وطن-في تصعيد سياسي جديد على مواقع التواصل الاجتماعي، أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بعدما نشر صورة تجمعه برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مرفقة بعبارة ساخرة قال فيها: «نحتاج إلى أمر ابتعاد»، في إشارة إلى الإجراء القضائي الذي يُستخدم عادة في قضايا المضايقات والملاحقة.
وجاء منشور ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” قبل ساعات فقط من انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة، وهي قمة يُنتظر أن تشهد نقاشات حساسة بين واشنطن وحلفائها بشأن الإنفاق الدفاعي والتزامات دول الحلف.
وبحسب ما أوردته وكالة “إفي” الإسبانية، فإن الحكومة الإيطالية قررت عدم الرد على منشور ترامب، معتبرة أنه «هجوم شخصي بلا سياق» ولا يستدعي فتح مواجهة علنية جديدة مع الإدارة الأميركية في هذا التوقيت الدقيق.
الصورة التي نشرها الرئيس الأميركي تُظهر ترامب وميلوني وهما ينظران إلى بعضهما خلال قمة مجموعة السبع التي عُقدت في يونيو الماضي بمدينة إيفيان ليه بان الفرنسية. ومنذ تلك القمة، بدأت العلاقة بين الزعيمين تتدهور تدريجياً، بعدما قال ترامب إن رئيسة الوزراء الإيطالية طلبت منه مراراً التقاط صورة معه، وإنه وافق على ذلك «شفقةً بها».
هذه التصريحات أثارت غضب ميلوني، التي سارعت في وقت سابق إلى نفي رواية ترامب، ووصفتها بأنها «مختلقة»، مؤكدة أنها شعرت بالذهول مما قيل. وأضافت رئيسة الحكومة الإيطالية حينها أن إيطاليا «لن تتوسل أبداً»، في رد مباشر على ما اعتبرته محاولة للتقليل من مكانتها السياسية.
وقالت صحيفة “إل كوريري ديلا سيرا” الإيطالية إن ميلوني اجتمعت، عقب منشور ترامب الأخير، مع وزير الخارجية أنطونيو تاياني للاتفاق على كيفية التعامل مع التصعيد. ووفق الصحيفة، استقرت الحكومة الإيطالية على تجاهل ما وصفته بأنه «هجوم شخصي غير مبرر ويفتقر إلى السياق»، تفادياً لتحويل الخلاف إلى أزمة دبلوماسية قبل قمة الناتو.
ويأتي هذا التوتر في وقت حساس داخل الحلف الأطلسي، حيث تضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين لزيادة الإنفاق العسكري، بينما تحاول عواصم أوروبية عدة، بينها روما، الحفاظ على توازن دقيق بين الالتزام الدفاعي وعدم الانجرار إلى مواجهات سياسية مباشرة مع البيت الأبيض.
ولم يكن منشور «أمر الابتعاد» أول هجوم يوجهه ترامب إلى ميلوني خلال الأسابيع الأخيرة. فقد سبق للرئيس الأميركي أن قال إن شعبية رئيسة الوزراء الإيطالية «انهارت» داخل بلادها، زاعماً أن السبب قد يكون «إدارتها ظهرها للولايات المتحدة»، على حد تعبيره، بعدما رفضت اتخاذ موقف أكثر تشدداً لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي أو تطويره. وأضاف ترامب، في تعليق لافت، أن «الناتو فعل الشيء نفسه أيضاً».
وردت ميلوني حينها بلهجة حادة، قائلة إن شعبيتها «ليست من شأن» ترامب، ونصحته بأن يركز على شعبيته هو. وكتبت رئيسة الوزراء الإيطالية، عبر منشور باللغة الإنجليزية على حسابها في «إنستغرام»، أن «هذه الهجمات المستمرة وغير المبررة سخيفة»، مؤكدة أن شعبيتها لا تعتمد على علاقتها بترامب، بل على قدرتها على الدفاع عن المصلحة الوطنية لإيطاليا.
وأضافت ميلوني في ردها أن صداقتها السابقة مع ترامب لم تساعدها سياسياً داخل إيطاليا، مشددة على أن معيار تقييمها هو ما تقدمه لبلادها، لا طبيعة علاقتها بالرئيس الأميركي. وجاء ذلك في محاولة واضحة لرسم حدود سياسية بين المصلحة الإيطالية والعلاقة الشخصية مع واشنطن.
وبحسب وكالة “إفي”، حاولت روما خلال الأيام الماضية الحفاظ على المسار الطبيعي للعلاقات مع الإدارة الأميركية، رغم التوتر العلني بين ترامب وميلوني. وظهر ذلك من خلال مشاركة عدد من الوزراء الإيطاليين في حفل الاستقبال الذي أقيم بمناسبة عيد الاستقلال الأميركي في سفارة الولايات المتحدة بالعاصمة روما.
وتكشف الأزمة الأخيرة عن تدهور مفاجئ في علاقة كانت تُقدم سابقاً باعتبارها واحدة من أقرب العلاقات بين قادة اليمين في أوروبا والولايات المتحدة. فبعد أن بدت صور لقاء ترامب وميلوني في قمة مجموعة السبع وكأنها إعلان عن عودة الدفء بين الطرفين، تحولت الصورة نفسها إلى مادة للسخرية والاتهامات المتبادلة.
ومع بدء قمة الناتو في أنقرة، ستكون الأنظار متجهة إلى أي لقاء محتمل بين ترامب وميلوني، خاصة أن الخلاف الشخصي بينهما بات يتداخل مع ملفات أكبر، من بينها الإنفاق الدفاعي داخل الحلف، والعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، والملف الإيراني، ومستقبل التنسيق بين واشنطن وروما.
قد يعجبك
“دبلوماسية اللا”: كيف فكك حلفاء واشنطن شيفرة التعامل مع ترامب دون خسائر؟

