وطن -في أجواء تنافسية مشحونة تعيشها كرة القدم السعودية هذا الموسم، وجد نادي النصر نفسه في قلب جدل غير مسبوق بعد غياب نجمه البرتغالي كريستيانو رونالدو عن المشاركة في مباراة الفريق أمام الرياض، رغم عدم تعرضه لأي إصابة أو إيقاف رسمي.
أثار الغياب المفاجئ تساؤلات عديدة حول مستقبل اللاعب وعلاقته بإدارة النادي، خصوصًا بعدما تبيّن أن الخلاف يرتبط مباشرة بسياسة الانتقالات داخل النادي وخارجه.
تعود جذور التوتر إلى ما قبل انطلاق فترة الانتقالات الشتوية، حين شعر رونالدو بأن ناديه لا يحظى بالدعم الكافي من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) مقارنة ببقية الأندية المملوكة له، وهي الهلال والاتحاد والأهلي. مصادر مطلعة أشارت إلى أن النجم البرتغالي أبدى استياءه مما اعتبره “تمييزًا في المعاملة” لصالح منافسي النصر المباشرين على اللقب، خاصة الهلال الذي يتصدر جدول ترتيب دوري روشن السعودي بفارق نقطة واحدة عن النصر.
الهلال خطف الأضواء مجددًا خلال الميركاتو الشتوي، بضمّه النجم الفرنسي كريم بنزيمة من الاتحاد، إلى جانب المدافع الإسباني بابلو ماري القادم من أرسنال سابقًا، والمهاجم الشاب محمد قادر ميتيه من رين مقابل نحو 26 مليون جنيه إسترليني. في المقابل، بدا نشاط النصر متواضعًا باكتفائه بالتعاقد مع المدافع العراقي الشاب حيدر عبد الكريم (21 عامًا)، ما عُدَّ خطوة غير كافية لرفع جاهزية الفريق في خضم صراع الصدارة، وأثار غضب القائد البرتغالي البالغ من العمر أربعين عامًا.
وعلى الرغم من تصاعد الحديث عن “إضراب” رونالدو ورفضه المشاركة في المباراة الأخيرة، رفض الرئيس التنفيذي للنادي، جوزيه سيميدو، الإدلاء بأي تصريح، تاركًا المجال للتكهنات حول طبيعة الخلاف ومدى عمقه داخل أروقة الإدارة.
رونالدو كان قد جدّد عقده مع النصر في يونيو الماضي لمدة عامين، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو نصف مليون جنيه إسترليني يوميًا، وهو ما جعله الواجهة الأبرز لمشروع التطوير الكروي السعودي. إلا أن التطورات الحالية تضع علامات استفهام حول استمراره، خصوصًا وأن اللاعب يقترب من نهاية مسيرته ويحلم ببلوغ الهدف التاريخي المتمثل بتسجيل ألف هدف رسميًّا، إذ لا يزال يفصله عن هذا الرقم 39 هدفًا فقط.
أكّد ونالدو، في كلمة ألقاها خلال حفل جوائز أقيم في دبي في ديسمبر الماضي أن شغفه باللعب لا يزال قويًا، وقال حينها: “رغبتي لم تتراجع، وسأواصل طالما أستطيع، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط. هدفي بلوغ الألف هدف، وسأحققه ما لم تعيقني الإصابات”.
ومن المقرر أن يمثل رونالدو منتخب بلاده البرتغال في كأس العالم المقبلة بأمريكا الشمالية، بعدما حصل على إعفاء من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خفّف بموجبه عقوبة الإيقاف التي تعرّض لها إثر طرده في مباراة ودية أمام إيرلندا. وبموجب القرار، ألغيت مباراتان من أصل ثلاث كانت ستُحرمه من الظهور في دور المجموعات، على أن يبقى هذا الامتياز مشروطًا بعدم ارتكابه مخالفة مماثلة خلال فترة المراقبة.
نادي النصر يدرك أن استعادة هدافه في أسرع وقت أمر حيوي، خاصة وأن رونالدو ساهم بتسجيل 17 هدفًا في 18 مباراة هذا الموسم. المباراة المقبلة أمام الاتحاد في السادس من فبراير تحمل أهمية مزدوجة؛ فهي اختبار تنافسي حاسم، وفرصة لإظهار ما إذا كانت الأزمة تمضي نحو الحل أم نحو قطيعة جديدة.
تتجاوز القصة الخلافات بين نجم وإدارة، لتعكس واقع الضغوط الهائلة التي تصاحب المشاريع الرياضية الكبرى حين تتقاطع مع الطموحات الشخصية للاعبين الأسطوريين. وبين الرغبة في الإنجاز الفردي والسعي للحفاظ على توازن الفرق، يبقى الحوار الهادئ والشفافية في إدارة الشؤون الداخلية السبيل الأمثل لتفادي انقسام المطاف داخل غرفة الملابس، وحماية الاستقرار الرياضي الذي بُنيت عليه النجاحات الأخيرة لكرة القدم السعودية.
كريستيانو رونالدو يستثمر 7 ملايين جنيه إسترليني في جزيرة سعودية خاصة


تعليق واحد
لم تكن أزمة رونالدو في فبراير الماضي مجرد غياب عن تدريبات، بل كانت كاشفة لحجم الضغوط التي يفرضها سعي الأسطورة البرتغالية نحو هدفه التاريخي (1000 هدف). هذا الصدام بين طموح رونالدو الفردي وبين سياسات الأندية في الميركاتو، يظل درساً في إدارة النجوم الكبار؛ حيث لا يتوقف التحدي عند تسجيل الأهداف، بل يمتد ليشمل إدارة غرف الملابس وطموحات الإدارة في سوق الانتقالات.