وطن-في قرار قضائي بالغ الحساسية قد يعيد ترتيب المشهد السياسي في فرنسا، خففت محكمة الاستئناف في باريس العقوبة الصادرة بحق زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في قضية المساعدين البرلمانيين في البرلمان الأوروبي، بما يفتح أمامها الباب، من الناحية القانونية، للترشح في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027.
وقالت صحيفة “لا راثون” الإسبانية إن الحكم الصادر، الثلاثاء، يمثل محطة حاسمة في المسار السياسي لزعيمة حزب التجمع الوطني، بعدما كانت إدانتها في الدرجة الأولى قد هددت بإقصائها مباشرة من السباق الرئاسي المقبل، على خلفية اتهامها باختلاس أموال عامة من البرلمان الأوروبي عندما كان الحزب يحمل اسم الجبهة الوطنية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد قضت محكمة الاستئناف في باريس بعقوبة عدم الأهلية السياسية بحق مارين لوبان لمدة 45 شهراً، غير أن 30 شهراً منها معلقة التنفيذ ولا تطبق إلا في حال تكرار المخالفة، ما يجعل العقوبة النافذة فعلياً 15 شهراً فقط. وبهذا القرار، تستطيع لوبان عملياً الترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، ما لم تطرأ تطورات قضائية جديدة.
كما حكمت المحكمة على لوبان بالسجن ثلاث سنوات، بينها سنتان مع وقف التنفيذ، على أن تقضي سنة واحدة نافذة تحت المراقبة بواسطة سوار إلكتروني، وفق شروط يحددها قاضي تنفيذ العقوبات. وأبقت المحكمة كذلك على غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو.
بداية القضية في البرلمان الأوروبي
تعود جذور القضية إلى مارس 2015، حين أبلغ البرلمان الأوروبي المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال المعروف اختصاراً باسم OLAF بوجود شبهات تتعلق بتوظيف مساعدين برلمانيين تابعين لحزب الجبهة الوطنية، الذي أصبح لاحقاً حزب التجمع الوطني.
وأضافت صحيفة “لا راثون” أن الشبهات طالت نحو 20 مساعداً كانوا يتقاضون أجورهم من أموال أوروبية، بينما يُشتبه في أنهم كانوا يعملون كلياً أو جزئياً لصالح الحزب في فرنسا، بدلاً من أداء مهام مرتبطة بعمل نواب البرلمان الأوروبي. وبالتوازي مع ذلك، فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً أولياً في الملف.
وفي عام 2016، سلم مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي تقريره، لتبدأ مؤسسات الاتحاد الأوروبي إجراءات استرداد أموال اعتبرت أنها صُرفت بغير وجه حق. وطُلب من مارين لوبان سداد نحو 340 ألف يورو تتعلق بمساعدين برلمانيين هما كاترين غريزيه وتييري ليجييه، وهي مبالغ أعادتها لوبان في عام 2023.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، بلغ إجمالي المبالغ التي طالبت بها المؤسسات الأوروبية نحو 1.1 مليون يورو من عدد من نواب الجبهة الوطنية في البرلمان الأوروبي، من بينهم مؤسس الحزب جان ماري لوبان، والقيادي البارز برونو غولنيش.
ومع توسع التحقيق القضائي، شملت الاتهامات المحتملة جرائم إساءة استخدام الثقة، والتزوير في المستندات، واختلاس أموال عامة، وهي اتهامات تحولت لاحقاً إلى محور الملف القضائي الأهم الذي لاحق الحزب وقياداته لسنوات.
اتهامات تطال لوبان وقيادات التجمع الوطني
في عام 2017، بدأت أولى لوائح الاتهام تطال مساعدين برلمانيين مرتبطين بالجبهة الوطنية. وفي العام نفسه، قال النائب الأوروبي السابق إيميريك شوبراد إن مارين لوبان طلبت من ممثلي الحزب الجدد في البرلمان الأوروبي تفويضها في تعيين المساعدين، وهو ما نفته لوبان.
وكشفت صحيفة “لا راثون” أنه بين نهاية 2017 وعام 2018، وُجهت اتهامات إلى مارين لوبان والحزب وعدد من قياداته، بينهم لويس أليو، الذي كان شريكها العاطفي لنحو عقد من الزمن. وبدأت الاتهامات في إطار إساءة استخدام الثقة أو التواطؤ، قبل أن يعاد تكييفها لاحقاً باعتبارها اختلاساً لأموال عامة.
وفي يونيو 2018، أمر القضاة بحجز مليوني يورو من الإعانات العامة المخصصة للحزب، الذي كان قد غيّر اسمه من الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني. وندد الحزب حينها بالقرار، معتبراً أنه يحمل طابعاً سياسياً، وقدم طعناً ضده.
ورأت السلطات القضائية الفرنسية في ذلك الوقت أن هناك مؤشرات على وجود نظام منظم لاستخدام أموال أوروبية في خدمة الحزب. ولاحقاً، جرى تخفيض قيمة الحجز من مليوني يورو إلى مليون يورو.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، شهد عام 2019 انضمام متهمين جدد إلى الملف، من بينهم يان لوبان، شقيقة مارين لوبان، وجان ماري لوبان، مؤسس الجبهة الوطنية وأحد أبرز رموز اليمين المتطرف الفرنسي.
من نهاية التحقيق إلى المحاكمة
انتهى التحقيق القضائي في القضية عام 2022. وفي ديسمبر 2023، أمر قضاة التحقيق المالي بإحالة مارين لوبان وحزب التجمع الوطني و25 شخصاً آخرين إلى المحاكمة.
وانعقدت جلسات المحاكمة بين سبتمبر ونوفمبر 2024 أمام المحكمة الجنحية في باريس. أما جان ماري لوبان فلم يُحاكم لأسباب صحية، قبل أن يتوفى في يناير 2025.
وقالت صحيفة “لا راثون” إن المحكمة الجنحية في باريس خلصت في 31 مارس 2025 إلى وجود “نظام” كان يهدف إلى دفع أجور موظفين يعملون فعلياً لصالح الحزب من أموال البرلمان الأوروبي. وقدّرت المحكمة حجم الضرر المالي بنحو 3.2 مليون يورو، مع احتساب المبالغ التي اعتُبرت مدفوعة بغير وجه حق وتلك التي أُعيدت لاحقاً.
وفي ذلك الحكم، أدينت مارين لوبان بالسجن أربع سنوات، بينها سنتان نافذتان مع إمكانية تنفيذهما بواسطة سوار إلكتروني، إضافة إلى غرامة قدرها 100 ألف يورو، وعقوبة عدم الأهلية لتولي مناصب عامة لمدة خمس سنوات مع التنفيذ الفوري.
وأحدث الحكم حينها صدمة سياسية واسعة في فرنسا، لأنه كان يعني استبعاد لوبان مؤقتاً من الترشح مجدداً إلى الانتخابات الرئاسية. وقد طعنت لوبان في القرار، إلى جانب حزب التجمع الوطني و11 مداناً آخرين، بينهم لويس أليو ونيكولا باي وبرونو غولنيش.
قرار الاستئناف يعيد فتح الباب أمام 2027
جاء حكم محكمة الاستئناف في باريس في 7 يوليو 2026 ليغير المعادلة السياسية والقانونية. فبدلاً من عقوبة عزل فوري طويلة قد تنهي طموحاتها الرئاسية، أصبحت العقوبة النافذة 15 شهراً فقط، ما يسمح لها من الناحية الفنية بخوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027.
وبحسب صحيفة “لا راثون” الإسبانية، فإن القرار لا يبرئ مارين لوبان من الإدانة، لكنه يخفف أثرها السياسي المباشر، خصوصاً في ما يتعلق بحقها في الترشح. وبذلك تبقى زعيمة التجمع الوطني لاعباً أساسياً في السباق الرئاسي المقبل، رغم استمرار الجدل حول قضية المساعدين البرلمانيين واستخدام أموال البرلمان الأوروبي.
ويأتي الحكم في لحظة حساسة للحياة السياسية الفرنسية، حيث يواصل حزب التجمع الوطني تعزيز حضوره في الشارع والبرلمان، بينما تظل شخصية مارين لوبان محوراً رئيسياً في معادلة اليمين المتطرف الفرنسي ومستقبل انتخابات 2027.
قد يعجبك
المقامرة الكبرى لـ “فاراج”: استقالة مفاجئة من البرلمان لغسل تهم التمويل بصناديق الاقتراع..
ريما حسن أمام القضاء الفرنسي بتهمة “تمجيد الإرهاب”.. ومعركة سياسية حول التضامن مع فلسطين
صراع السيادة والكبرياء.. كيف حوّلت ميلوني هجوم ترامب الشخصي إلى نصر سياسي داخل القارة العجوز؟

