وطن-في اكتشاف أثري نادر قد يعيد طرح أسئلة جديدة حول بدايات الفن والرمزية لدى الإنسان، عثر علماء الآثار في تركيا على تمثال يعود إلى نحو 11 ألف عام، يصور شخصاً يمتطي فهداً، وذلك في موقع كاراهان تبه الأثري جنوب شرقي البلاد.
وتبرز أهمية القطعة ليس فقط بسبب قدمها، وإنما أيضاً بسبب المشهد الذي تجسده، إذ يجمع التمثال بين الإنسان والحيوان في تكوين فني معقد، لم يُعرف له مثيل حتى الآن ضمن مكتشفات تلك المرحلة المبكرة من العصر الحجري الحديث.
تمثال استثنائي عمره 11 ألف عام
أعلن وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري إرسوي عن الاكتشاف الثلاثاء، موضحاً أن التمثال عُثر عليه في موقع كاراهان تبه، أحد أبرز المواقع الأثرية المرتبطة بالعصر الحجري الحديث في منطقة أعالي بلاد الرافدين.
ويبلغ ارتفاع التمثال نحو 70 سنتيمتراً، ويظهر فيه شخص جالس على ظهر فهد، في مشهد يجمع بين هيئة بشرية وأخرى حيوانية بطريقة فنية لافتة.
وأكد الوزير التركي أن القطعة فريدة من نوعها، مشيراً إلى أنها تفتح الباب أمام أسئلة جديدة بشأن المراحل الأولى من تاريخ الإنسان، وطبيعة الحياة الرمزية والفنية للمجتمعات التي عاشت في المنطقة قبل آلاف السنين.
اكتشاف التمثال في موقعه الأصلي
ولا تكمن أهمية الاكتشاف في شكل التمثال فقط، بل أيضاً في المكان الذي عُثر فيه عليه. فقد اكتشف علماء الآثار القطعة في موضعها الأصلي تقريباً، فوق مقعد ممتد بمحاذاة جدار داخل بنية معمارية يبلغ قطرها نحو ثلاثة أمتار.
ويسمح العثور على القطعة في سياقها المعماري الأصلي للباحثين بدراسة الطريقة التي كان يُستخدم بها التمثال، وما إذا كان مرتبطاً بطقوس أو معتقدات أو ممارسات رمزية لدى سكان المنطقة في ذلك العصر.
ماذا يكشف الإنسان الممتطي للفهد؟
يثير المشهد الذي يجسده التمثال سؤالاً أساسياً: لماذا اختار الإنسان في تلك المرحلة المبكرة تصوير علاقة مباشرة بين البشر والحيوانات؟ فالجمع بين شخص وفهد في عمل فني واحد قد يحمل دلالات رمزية أو طقسية، إلا أن تحديد معناها بدقة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
ويفتح الاكتشاف بالتالي نافذة على عالم ذهني عاش قبل آلاف السنين من ظهور الكتابة، عندما كانت المجتمعات البشرية في المنطقة تنتقل تدريجياً نحو الاستقرار وتطوير أنماط أكثر تعقيداً من التنظيم الاجتماعي.
كاراهان تبه.. موقع يعيد كتابة تاريخ الإنسان
يقع كاراهان تبه على بعد نحو 50 كيلومتراً من مدينة شانلي أورفا جنوب شرقي تركيا، واكتُشف الموقع للمرة الأولى عام 1997، بينما بدأت أعمال التنقيب المنتظمة فيه في سبتمبر 2019.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الموقع واحداً من أهم المواقع الأثرية لدراسة العصر الحجري الحديث، بفضل ما يضمه من منشآت وتماثيل ومنحوتات تكشف مستوى متقدماً من التعبير الفني والرمزي.
ويُدرس كاراهان تبه إلى جانب غوبيكلي تبه، الواقع على بعد نحو 18 كيلومتراً من شانلي أورفا، باعتبارهما من أهم المواقع التي تساعد العلماء على فهم المجتمعات البشرية التي عاشت في المنطقة قبل ظهور المدن والحضارات الكبرى.
أعالي بلاد الرافدين.. مهد التحولات الكبرى
ينتمي كاراهان تبه إلى منطقة أعالي بلاد الرافدين، التي تشمل أجزاء من جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمال غربي العراق. وتكتسب هذه المنطقة أهمية استثنائية في علم الآثار، لأنها شهدت بعضاً من التحولات الكبرى في تاريخ الإنسان، ومنها الانتقال التدريجي من أنماط الحياة القائمة على الصيد وجمع النباتات البرية إلى الاستقرار وتشكيل مجتمعات أكثر تنظيماً.
وتوفر المواقع الأثرية المنتشرة فيها أدلة على أن الإنسان كان يمتلك قدرات فنية ورمزية معقدة قبل ظهور الكتابة بآلاف السنين.
ليس الاكتشاف الأول المذهل في الموقع
لا يمثل التمثال الجديد أول اكتشاف استثنائي في كاراهان تبه. ففي عام 2023، عثر علماء الآثار في الموقع على تمثال بشري ضخم بلغ ارتفاعه نحو 2.5 متر، واعتُبر حينها من أكبر التماثيل المعروفة التي تعود إلى تلك المرحلة المبكرة. وتعزز هذه الاكتشافات المتتالية مكانة كاراهان تبه باعتباره مختبراً أثرياً مهماً لدراسة بدايات الفن والنحت والرمزية لدى الإنسان.
هل يعيد التمثال رسم صورة الإنسان القديم؟
قد لا يقدم التمثال إجابة مباشرة عن كيفية تفكير الإنسان قبل 11 ألف عام، لكنه يقدم دليلاً جديداً على أن المجتمعات القديمة امتلكت قدرة على إنتاج صور ورموز ذات دلالات معقدة.
ومع استمرار الحفريات، قد تكشف المنطقة عن مزيد من القطع التي تساعد العلماء على فهم علاقة الإنسان القديم بالحيوانات والطبيعة والطقوس والمعتقدات.
وهكذا، لا يبدو تمثال الإنسان الممتطي للفهد مجرد قطعة حجرية قديمة، بل رسالة وصلت من عالم غابر لتكشف أن الإنسان كان يستخدم الفن والرمز والتصوير للتعبير عن أفكاره قبل آلاف السنين من ظهور الحضارات المكتوبة.
اقرأ أيضاً
كردستان: اكتشاف ورشة متكاملة من العصر الحديدي يغيّر فهم التنظيم الحِرفي القديم
المقابر السرية في المكسيك تتجاوز 5 آلاف موقع.. ماذا تكشف الأرقام عن مصير آلاف المفقودين؟

