وطن-في لحظة دولية شديدة الحساسية، تحولت العاصمة القرغيزية بشكيك إلى منصة كبرى لإظهار تماسك كتلة أوراسية تسعى إلى تثبيت موقعها في مواجهة النفوذ الأمريكي. فمنذ الاثنين، تستضيف قرغيزستان القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، وسط حضور بارز لقادة الصين وروسيا والهند وإيران، وفي ظل تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الحرب في أوكرانيا دون أفق واضح للحل.
وقالت وكالة “إفي” الإسبانية إن القمة تأتي في وقت تسعى فيه منظمة شنغهاي للتعاون إلى تقديم نفسها بوصفها واجهة سياسية للنظام متعدد الأقطاب، في مقابل ما تصفه دول في آسيا وأوراسيا بـ”الأحادية الأمريكية”. وتبدو الرسالة الأساسية للقمة واضحة: بناء هوامش أوسع للمناورة بعيداً عن الضغوط الغربية، وتعزيز ما يسمى بـ”الاستقلال الاستراتيجي” لدول الجنوب العالمي.
ويتصدر الرئيس الصيني شي جين بينغ المشهد في بشكيك، حيث وصل في زيارة دولة إلى قرغيزستان، وعقد لقاءات مع الرئيس القرغيزي صدر جباروف، قبل أن يجري محادثات خاصة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ووفقاً لما أوردته وكالة إفي، فإن بكين تنظر إلى القمة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، وتقديم الصين كوسيط وقوة استقرار في لحظة تتغير فيها خرائط الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا وآسيا.
وتكتسب تحركات شي جين بينغ أهمية إضافية مع استعداده للسفر لاحقاً إلى واشنطن، حيث ينتظر أن يبحث مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسس تمديد هدنة جمركية بين البلدين. كما تتضمن أجندته محطة رسمية في القاهرة، قبل التوجه إلى نيودلهي للمشاركة في قمة مجموعة بريكس منتصف سبتمبر، ما يمنح جولته بعداً دولياً يتجاوز حدود منظمة شنغهاي للتعاون.
وبحسب وكالة “إفي”، أكد المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان أن بكين تسعى إلى بناء توافقات في “سياق دولي غير مسبوق”، وهي عبارة تعكس الخطاب الصيني المتزايد حول ضرورة إدارة الأزمات العالمية بمنطق “الاستقرار العملي” لا بمنطق المواجهة المفتوحة.
تحالفات الطاقة في مواجهة العقوبات الأمريكية
بالنسبة إلى موسكو وطهران، تمثل قمة منظمة شنغهاي للتعاون منصة سياسية واقتصادية لإظهار أن العقوبات الأمريكية لم تنجح في عزل البلدين أو خنق اقتصادهما. فروسيا، الخاضعة لعقوبات واسعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وإيران، التي تواجه ضغوطاً مالية ونفطية متصاعدة، تراهنان على الشركاء الآسيويين لتخفيف أثر الحصار المالي والتجاري الغربي.
وكشفت وكالة “إفي” أن التحذيرات الأمريكية الأخيرة، ولا سيما تلك الصادرة عن وزير الخزانة سكوت بيسنت بشأن احتمال فرض إجراءات انتقامية واسعة ضد الجهات التي تسهل التجارة مع إيران، لم تمنع استمرار قنوات التبادل داخل آسيا. فالصين تستورد كميات قياسية من النفط الروسي والإيراني بأسعار مخفضة، مستفيدة من التخفيضات الكبيرة لملء مخزوناتها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه تقليص أثر الاضطرابات المحتملة في ممرات الطاقة، خصوصاً في مضيق هرمز.
وتلعب جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق دوراً متنامياً في هذه المنظومة، عبر تطوير آليات تسوية مالية وممرات نقل برية تساعد على الالتفاف على القيود المفروضة على توريد الإلكترونيات الدقيقة، والآلات الصناعية، ومكونات السيارات. وتشير هذه التحركات إلى أن العقوبات لم تعد مجرد مواجهة بين واشنطن وموسكو أو واشنطن وطهران، بل باتت تدفع إلى إعادة تشكيل طرق التجارة والتمويل في قلب أوراسيا.
وأضافت وكالة “إفي” أن الهجمات الأوكرانية الدقيقة التي استهدفت مصافي داخل الاتحاد الروسي زادت حاجة موسكو إلى شبكات إسناد إقليمية. وفي هذا السياق، ساعدت دول مثل بيلاروسيا وكازاخستان في تغطية جزء من النقص الداخلي في الوقود المكرر، فيما يرى محللون أن التعاون التكنولوجي والطاقوي والدفاعي بين موسكو وبكين يشكل العمود الفقري الحقيقي لما يوصف بـ”المقاومة الاستراتيجية” للعقوبات الغربية.
الهند بين واشنطن وموسكو وبكين
الهند حضرت قمة بشكيك وهي في موقع بالغ الحساسية. فمن جهة، ترتبط نيودلهي بشراكات أمنية واقتصادية وثيقة مع الغرب، ومن جهة أخرى، لا تزال تحتفظ بعلاقات استراتيجية عميقة مع روسيا، وتدير في الوقت نفسه منافسة طويلة ومعقدة مع الصين. لكن أداء الاقتصاد الهندي منح رئيس الوزراء ناريندرا مودي مساحة أوسع للمناورة، بعدما سجلت البلاد نمواً سنوياً بلغ 7.8% في الربع الثاني من العام.
وبحسب ما أوردته وكالة “إفي”، فإن هذا النمو يعكس قدرة الاقتصاد الهندي على امتصاص الصدمات الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، وعن اختلالات سلاسل الإمداد والطاقة. كما تمكنت نيودلهي من تجاوز التعطيل الذي أصاب ميناء تشابهار نتيجة العقوبات الأمريكية المرتبطة بخليج عمان، مستفيدة من واردات النفط الروسي المخفض لتوسيع هوامش أرباح مصافيها.
ويساعد النفط الروسي الرخيص الهند على تثبيت كلفة الطاقة وتأمين إمدادات حيوية من الأسمدة، وهي عوامل أساسية لحماية الصناعة الهندية والقطاع الزراعي من تداعيات أي ارتفاع حاد في الأسعار. وتأتي هذه السياسة في مواجهة تهديدات أمريكية بفرض رسوم قد تصل إلى 100% على الدول المتعاملة مع الكرملين، وهي دعوات برزت خصوصاً من السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام.
وعلى المستوى العسكري، استخدم مودي حضوره في بشكيك لتعزيز تنويع عقود الدفاع الهندية. ووفقاً لوكالة إفي، حافظت نيودلهي على خطاب متوازن تجاه موسكو، إذ دعا مودي إلى وقف الحرب في أوكرانيا، لكنه في الوقت نفسه ضمن استمرار سلاسل الإمداد الخاصة بالمكونات وقطع الغيار العسكرية الروسية، التي لا تزال القوات المسلحة الهندية تعتمد عليها في عدة قطاعات.
وفي خطوة تعكس طموح الهند للتحول إلى مصدر أسلحة لا مجرد مستورد كبير، عززت نيودلهي موقعها في سوق الصناعات الدفاعية عبر بيع بطاريات متنقلة من صواريخ أرض-جو متوسطة المدى، بتكنولوجيا محلية، إلى حكومة أرمينيا برئاسة نيكول باشينيان. وترى دوائر هندية أن هذه الصفقات تمنح الصناعة العسكرية الوطنية دفعة سياسية وتجارية في آن واحد.
وتزامن ذلك مع تهدئة نسبية على الحدود مع الصين في جبال الهيمالايا، بعد تفاهمات خففت الضغط العملياتي عن الجيش الهندي في الجبهة الشمالية. وبحسب وكالة “إفي”، تدخل الهند مرحلة قمة بريكس المقبلة وهي تمتلك هامشاً مالياً مريحاً، وقدرة ردع أفضل، واستقلالية تكتيكية تسمح لها بعدم الانحياز الكامل لأي من المعسكرات المتنافسة.
منظمة واسعة النفوذ.. وقدرات محدودة
تأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001، وتضم اليوم عشرة أعضاء كاملي العضوية، إضافة إلى 15 شريك حوار، من بينهم تركيا والسعودية والإمارات ومصر. وتمثل الدول المرتبطة بالمنظمة نحو 43% من سكان العالم، وقرابة ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يجعلها واحدة من أكبر التكتلات الدولية من حيث الثقل الديموغرافي والاقتصادي.
لكن هذا الحجم لا ينعكس بالضرورة على قدرة المنظمة في التحرك العسكري أو المؤسسي. فقد نقلت وكالة “إفي” عن محللين في مؤسستي “كارنيغي” و”يوراسيا غروب” أن هناك فجوة واضحة بين القوة العددية والاقتصادية للمنظمة وبين قدرتها الفعلية على تنفيذ سياسات أمنية مشتركة أو اتخاذ قرارات عسكرية ملزمة.
ورغم انضمام إيران رسمياً إلى منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، لا تبدو بكين أو موسكو مستعدتين لتوفير ضمانات دفاع مشترك في حال تعرضت طهران لهجمات خارجية. وتبقى المساندة، في معظمها، محصورة في بيانات دبلوماسية واتفاقات تجارية وترتيبات اقتصادية تساعد إيران على تقليل أثر العقوبات دون نقل المنظمة إلى موقع التحالف العسكري الصريح.
وتواجه المنظمة أيضاً تحديات مؤسسية بارزة، إذ لم تنجح حتى الآن في تأسيس بنك تنمية مشترك على غرار مؤسسات أخرى، كما لم تبلور قنوات دفع متعددة الأطراف قادرة على تقليل الاعتماد على المنظومة المالية الغربية بصورة كاملة. وهذه الفجوات تحد من قدرة منظمة شنغهاي للتعاون على التحول من منتدى سياسي واسع إلى بنية تنفيذية متماسكة.
الصين توسع نفوذها في الفضاء السوفيتي السابق
في خلفية قمة بشكيك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: صعود النفوذ الصيني في آسيا الوسطى والفضاء السوفيتي السابق، مقابل تراجع نسبي في قدرة روسيا على إدارة محيطها التقليدي بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا وتبعات العقوبات الغربية.
وبحسب وكالة “إفي”، تستفيد بكين من قوتها التجارية والمالية لتعزيز حضورها في الجمهوريات السوفيتية السابقة، عبر الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الممرات البرية، وتوسيع التبادل التجاري، وربط هذه الدول بمبادرات صينية أوسع في النقل والطاقة والتمويل.
ويمنح هذا الواقع الرئيس الصيني شي جين بينغ فرصة لإظهار نفوذ بلاده الدبلوماسي قبل المواجهة السياسية والاقتصادية المنتظرة مع ترامب. فالصين لا تقدم نفسها فقط كقوة اقتصادية كبرى، بل كطرف قادر على جمع روسيا والهند وإيران ودول آسيا الوسطى حول طاولة واحدة، في لحظة يزداد فيها التشكيك العالمي بقدرة النظام الدولي الحالي على احتواء الأزمات.
ختاماً، تبدو قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك أكثر من اجتماع دوري لقادة كتلة إقليمية. إنها اختبار مفتوح لقدرة الدول المناوئة أو المتحفظة على الهيمنة الأمريكية على بناء شبكات بديلة في الطاقة والتمويل والدفاع والدبلوماسية. غير أن الطريق نحو نظام متعدد الأقطاب لا يزال محكوماً بتناقضات داخلية وحدود عملية، بين طموح سياسي واسع وقدرات مؤسسية لم تكتمل بعد.
اقرأ المزيد
الصين تحذر واشنطن بعد عقوبات جديدة على إيران.. هل تستهدف العقوبات الأميركية النفط والبنوك الصينية؟
خلال اجتماع ثنائي ببكين: الصين تحاصر النفوذ الأمريكي في آسيا.. معركة جديدة على أهم ممرات التجارة
استثمار أمريكي كبير في معادن الكونغو.. واشنطن تتحرك لكسر هيمنة الصين على الكوبالت والنحاس

