وطن-أثارت أوغندا جدلاً واسعاً بعد إزاحة الستار عن تمثال برونزي ليوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقائد القوة الإسرائيلية التي اقتحمت مطار عنتيبي عام 1976، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في نظرة كمبالا إلى واحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل في تاريخ علاقاتها مع إسرائيل.
تمثال ليوناتان نتنياهو في موقع عملية عنتيبي
كشفت القوات الأوغندية، مطلع أغسطس، عن التمثال داخل مبنى المطار القديم في عنتيبي، على بعد نحو 40 كيلومتراً من العاصمة كمبالا، بتكليف من قائد الجيش الأوغندي الجنرال موهوزي كاينروغابا، نجل الرئيس يوري موسيفيني.
ويأتي النصب في إطار إحياء الذكرى الخمسين لعملية عنتيبي، المعروفة في إسرائيل باسم «عملية الصاعقة»، والتي تحولت لاحقاً إلى «عملية يوناتان» تخليداً لذكرى قائد القوة الإسرائيلية الذي قُتل خلالها.
ويظهر التمثال يوناتان نتنياهو حاملاً رشاشاً، في موقع كان لعقود رمزاً للمواجهة بين إسرائيل وأوغندا.
من انتهاك السيادة إلى الاحتفاء بالقائد الإسرائيلي
تكتسب الخطوة حساسية خاصة لأن أوغندا ومنظمة الوحدة الأفريقية أدانتا العملية الإسرائيلية عام 1976، باعتبارها انتهاكاً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها.
لكن الخطاب الرسمي الأوغندي تغير بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تعمق العلاقات الأمنية والسياسية بين كمبالا وتل أبيب.
وقال الجنرال كاينروغابا خلال مراسم التدشين إن النصب لا يخلد ذكرى جندي فحسب، وإنما يجسد، وفق تعبيره، «الشجاعة في مواجهة الخطر» و«الالتزام بحماية أرواح الأبرياء».
غير أن منتقدين داخل أوغندا رأوا في التمثال محاولة لإعادة كتابة تاريخ عملية عنتيبي، من خلال الاحتفاء بالقوة الأجنبية التي دخلت الأراضي الأوغندية من دون موافقة الحكومة آنذاك.
ماذا حدث في عنتيبي عام 1976؟
بدأت قصة عنتيبي في 27 يونيو 1976، عندما اختُطفت طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت في طريقها من تل أبيب إلى باريس، وحُوّل مسارها إلى أوغندا بعد توقفها في أثينا وبنغازي.
وكان على متن الطائرة 248 شخصاً، بينهم 105 إسرائيليين. وبعد وصولها إلى مطار عنتيبي، احتُجز عدد من الرهائن، فيما أُطلق سراح معظم غير الإسرائيليين.
وطالبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالإفراج عن أسرى فلسطينيين مقابل إطلاق الرهائن.
وبعد فشل المفاوضات في إنهاء الأزمة، قررت إسرائيل تنفيذ عملية عسكرية لإنقاذ المحتجزين. وفي 3 يوليو 1976، اقتحمت قوات إسرائيلية خاصة المطار، في عملية امتدت آلاف الكيلومترات بعيداً عن إسرائيل.
وأسفرت العملية عن إنقاذ 102 من الرهائن، بينما قُتل الخاطفون وعدد من الجنود الأوغنديين. وكان يوناتان نتنياهو الجندي الإسرائيلي الوحيد الذي قُتل خلال العملية.
كيف تحولت العلاقة بين أوغندا وإسرائيل؟
كانت إسرائيل قد بنت علاقات وثيقة مع أوغندا منذ استقلالها، وشملت التعاون العسكري والتدريب ومشروعات البنية التحتية.
لكن العلاقة انهارت بعد وصول عيدي أمين إلى السلطة عام 1971. وفي العام التالي، قطع أمين العلاقات مع إسرائيل وطرد مستشاريها العسكريين والمواطنين الإسرائيليين من البلاد.
كما تقاربت أوغندا في تلك الفترة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ما جعل عملية عنتيبي عام 1976 نقطة مواجهة مباشرة بين البلدين.
غير أن العلاقات بدأت تتحسن تدريجياً في العقود التالية، خصوصاً في عهد الرئيس يوري موسيفيني، الذي حافظ على علاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع إسرائيل.
تمثال يثير انتقادات داخلية
أثار نصب التمثال انتقادات من شخصيات أوغندية رأت أن تكريم قائد القوة الإسرائيلية يتجاهل الجنود الأوغنديين الذين قتلوا خلال العملية.
وقال أسومان كيينغي، الوزير الأوغندي السابق للشؤون الخارجية الإقليمية، إن تكريم قائد عسكري أجنبي شارك في عملية نفذت داخل الأراضي الأوغندية يمثل رسالة مقلقة بشأن مكانة السيادة الأفريقية في الذاكرة الوطنية.
ويرى منتقدون أن تكريم يوناتان نتنياهو في موقع العملية يغيّر الرواية الرسمية عن أحداث عنتيبي، وينقلها من قصة انتهاك للسيادة الأوغندية إلى قصة بطولية إسرائيلية لإنقاذ الرهائن.
لماذا يأتي التمثال الآن؟
تزامن الكشف عن التمثال مع تعمق التعاون بين أوغندا وإسرائيل، كما جاء في وقت حساس بسبب الحرب في غزة.
وتشير الخطوة إلى رغبة القيادة الأوغندية الحالية في تعزيز العلاقات مع إسرائيل، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية، مع تقديم عملية عنتيبي باعتبارها مثالاً على التعاون في مواجهة الإرهاب وحماية المدنيين.
لكن الموقف الأوغندي من القضية الفلسطينية لا يزال أكثر تعقيداً. فقد صوتت كمبالا في الأمم المتحدة لصالح قرارات تنتقد الاحتلال الإسرائيلي وتؤيد إقامة دولة فلسطينية، رغم عدم انضمامها إلى بعض المبادرات القانونية والدبلوماسية ضد إسرائيل.
بين التاريخ والسياسة
يبدو تمثال يوناتان نتنياهو في مطار عنتيبي أكثر من مجرد نصب تذكاري؛ فهو يعكس تحولاً في الطريقة التي تنظر بها القيادة الأوغندية الحالية إلى حدث كان يُنظر إليه قبل نصف قرن باعتباره انتهاكاً للسيادة الوطنية.
وبينما تقدمه الحكومة الأوغندية رمزاً للشجاعة وإنقاذ الرهائن، يرى منتقدوه أنه يعيد كتابة تاريخ عملية عسكرية إسرائيلية على الأراضي الأوغندية، في وقت تتجه فيه العلاقات بين كمبالا وتل أبيب إلى مزيد من التقارب.
وبذلك، أصبح تمثال عنتيبي نقطة التقاء بين ذاكرة تاريخية مثيرة للجدل، وتحالفات أمنية جديدة، وموقف أوغندي يحاول الموازنة بين التقارب مع إسرائيل والحفاظ على دعمه الرسمي لقيام دولة فلسطينية.
اقرأ المزيد
سفارة بـ “دولار واحد”.. اتفاقية أمريكية إسرائيلية تثير عاصفة قانونية حول ملكية الأرض في القدس
كولومبيا تنقلب على إرث بيترو.. إلغاء التأشيرات مع إسرائيل يعكس تحولاً واسعاً في سياسة بوغوتا
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟
هل تتسلل إسرائيل عبر بوابة التكنولوجيا؟ مشروع في ماليزيا يشعل أزمة سياسية..

