وطن-أعادت قضية داخل شركة قطارات بريطانية النقاش حول حدود حرية التعبير السياسي في أماكن العمل، بعدما طلبت شركة لندن نورث إيسترن للسكك الحديدية من موظفيها عدم ارتداء شارات مؤيدة لفلسطين أثناء أداء مهامهم، عقب شكوى تقدم بها ركاب ومنظمة قانونية مؤيدة لإسرائيل.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد الجدل داخل بريطانيا حول استخدام الرموز السياسية في المؤسسات الخدمية، خصوصاً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، حيث أصبحت مظاهر التضامن مع الفلسطينيين أو إسرائيل محل نقاش قانوني ومجتمعي واسع.
شكوى بعد شارة “التضامن مع فلسطين”
وبحسب موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، بدأت القضية بعد شكوى تقدم بها أحد الركاب عقب مشاهدته موظفاً يقدم خدمات الطعام على متن قطار تابع لشركة لندن نورث إيسترن للسكك الحديدية وهو يرتدي شارة تحمل شعار نقابة عمال السكك الحديدية والنقل البحري وعبارة “التضامن مع فلسطين”.
ووقعت الحادثة في 14 يونيو على متن قطار كان متجهاً من العاصمة لندن إلى مدينة إدنبرة في اسكتلندا.
وقال الراكب، وهو يهودي، إنه شعر بعدم الارتياح وعدم الترحيب بسبب رؤية الشارة السياسية أثناء تلقيه الخدمة.
منظمة قانونية مؤيدة لإسرائيل تتدخل
قدمت منظمة محامون بريطانيون من أجل إسرائيل شكوى رسمية إلى الشركة، معتبرة أن ارتداء موظفين يتعاملون مباشرة مع الجمهور رموزاً سياسية قد يخلق بيئة غير مريحة لبعض الركاب.
واستندت المنظمة إلى قانون المساواة البريطاني لعام 2010، الذي يمنع التمييز والمضايقة المرتبطة بخصائص محمية قانونياً، معتبرة أن شركات الخدمات العامة مطالبة بالحفاظ على بيئة يشعر فيها جميع العملاء بالترحيب.
ورأت المنظمة أن بعض الرموز السياسية قد تُفهم على أنها موقف عدائي من قبل أفراد ينتمون إلى مجموعات دينية أو قومية معينة.
الشركة تؤكد تطبيق سياسة الزي الرسمي
من جهتها، أكدت شركة لندن نورث إيسترن للسكك الحديدية أنها لم تفرض حظراً خاصاً على شارات التضامن مع فلسطين، لكنها شددت على تطبيق قواعد الزي الرسمي المعتمدة لديها منذ سنوات.
وقالت الشركة إن الموظفين الذين يرتدون الزي الرسمي يسمح لهم فقط بوضع دبوس واحد على طية السترة أو الجاكيت، على أن يكون هذا الدبوس معتمداً من الشركة أو مرتبطاً بحملة رسمية تطلقها المؤسسة أو يحمل الشعار النقابي المعتمد.
وأضافت الشركة أن الموظفين لا يحق لهم ارتداء رموز أو شارات غير مصرح بها أثناء تمثيل المؤسسة أمام الجمهور.
إجراءات داخلية بحق الموظف
أكدت الشركة أنها تحدثت مع الموظف المعني بالواقعة، وذكّرته بقواعد الزي الرسمي، كما أرسلت توجيهات داخلية إلى العاملين في مختلف أقسامها للتأكيد على ضرورة الالتزام بالقواعد المعتمدة.
وقال المدير الإداري للشركة إن المؤسسة تأخذ مخاوف الركاب بجدية، وإن الموظفين ملزمون بالالتزام بالمعايير المهنية أثناء العمل. كما أبلغت الشركة ممثلي العاملين على متن القطارات بالإجراءات التي اتخذتها، وفق ما نقلته التقارير.
ترحيب منظمات مؤيدة لإسرائيل بالقرار
رحبت منظمة محامون بريطانيون من أجل إسرائيل بموقف الشركة، معتبرة أن موظفي النقل العام يجب أن يقدموا الخدمات لجميع المواطنين دون إظهار رسائل سياسية أثناء التعامل المباشر مع الركاب.
وقالت مديرة المنظمة إن المسافرين من مختلف الخلفيات يجب أن يشعروا بأن خدمات النقل محايدة وغير مرتبطة بمواقف سياسية.
نقابة السكك الحديدية تدعم فلسطين
في المقابل، أشار التقرير إلى أن نقابة عمال السكك الحديدية والنقل البحري تعد من أبرز النقابات البريطانية التي دعمت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين منذ اندلاع الحرب في غزة.
وسبق للنقابة أن أصدرت بيانات تنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، ودعت أعضاءها إلى المشاركة في فعاليات التضامن مع فلسطين. لكن النقابة لم تعلق على حادثة الموظف في شركة القطارات.
جدل أوسع حول الرموز السياسية في أماكن العمل
لا تعد قضية شركة القطارات حالة منفصلة، إذ شهدت بريطانيا خلال الفترة الأخيرة نقاشات حادة حول حدود التعبير السياسي داخل أماكن العمل. فقد ظهرت خلافات في قطاعات مختلفة، خصوصاً القطاع الصحي والتعليم والخدمات العامة، حول السماح للموظفين بارتداء رموز سياسية أو استخدام إشارات مرتبطة بالقضايا الدولية.
ويرى مؤيدو القيود أن الموظفين الذين يتعاملون مع الجمهور يجب أن يحافظوا على الحياد المهني، بينما يعتبر المدافعون عن حرية التعبير أن منع هذه الرموز قد يمثل تقييداً للحق في التعبير عن المواقف الإنسانية والسياسية.
الرموز الفلسطينية تحت المجهر في المؤسسات البريطانية
ومنذ بداية الحرب على غزة، واجه عدد من العاملين في بريطانيا انتقادات أو إجراءات داخلية بسبب استخدام رموز مرتبطة بالتضامن مع الفلسطينيين.
ومن بين الحالات التي أثارت الجدل، مطالبة أحد العاملين الصحيين بإزالة خلفية خلال اجتماعات افتراضية تضمنت صورة بطيخة، وهي رمز يستخدمه كثيرون للتعبير عن التضامن مع فلسطين بسبب ألوانها المشابهة لألوان العلم الفلسطيني.
صراع بين الحياد وحرية التعبير
تكشف قضية شركة القطارات البريطانية عن معركة أوسع داخل المجتمع البريطاني حول التوازن بين حرية التعبير والحياد المهني. فبينما يرى البعض أن الشارات السياسية جزء من الحق في التعبير عن المواقف الإنسانية، يرى آخرون أن المؤسسات التي تقدم خدمات عامة يجب أن تمنع أي رموز قد يشعر معها بعض العملاء بعدم الحياد أو الاستقلالية.
ومع استمرار الحرب في غزة وتأثيراتها السياسية داخل أوروبا، يبدو أن الجدل حول الرموز الفلسطينية والإسرائيلية في أماكن العمل البريطانية سيبقى من أكثر الملفات حساسية في النقاش العام خلال الفترة المقبلة.
قد يعجبك
بلجيكا تقترب من الاعتراف بدولة فلسطين بعد إعلان حماس التخلي عن إدارة غزة
ريما حسن أمام القضاء الفرنسي بتهمة “تمجيد الإرهاب”.. ومعركة سياسية حول التضامن مع فلسطين

