وطن-في تصعيد جديد يكشف اتساع رقعة التوتر بين إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية، حذرت صحيفة «إسرائيل هيوم» من أن أي قوات تركية تنتشر داخل سوريا قد تتحول إلى أهداف محتملة للجيش الإسرائيلي، معتبرة أن الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي لا تمتد، وفق قراءتها، إلى الجنود الأتراك الموجودين خارج الأراضي التركية.
ويأتي هذا التحذير بعد أيام من غارات إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، بالقرب من الحدود التركية، في وقت تتهم فيه تل أبيب أنقرة بتوسيع حضورها العسكري والأمني داخل الأراضي السورية، بينما تنفي تركيا ودمشق وجود قوات تركية قتالية في القاعدة.
إسرائيل تلوّح باستهداف القوات التركية
كتب شاي غال، رئيس شركة “Line of State” للعلاقات الحكومية والاستراتيجية، في «إسرائيل هيوم»، أن الحسابات الإسرائيلية تختلف جذرياً قبل وصول القوات التركية إلى المواقع السورية وبعد انتشارها فيها.
وأوضح أن استهداف البنية التحتية قبل وصول الجنود الأتراك يختلف عن ضرب موقع توجد فيه قوات تركية، لأن أي هجوم لاحق قد يؤدي إلى سقوط جنود أتراك، ويفتح الباب أمام رد من أنقرة أو تدخل أمريكي أو مواجهة مباشرة مع دولة عضو في الناتو.
ومع ذلك، رأى غال أن هذه المخاطر لا تلغي ما اعتبره حق إسرائيل في اتخاذ قرارات عسكرية داخل سوريا.
هل تحمي المادة الخامسة الجنود الأتراك؟
ركز المقال الإسرائيلي على المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعي عن الدول الأعضاء في حال تعرض إحداها لهجوم.
وبحسب تفسير «إسرائيل هيوم»، فإن هذه الحماية مرتبطة بنطاق جغرافي محدد، وبالتالي فإن وجود جنود أتراك داخل سوريا لا يعني تلقائياً تمتعهم بالحماية نفسها التي يتمتع بها الجيش التركي داخل الأراضي التركية.
وتفتح هذه القراءة الباب أمام سؤال بالغ الحساسية: هل تستطيع إسرائيل استهداف قوات تركية داخل سوريا من دون أن يؤدي ذلك إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة أو أزمة داخل حلف الناتو؟
واشنطن تسعى إلى منع التصعيد
في المقابل، قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا والسفير لدى تركيا، توم باراك، إن تركيا لم تتلقَّ تحذيراً مسبقاً بشأن الغارات الإسرائيلية الأخيرة.
وأشار باراك إلى أن التطورات تؤكد الحاجة إلى إعادة تفعيل آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، خصوصاً في ظل تداخل المصالح العسكرية والأمنية للأطراف الثلاثة داخل الأراضي السورية.
وأكد أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لخفض التصعيد تهدف إلى منع سوء التواصل واحتواء أي أزمة مستقبلية.
انتقادات أمريكية للضربة الإسرائيلية
واتخذ باراك موقفاً أكثر انتقاداً للعملية الإسرائيلية، واصفاً الضربات التي استهدفت قاعدة أبو الظهور بأنها «تصعيد غير ضروري».
وقال إن الحكومة السورية الجديدة لم تتبنَّ، وفق تقييم واشنطن، موقفاً عدوانياً تجاه إسرائيل ولم تعتمد قوات بالوكالة، بل أظهرت رغبة متكررة في خفض التصعيد.
وأضاف أن الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء التطورات الأخيرة، معتبراً أن التصعيد الإسرائيلي لا يخدم الاستقرار الإقليمي.
إسرائيل تخشى تعاظم النفوذ التركي
لكن «إسرائيل هيوم» تنظر إلى التطورات من زاوية مختلفة، إذ ترى أن التعاون التركي السوري تجاوز مرحلة النفوذ السياسي، بعدما بدأت أنقرة في تدريب القوات السورية والمساعدة في إعادة بناء المؤسسات العسكرية في البلاد.
وبحسب المقال، درست فرق عسكرية تركية خلال عام 2025 مواقع سورية عدة، بينها قاعدة T4 وتدمر وحماة، باعتبارها مواقع محتملة لتعزيز الوجود العسكري التركي.
وترى الصحيفة أن إسرائيل تحاول التحرك قبل أن يتحول هذا التعاون إلى بنية عسكرية تركية دائمة داخل سوريا.
غارات على قاعدة أبو الظهور
استهدفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية المعطلة بعدد من الغارات، وقالت دمشق إن ثماني ضربات أصابت مدرج القاعدة خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء.
ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الهجوم جاء بعد زيارة وفد عسكري تركي للقاعدة خلال الأيام السابقة، في إطار جهود لإعادة تشغيلها.
لكن تركيا ودمشق نفتا وجود قوات تركية قتالية داخل الموقع.
دمشق: الفريق التركي كان فنياً
أكد مسؤولون سوريون أن الفريق التركي الذي زار أبو الظهور كان فريقاً فنياً مكلفاً بإصلاح المدرج وبرج المراقبة.
وقال أحد المسؤولين إن آخر فريق تركي مكلف بإعادة تأهيل القاعدة غادر قبل يومين من الغارة، مشدداً على أن المهمة كانت مرتبطة بإصلاح البنية التحتية، وليس بإنشاء قاعدة عسكرية تركية.
كما أضاف المسؤولون أن تركيا تساعد الجيش السوري في إعادة بناء عدد من القواعد والمنشآت، ضمن مساعي إعادة بناء مؤسسة عسكرية سورية موحدة.
إسرائيل توسع عملياتها في سوريا
منذ سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا في ديسمبر 2024، كثفت إسرائيل ضرباتها على مواقع عسكرية سورية، خصوصاً في المناطق الغربية والشمالية.
وتقول تل أبيب إن هدفها يتمثل في منع إعادة بناء قدرات عسكرية سورية يمكن أن تشكل تهديداً لها، بينما ترى دمشق أن الضربات الإسرائيلية تقوض سيادتها وتعرقل عملية إعادة بناء الدولة.
كما عززت إسرائيل وجودها العسكري في المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل، ما أثار مخاوف من تحول الوضع إلى مواجهة أوسع.
أزمة تتجاوز قاعدة أبو الظهور
تكشف أزمة أبو الظهور أن الخلاف لم يعد مقتصراً على إسرائيل وسوريا، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالدور التركي المتزايد في إعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية.
فأنقرة تسعى إلى تعزيز نفوذها وحماية مصالحها الأمنية في سوريا، بينما تنظر إسرائيل إلى أي وجود عسكري تركي طويل الأمد باعتباره تطوراً قد يحد من حرية تحركها العسكري.
أما واشنطن فتحاول منع تحول هذا التنافس إلى مواجهة مباشرة بين حليفين مهمين لها.
وبين التهديدات الإسرائيلية، والنفوذ التركي المتزايد، والمساعي الأمريكية لخفض التصعيد، تدخل الساحة السورية مرحلة أكثر تعقيداً، قد تجعل أي خطأ في الحسابات شرارة لمواجهة تركية إسرائيلية مباشرة.
قد يعجبك
إسرائيل تهدد أردوغان بعد قصف أبو الظهور.. هل تقترب المواجهة التركية الإسرائيلية في سوريا؟
تركيا والسعودية من خصمين إلى حليفين؟ شراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..
من “جار مزعج” إلى “خطر وجودي”.. زلزال التحالفات يعيد تشكيل النظرة الإسرائيلية لتركيا

