وطن-تتصاعد حالة القلق داخل أوساط المال والأعمال الدولية مع اتساع مؤشرات التوتر بين السعودية والإمارات، في وقت بدأت فيه شركات غربية كبرى إعداد خطط بديلة تحسباً لاحتمال تفاقم الخلاف بين الجارين الخليجيين وتحوله إلى مواجهة اقتصادية أوسع داخل منطقة تُعد من أهم مراكز المال والطاقة في العالم.
وقالت صحيفة “بلومبرغ” إن عدداً من المديرين التنفيذيين في شركات عالمية وبنوك استثمار باتوا يدرسون سيناريوهات طوارئ، وسط مخاوف من أن يجدوا أنفسهم مضطرين للاختيار بين الرياض وأبوظبي، في ظل ما وصفته الصحيفة بمؤشرات على «حرب استنزاف اقتصادية» بين أكبر قوتين اقتصاديتين في الخليج.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، بدأت بعض الشركات بالفعل وضع ترتيبات لوجستية منفصلة، فيما تعكف شركات أخرى على مراجعة عقودها بحثاً عن بنود تتعلق بـ«القوة القاهرة»، إلى جانب فحص طبيعة علاقاتها المحلية داخل السعودية والإمارات، خشية أن تتحول أي شراكة أو نشاط تجاري إلى سبب للعقوبة أو التضييق من إحدى العاصمتين.
ولا يقتصر الخلاف السعودي الإماراتي على الملفات الاقتصادية فقط، إذ تتباين مواقف البلدين في عدد من القضايا الإقليمية الحساسة، من بينها اليمن والسودان والعلاقات مع إسرائيل. غير أن البعد الاقتصادي أصبح أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع سعي السعودية إلى تحويل الرياض إلى مركز رئيسي للأعمال في المنطقة، في منافسة مباشرة مع دبي التي رسخت مكانتها لعقود كعاصمة مالية وتجارية للشرق الأوسط.
وأضافت “بلومبرغ” أن المنافسة بين الرياض ودبي لم تعد مجرد سباق لجذب الشركات والمواهب والاستثمارات، بل باتت تمتد إلى قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية. وفي قطاع النفط، تفاقمت الخلافات بعدما رفعت الإمارات إنتاجها النفطي بشكل كبير منذ مغادرتها في مايو تحالف الطاقة الذي تقوده السعودية، وفق ما نقلته الصحيفة.
وفي مؤشر آخر على تصاعد التوتر، قالت منصة «سيمافور» إن التأخيرات عند المعبر الحدودي بين الإمارات والسعودية باتت تستمر «عدة أيام»، مشيرة إلى أن الوضع تدهور خلال الأشهر الأخيرة، إلى حد اضطر معه بعض سائقي الشاحنات إلى النوم أسفل مقطوراتهم لمدة تصل إلى أسبوع أثناء انتظار الموافقة على العبور.
كما كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” أن مدفوعات صادرة من بنوك سعودية إلى حسابات مقرها الإمارات، تعود لشركات وأفراد في دبي، تعرضت منذ مايو للإرجاع أو التأخير، وغالباً من دون تقديم تفسير واضح. وتضيف هذه التطورات بعداً مالياً جديداً إلى التوتر بين السعودية والإمارات، بعدما كان التركيز في السابق ينصب على المنافسة التجارية والاستثمارية بين الرياض ودبي.
وتنظر الشركات الغربية منذ سنوات إلى السعودية والإمارات وقطر باعتبارها أسواقاً شديدة الجاذبية ومصدراً ضخماً للفرص والعقود. فقد توجه المصرفيون إلى الخليج بحثاً عن صفقات كبرى، وسعى مستثمرون للحصول على تمويل للشركات الناشئة، فيما حاولت شركات الرقائق والتكنولوجيا بيع منتجاتها وخدماتها لدول تعمل على تطوير صناعات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب “بلومبرغ”، حققت مكاتب المحاماة وشركات الاستشارات الغربية أرباحاً كبيرة خلال عقود من تقديم المشورة للحكومات الخليجية والشركات المرتبطة بها. لكن المشهد بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، خصوصاً في السعودية، حيث اتجهت الرياض إلى تقليص الإنفاق على المستشارين الأجانب، ودفع المزيد من المواطنين إلى سوق العمل، إلى جانب خفض التكاليف المرتبطة بالعقود الخارجية.
وعلى الرغم من استمرار جاذبية السوق الخليجية، فإن الشركات الدولية لم تعد تتعامل مع المنطقة بالنهج القديم نفسه. فقد نقلت «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة أن إحدى شركات المحاماة العالمية، التي لم تسمها، أصبحت أكثر انتقائية في قبول الأعمال، بهدف تجنب إثارة غضب الإمارات أو السعودية في ظل الحساسية المتزايدة بين الطرفين.
وفي مثال آخر على تبدل قواعد العمل في الخليج، ذكرت الصحيفة أن شركة دولية غير محددة كانت تعمل على جمع رؤوس أموال لصندوق استثماري، تلقت رسالة من أطراف سعودية تفيد بأن عليها الاستثمار فقط في كيانات تركز على المملكة، مع تجنب ضخ أموال في صناديق تنشط داخل الإمارات.
وتعكس هذه الوقائع، وفق ما أوردته الصحف الأجنبية، تحولاً عميقاً في بيئة الأعمال الخليجية، حيث لم يعد التنافس السعودي الإماراتي مسألة سياسية أو اقتصادية منفصلة، بل أصبح عاملاً مباشراً في قرارات البنوك، ومكاتب المحاماة، وشركات الاستثمار، وسلاسل الإمداد. وبين طموح الرياض لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للأعمال، وتمسك دبي بدورها التاريخي كوجهة مالية وتجارية كبرى، تبدو الشركات العالمية أمام مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب قدراً أعلى من الحذر والموازنة بين المصالح.
اقرأ المزيد
حرب الحوالات الصامتة: فايننشال تايمز تكشف كواليس تجميد وإرجاع الأموال بين السعودية والإمارات..
تصعيد غير مسبوق بين السعودية والإمارات… قطر تتدخل قبل انفجار خليجي شامل
خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة في سوق النفط العالمي

