وطن-دخلت إسرائيل، الأحد، منعطفاً سياسياً وقضائياً حاداً بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية رفضها قراراً صادراً عن المحكمة العليا يتعلق بعمل الهيئة المنظمة للبث الإذاعي والتلفزيوني التجاري، في خطوة أثارت اتهامات مباشرة من المعارضة والنيابة العامة بأنها تمثل هجوماً واسعاً على مبدأ سيادة القانون.
وقالت وكالة «أوروبا برس» إن الحكومة الإسرائيلية أقرت بالإجماع مقترحاً يقضي بعدم الاعتراف بأي قرار أو إجراء أو تعيين أو خطوة صادرة عن مجلس «السلطة الثانية» المعني بتنظيم البث التجاري، ما لم يستوفِ المجلس الحد الأدنى المنصوص عليه في القانون لعمله.
ويأتي هذا التصعيد بعد حكم سابق للمحكمة العليا الإسرائيلية، صدر في مايو الماضي، قضى بتعليق عمل مجلس «السلطة الثانية»، وهي الجهة المنظمة للبث التجاري في إسرائيل، وذلك عقب شكاوى قدمتها منظمات بينها اتحاد الصحفيين في إسرائيل بشأن تعيينات مثيرة للجدل أجرتها الحكومة داخل المجلس.
وبحسب ما أوردته وكالة «أوروبا برس»، اتهمت تلك المنظمات وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرعي بمحاولة فرض أعضاء مقربين من الحكومة داخل الهيئة، ومن بينهم تعيين بن-هاي سيغيف رئيسة للمجلس، رغم وجودها في قلب عدة شبهات تضارب مصالح مرتبطة بمناصبها السابقة في قطاع الإعلام، إضافة إلى صلات بملف محاكمة الفساد الخاصة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وفي الشهر الماضي، قررت المحكمة العليا أن بإمكان اللجنة مواصلة عملها رغم غياب الأعضاء الذين كانت الحكومة تسعى إلى تثبيتهم، وفق ما يقول منتقدو الحكومة. غير أن السلطة التنفيذية ترى أن هذا الحكم يتجاهل شرطاً أساسياً، وهو ضرورة توافر نصاب قانوني يعادل ثلثي أعضاء الهيئة حتى تتمكن من العمل، وهو النصاب الذي تقول الحكومة إنه غير متحقق حالياً.
وأضافت وكالة «أوروبا برس» أن وزير الاتصالات شلومو كرعي ووزير العدل ياريف ليفين دافعا عن قرار الحكومة عبر منصات التواصل الاجتماعي، واعتبرا أن ما جرى يمثل «خطوة تاريخية لإعادة الدولة اليهودية والديمقراطية إلى الشعب»، بحسب تعبيرهما، مؤكدين أن قرار المحكمة العليا بشأن «السلطة الثانية» غير قانوني، وأن الإجراءات التي اتخذت استناداً إليه غير قانونية أيضاً.
وتتهم الحكومة الإسرائيلية المحكمة العليا بتجاوز صلاحياتها ومصادرة دور البرلمان، في امتداد للصراع المستمر منذ سنوات بين حكومة نتنياهو والمؤسسة القضائية. وقال كرعي في تعليقه على الأزمة إن «سيادة القانون ليست سيادة قانون القضاة»، في عبارة عكست حدة المواجهة بين الحكومة والمحكمة العليا.
ومع اتساع الجدل، حاول سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس التخفيف من وقع القرار، مؤكداً أن الحكومة لم تعصِ المحكمة العليا، بل وجهت انتقاداً إلى حكمها. ونقلت وكالة «أوروبا برس» عنه قوله إن بيان الحكومة لا يتضمن أي دعوة صريحة إلى عدم تنفيذ حكم المحكمة، بل ينتقد بشدة قراراً تعتبره الحكومة مخالفاً لنص القانون.
وأوضح فوكس أن مجلس الوزراء الإسرائيلي سيستخدم كل الوسائل القانونية المتاحة له من أجل إسقاط القرار مستقبلاً، مشيراً إلى أن الموقف الحكومي يندرج، بحسب رأيه، ضمن إطار الاعتراض القانوني والسياسي لا العصيان المباشر للمحكمة.
لكن ردود الفعل من جانب المعارضة الإسرائيلية والنيابة العامة جاءت حادة وفورية. فقد اعتبر زعيم المعارضة يائير لابيد أن الحكومة «تحولت اليوم إلى جهة خارجة على القانون»، محذراً من أن توقيت القرار ليس مصادفة، خصوصاً أنه يأتي قبل أشهر قليلة من الانتخابات.
وقال لابيد، زعيم حزب «يش عتيد»، إن ما حدث يمثل «تدميراً للأسس الديمقراطية» في إسرائيل، محذراً من أن الحكومة قد تلجأ، إذا خشيت خسارة مقاعدها، إلى إلغاء الانتخابات أو تعطيل المسار القضائي الذي يتيح الطعن في قراراتها.
وبحسب وكالة «أوروبا برس»، شدد لابيد على أن المعارضة لن تستسلم لما وصفه بمحاولة «محو الديمقراطية الإسرائيلية»، مؤكداً أن هناك «طرقاً كثيرة» لمواجهة موقف الحكومة، وأن المؤسسات القضائية والجيش ستكون لها كلمة في حماية النظام. وأضاف أن المعارضة، إذا وصلت إلى الحكم، ستعيد سيادة القانون «من اليوم الأول».
من جانبه، أدان غيل ليمون، المستشار القانوني للمدعية العامة الإسرائيلية غالي بهاراف-ميارا، قرار الحكومة، معتبراً أنه يكرس «تطبيع الانتهاكات المنهجية للقانون». وقال إن جوهر القرار الحكومي يعني عملياً تجاهل حكم المحكمة، بما يفتح الباب أمام السلطة التنفيذية لتبسيط الأمور لمصلحتها كلما صدر قرار قضائي لا يروق لها.
وتعد المدعية العامة غالي بهاراف-ميارا من أبرز الشخصيات القانونية التي دخلت في مواجهات متكررة مع حكومة نتنياهو خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ملفات تتعلق بصلاحيات الحكومة، والتعيينات، ومحاولات تعديل بنية القضاء الإسرائيلي.
كما وصف يائير غولان، زعيم «الحزب الديمقراطي» المعارض، ما جرى بأنه هجوم مباشر على دولة القانون في إسرائيل. وقال إن البلاد تواجه «حكومة إجرامية فقدت السيطرة»، فيما أعربت رئيسة الحزب إفرات رايتان عن صدمتها من مستوى الإهمال القانوني الذي بلغته الحكومة، معتبرة أن مخالفتها للقانون تجاوزت «كل التوقعات».
وأضافت رايتان أن ولاية الحكومة التي بدأت، على حد وصفها، بمحاولة «انقلاب قضائي» عبر الإصلاحات التي دفع بها نتنياهو في يناير 2023 للحد من صلاحيات القضاة، واصلت مسارها وسط آلاف القتلى والاغتيالات، وقد تنتهي بحالة فوضى تهدد بتدمير البلاد.
وتعيد الأزمة الحالية إلى الواجهة الصراع العميق داخل إسرائيل حول حدود سلطة المحكمة العليا ودور الحكومة في إعادة تشكيل المؤسسات الرقابية والتنظيمية، وهي معركة بدأت منذ طرح حكومة نتنياهو خطتها المثيرة للجدل لإصلاح القضاء، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر القضايا انقساماً في المشهد السياسي الإسرائيلي.
وبينما تصر الحكومة على أن موقفها يستند إلى تفسير قانوني لصلاحيات «السلطة الثانية» ونصابها، ترى المعارضة والجهات القانونية أن الخطوة تمثل سابقة خطيرة قد تضع إسرائيل أمام أزمة دستورية مفتوحة، عنوانها الأبرز: من يملك الكلمة الأخيرة في الدولة، الحكومة أم المحكمة العليا؟
اقرأ المزيد
ترامب يعيد التحالف مع نتنياهو مع تعثر مفاوضات إيران.. هل تقترب واشنطن من الخيار العسكري؟
نتنياهو وكاتس يعلنان بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا وغزة «من دون سقف زمني»

