وطن-مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع عشر، عاد الحوثيون في اليمن إلى واجهة المشهد الإقليمي بعد إعلان تصعيد جديد ضد إسرائيل والسفن المرتبطة بها في البحر الأحمر، في خطوة أثارت مخاوف واسعة داخل مدينة الحديدة الساحلية من موجة غارات انتقامية جديدة.
وقالت صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية إن الأنظار اتجهت منذ بداية الحرب، في 28 فبراير، إلى جماعة الحوثي المدعومة من إيران، باعتبارها أحد أبرز أذرع ما تبقى من “محور المقاومة” الذي يضم أيضاً حزب الله في لبنان وفصائل شيعية عراقية. وكان متوقعاً أن يسارع الحوثيون إلى الانخراط في المواجهة دعماً لطهران، سواء عبر إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل أو استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر.
لكن الجماعة، بحسب الصحيفة، لم تتحرك في البداية بالطريقة التي توقعها كثيرون. فبعد أربعة أسابيع من اندلاع الحرب، نفّذ الحوثيون ما وُصف بأنه “تحرك محسوب للغاية”، إذ أعلنوا دخولهم الصراع عبر إطلاق وابل من الصواريخ، مع التعهد بمواصلة الهجمات “حتى يتوقف العدوان على جميع جبهات المقاومة”، في إشارة بدت مرتبطة بالعمليات الإسرائيلية ضد حزب الله.
ومنذ ذلك الإعلان، ظل نشاط الحوثيين محدوداً نسبياً، إلى أن ظهر المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، يوم الاثنين، في بيان مصور نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معلناً استهداف إسرائيل بعدد من الصواريخ الباليستية، وفرض حظر كامل على مرور السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
وقال سريع في بيانه إن الجماعة سترد على التصعيد بتصعيد مماثل، مضيفاً: “سنقابل التصعيد بالتصعيد”، في رسالة بدت موجهة إلى إسرائيل والولايات المتحدة معاً، وسط حالة من التوتر العسكري المتصاعد في المنطقة.
وأضافت صحيفة “فورين بوليسي” أن هذا الإعلان أثار قلقاً فورياً بين سكان الحديدة غربي اليمن، حيث يخشى كثيرون من تكرار الغارات الجوية التي استهدفت المدينة خلال السنوات الماضية. فالحديدة، المدينة المطلة على البحر الأحمر، كانت بين 2023 و2025 مسرحاً لضربات إسرائيلية وأميركية، تزامنت مع الهجمات التي شنها الحوثيون ضد إسرائيل وحركة الشحن في البحر الأحمر خلال الحرب الإسرائيلية على غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023.
وكان الحوثيون قد برروا تلك الهجمات بأنها تأتي تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، إلا أن تداعياتها على اليمن كانت قاسية، خصوصاً في الحديدة التي تضم ميناءً حيوياً يُعد شريان حياة لملايين اليمنيين.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الأميركية، فإن ميناء الحديدة، الذي يعتمد عليه نحو 80% من اليمنيين المتلقين للمساعدات الخارجية، تعرض مراراً لأضرار جسيمة، إلى جانب منشآت وبنى تحتية أخرى. كما لا تزال آثار الضربات الإسرائيلية السابقة حاضرة في ذاكرة السكان والعاملين في المرافق العامة.
ونقلت الصحيفة شهادة عن أحد العاملين في مؤسسة الكهرباء العامة، قال إنه لا يستطيع نسيان مشهد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت العام الماضي المحطة التي يعمل فيها. كما أسفرت غارة إسرائيلية أخرى شرق المدينة عن تدمير مصنع إسمنت حكومي كبير، ما أدى إلى خروج مئات العمال المحليين من وظائفهم بعد أن تحول المصنع إلى أنقاض.
وجاء التصعيد الحوثي الأخير في لحظة حساسة، إذ كانت إسرائيل وإيران تتبادلان الضربات، بالتزامن مع تزايد التوتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ففي صباح الاثنين، قالت إيران إن الصواريخ التي أطلقتها كانت بمثابة تحذير لإسرائيل لوقف هجماتها على لبنان، والتي استمرت رغم إعلان وقف إطلاق نار ظاهري.
ورداً على ذلك، شنت إسرائيل ضربات ضد إيران. ورغم إعلان الطرفين لاحقاً وقف الهجمات، فإن ضربة انتقامية إسرائيلية لاحقة زادت من حدة التوتر، خصوصاً في ظل مساعٍ أميركية للتوصل إلى اتفاق مع طهران.
وكشفت صحيفة “فورين بوليسي” أن ترامب طلب مراراً من نتنياهو وقف الغارات الجوية، لأن الهجمات الإسرائيلية تعرقل الجهود الأميركية الرامية إلى الوصول إلى تفاهم مع الإيرانيين. وفي هذا السياق، تبدو عودة الحوثيين إلى التصعيد محاطة بتفسيرات متعددة، خاصة أن الجماعة المتحالفة مع إيران كانت قد تجنبت الانخراط الكامل في الحرب منذ أواخر فبراير.
وترى الصحيفة أن قرار الحوثيين إعادة الدخول إلى ساحة الصراع قد يكون محاولة لاستغلال الخلاف المتزايد بين ترامب ونتنياهو. وفي المقابل، قد تكون طهران قد استخدمت آخر أوراقها الإقليمية عبر دفع الحوثيين إلى الضغط على إسرائيل من جبهة البحر الأحمر، في محاولة لرفع كلفة المواجهة سياسياً وعسكرياً.
إلى ذلك، قال محمد البخيتي، القيادي السياسي البارز في جماعة الحوثي: “ننطلق من مبدأ وحدة الساحات، ووقف إطلاق النار يجب أن يشمل جميع الجبهات”.
وبينما تتداخل حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في هذا التصعيد، يبقى سكان الحديدة في موقع الأكثر هشاشة. فمع كل إعلان حوثي جديد عن استهداف إسرائيل أو السفن في البحر الأحمر، تعود المخاوف من ضربات انتقامية قد تطال الميناء والمنشآت الحيوية، في مدينة أنهكتها الحرب وتدفع منذ سنوات كلفة الصراع الإقليمي المفتوح.
اقرأ المزيد
تقرير: إيران تعلق مفاوضاتها مع واشنطن وتلوّح بإغلاق مضيق باب المندب
اختطاف الناقلة “يوريكا”: عودة “الثقوب السوداء” في خليج عدن وصراع النفوذ بين اليمن وبوصاصو
“بين جمر الفقر وبنادق البطالة”.. كيف يزاحم المهاجرون الأفارقة عمال اليمن على لقمة العيش؟

