وطن-قبل أن يبلغ عامه الثامن والثلاثين بقليل، وجد الشاعر المصري جلال البحيري نفسه يكتب رسالة مختلفة تمامًا عن قصائده السابقة. لم تكن رسالة احتجاج سياسي مباشر، ولا مطالبة بالإفراج عنه، بل كلمات حملت حنينًا إلى الوطن، بعد أكثر من ثماني سنوات قضاها داخل السجن، في قضية بدأت بأغنية وانتهت بسنوات طويلة من الاحتجاز المتواصل.
وأثارت الرسالة التي نشرها مقربون من البحيري تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استعاد فيها سنوات عمره التي يقول إنها ضاعت خلف القضبان، موجهًا حديثه إلى مصر بأسلوب وجداني بعيد عن لغة المواجهة، في وقت تتواصل فيه مطالب منظمات حقوقية بالإفراج عنه.
وكان جلال البحيري قد أُلقي القبض عليه في مارس/آذار 2018، على خلفية كلمات أغنية اعتُبرت منتقدة للسلطات المصرية. وبعد محاكمة أمام القضاء العسكري، صدر بحقه حكم بالسجن ثلاث سنوات، إلا أنه لم يغادر السجن بعد انتهاء العقوبة، إذ أُعيد حبسه على ذمة قضايا أخرى، ليستمر احتجازه حتى اليوم.
وفي رسالته، كتب البحيري أنه كان ينتظر الاحتفال بعيد ميلاده الثامن والعشرين، لكن السنوات مرت سريعًا داخل السجن، قائلاً إن أكثر من ثماني سنوات وثلاثة أشهر مضت من عمره بعيدًا عن الحياة الطبيعية، في عبارة لاقت تعاطفًا واسعًا بين متابعي قضيته.
ولم تقتصر الرسالة على الحديث عن سنوات السجن، بل كشفت أيضًا حجم العزلة التي عاشها الشاعر. فقد طلب إيصال السلام إلى شخصيات ثقافية وأدبية، من بينها الكاتب الراحل صنع الله إبراهيم والناشر محمد هاشم، دون أن يعلم بوفاتهما خلال فترة احتجازه، وهو ما اعتبره كثيرون من أكثر المقاطع تأثيرًا في الرسالة.
كما استعاد البحيري تفاصيل بسيطة من حياته قبل الاعتقال، موجهًا التحية إلى بائعي الكتب في سور الأزبكية وشارع النبي دانيال، وإلى العمال والطلاب وأصدقاء الأمس، في محاولة لاستحضار عالم انقطع عنه لسنوات طويلة.
وبالتزامن مع نشر الرسالة، أعلن مقربون منه دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجًا على استمرار احتجازه، رغم انتهاء مدة العقوبة الأصلية، مطالبين بإعادة النظر في وضعه القانوني.
وتقول منظمات حقوقية إن قضية جلال البحيري أصبحت من أبرز القضايا المرتبطة بحرية التعبير في مصر، مشيرة إلى أن استمرار احتجازه بعد انتهاء الحكم أثار انتقادات محلية ودولية، فيما تؤكد السلطات المصرية أن الإجراءات المتخذة بحقه تستند إلى القانون والقضاء.
وأعادت الرسالة تسليط الضوء على ملف السجناء السياسيين في مصر، وسط تجدد الدعوات لإطلاق سراح المحتجزين على خلفية قضايا الرأي، خصوصًا مع ما حملته كلمات البحيري من نبرة إنسانية غلب عليها الشوق إلى الحياة الطبيعية أكثر من أي خطاب سياسي.
وبينما لا تزال قضيته تثير الجدل، تحولت رسالته الأخيرة إلى وثيقة إنسانية اختزلت سنوات من الغياب، ورسخت صورة شاعر يقول إن أكثر ما يفتقده ليس الحرية وحدها، بل تفاصيل الحياة اليومية التي توقفت بالنسبة إليه منذ عام 2018.
قد يعجبك
مشروع صندوق “مستقبل مصر”.. صلاحيات استثنائية تثير جدلاً حول إدارة أصول الدولة في مصر

