذ العمليات، فإن المسألة تصبح مرتبطة بدقة تلك المعلومات وكيفية استخدامها في اتخاذ قرار الاستهداف.
وبين الروايات المتضاربة، يبقى التحقيق المستقل في كل حادثة، وتحديد المسؤولية بناءً على الأدلة، العامل الحاسم في الوصول إلى صورة دقيقة لما جرى في قطاع غزة.
اقرأ المزيد
الجيش الإسرائيلي ينشئ مراكز اقتراع في غزة ولبنان وسوريا.. استعدادات انتخابية غير مسبوقة
بين الحصار والخوف.. كيف يعيش أهالي كفرشوبا تحت السيطرة الإسرائيلية؟
جنوب لبنان يدخل مرحلة جديدة.. بدء تنفيذ خطة أمريكية للانسحاب الإسرائيلي
وزيرة إسرائيلية تؤكد إرسال جنود من الجيش ومنظومة القبة الحديدية إلى الإمارات خلال الحرب مع إيران

