الرئيسية » الهدهد » صندوق الثروة السيادية.. خزينة ابن سلمان التي ضربت القطاع الخاص في مقتل

صندوق الثروة السيادية.. خزينة ابن سلمان التي ضربت القطاع الخاص في مقتل

وطن- قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إن صندوق الثروة السيادية في السعودية بمنزلة دولة داخل الدولة، في ظل تعاظم نفوذه الاقتصادي في المملكة وخارجها وسط شكاوى من سيطرته بشكل من تزايد على القطاع الخاص في البلاد.

جاء ذلك في إطار تقرير مطوّل، نشرته الصحيفة عن صندوق الثروة السيادية في السعودية عقب تصاعد استثماراته الرياضية وآخرها لعبة الجولف في الولايات المتحدة الأمريكية.

وجاء في تقرير الصحيفة: “المال يتكلم!.. بهاتين الكلمتين، لخص روري ماكلروي الحالة المزاجية التي يمر بها مجتمع الغولف العالمي الذي يشعر بالذهول بعد الأخبار التي افادت بأن جولة المحترفين للجولف PGA التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها دخلت في شراكة مع الداعمين السعوديين للجولة المنافسة ليف جولف LIV”.

وعمل ماكلروي لما يقرب من عامين، كواجهة PGA حيث كافح لوقف تدفق اللاعبين الذين تخلوا عن الجولة التقليدية لصالح ملايين البترودولار التي قدمتها ليف جولف، وهي منافسة منفصلة موّلها صندوق الاستثمار العام، وهو صندوق الثروة السيادية في السعودية.

وتأسست “LIV” عام 2021، وقد قلبت عالم الجولف الأنيق رأسًا على عقب، مما أثار نزاعات قانونية وحطم صداقات استمرت لسنوات في جولة المحترفين المنافسة.

لكن حتى هذا الأسبوع، كانت الشركة الناشئة تكافح من أجل توقيع عقد تغطية تلفزيونية مع قناة رئيسية والحصول على صفقات تجارية كبيرة.

وبقي كبار اللاعبين مثل: ماكلروي وتايغر وودز مخلصين لجولة المحترفين بالرغم مما عاناه عالم الجولف من انقسام سام، لكن الصفقة التي تم الإعلان عنها هذا الأسبوع، والتي بموجبها يمكن لصندوق الاستثمارات العامة ضخ نحو ثلاثة مليارات دولار في كيان جديد تدعمه أكبر جولة جولف احترافية في العالم، رفعت مستوى ليف جولف إلى أعلى طاولة الرياضة.

وبحسب التقرير، انتصرت القوة المالية لصندوق الاستثمارات العامة في الرياض البالغة 650 مليار دولار، وقال ماكلروي: “إذا كنت تفكر في أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، فهل تفضل أن تكون شريكًا أم عدوًا له؟.. في نهاية اليوم، يتحدث المال ويفضل أن يكون [صندوق الاستثمارات العامة] شريكًا”.

وبرأي الصحيفة، لم يكن عالم الجولف فقط هو من شعر بالذهول، فقد كانت الصفقة واحدة من أكثر الأمثلة اللافتة للنظر حتى الآن على القوة والنفوذ المتنامي لصندوق الاستثمارات العامة تحت إشراف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

قمة جبل الجليد

وصفقة LIV-PGA هي قمة جبل الجليد لصندوق أعيد ابتكار عملياته على مدى السنوات الثماني الماضية، مما أدى إلى تغيير مشهد صناديق الثروة السيادية في الخليج الغني بالنفط وما وراءها بعد أن قام بنشر مئات المليارات من الدولارات في الداخل وفي الخارج.

وجاء الصندوق ليجسد طموحات الرياض، ويقود حملة الأمير محمد بن سلمان لزعزعة النظام القديم للأمة وإبراز المملكة على المسرح العالمي، وهو يعيد تشكيل الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى المملكة، حيث تجذب قوتها المالية الآن بعض الذين كانوا قلقين من التعامل مع الرياض بسبب سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان.

الرياضة هي واحدة من 13 قطاعاً إستراتيجيا حددها صندوق الاستثمارات العامة، لتقديم المزيد من خيارات الترفيه للسكان المحليين الشباب، وأيضاً لدعم العلامة التجارية السعودية في الخارج.

وفي السنوات الأخيرة، أنفقت الرياض عشرات الملايين من الدولارات لجلب عدد لا يحصى من الأحداث الرياضية إلى البلاد، من مباريات الملاكمة للوزن الثقيل إلى سباقات الفورمولا وان.

وقبل عامين، استحوذت الرياض على نادي كرة القدم الإنجليزي نيوكاسل يونايتد، والآن تنفق مئات الملايين من الدولارات لجذب بعض أفضل لاعبي كرة القدم على كوكب الأرض، حيث من المقرر أن ينضم اللاعبان الفرنسيان نجولو كانتي وكريم بنزيما إلى كريستيانو رونالدو في الدوري المحلي.

وقال سايمون تشادويك، أستاذ الرياضة والاقتصاد الجيوسياسي في كلية سكيما لإدارة الأعمال في فرنسا: “ترى السعودية نفسها في قلب نظام عالمي جديد، والاستثمار في الرياضة يساعد في المساهمة في هذا التموضع”.

لكن استثمار هذا الأسبوع يمنح السعودية للمرة الأولى، سيطرة جزئية على حلبة رياضية محترفة.

وسيكون لصندوق الاستثمارات العامة حصة أقلية ذات شأن في الكيان الجديد الذي سيوحد العمليات التجارية لجولة المحترفين للجولف والجولة الأوروبية وليف جولف.

وجاي موناهان، مفوض الجولة، سيكون الرئيس التنفيذي؛ وياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة وأحد المتعصبين للعبة الجولف في بلاده، سيكون مديره.

وقال جورج باين، مؤسس شركة الاستثمار الرياضي بروين كابيتال: “هذه الصفقة تمنحهم مقعدًا حقيقيًا على الطاولة لعقود”.

فيما أكّد تشادويك أنه مع ارتباط المنافستين، اشترى صندوق الاستثمارات العامة فعليًا في غضون عامين ما احتاجت الولايات المتحدة إلى القيام به على مدى عقود من خلال جولة المحترفين.

وأضاف: “قد يقول الناس: لماذا تشتري رياضة لعرض علامتك التجارية؟ .. انظر جيدًا إلى عشرات الملايين، إن لم يكن مئات الملايين، من الأشخاص الذين سيتعاملون يوميًا مع [الكيانات] السعودية. . . إنها لوحة إعلانية”.

ويقول منتقدون إن هذه هي آخر محاولة من جانب السعودية لـ”غسل سمعتها باستخدام الرياضة”، وبخاصة بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين في عام 2018 وهو الأمر الذي حول البلاد لفترة وجيزة إلى شبه منبوذة بين القادة الغربيين.

وبالنسبة للرميان، الصفقة تتعلق بالسعوديين أنفسهم وطموحاتهم وفق ما قاله لصحيفة فاينانشيال تايمز: “لماذا نفعل ذلك؟ نحن نفعل ذلك لجميع الأسباب السليمة بالنسبة لشعبنا: تحسين نوعية المعيشة، وإقامة المزيد من الأحداث الرياضية داخل المملكة”.

وأضاف: “لدينا نحو 75٪؜ من سكاننا تحت سن 35 لذلك إذا جمعت كل هذه الأشياء معًا، أعتقد أن الأمر لا يكون منطقيًا فحسب، بل منطقيًا من الناحية المالية”.

لا يعكس صندوق الاستثمارات العامة الأهداف طويلة المدى للمملكة فحسب، بل يعكس أيضًا الجرأة التي ميزت حكم الأمير محمد بن سلمان.

وفي الوقت الذي يتسم فيه عمل صناديق الثروة السيادية الخليجية التقليدية بالسرية، حيث لا تكشف سوى القليل قدر الإمكان عن محافظها الاستثمارية، يتباهى صندوق الاستثمارات العامة علنًا بأنه أصبح المستثمر الأكثر تأثيرًا في العالم.

وهدف الصندوق السعودي هو أن تصل قيمة أصوله تريليون دولار في غضون عامين، وأن تصل قيمتها إلى تريليوني دولار بحلول عام 2030.

وبالمقارنة، تدير النرويج أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم بأصول تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، والتي تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة عقود من تراكم فوائضها من النفط.

وقال دييجو لوبيز، المدير الإداري لـ”غلوبال إس دبليو إف” الذي يتتبع نشاط الصناديق السيادية: “لقد كان نمو الصندوق في فترة قصيرة للغاية .. لقد كان حقًا لا مثيل له”.

وبدأ تحول صندوق الاستثمارات العامة في مارس 2015، عندما أعلن الملك سلمان أن الصندوق والمجلس الذي تم إنشاؤه حديثًا سيرأسه ابنه الأمير محمد، والذي كان يبلغ من العمر 29 عامًا حينها.

وحتى ذلك الحين، كان صندوق الاستثمارات العامة أداة تطوير أكثر من كونه صندوق الثروة السيادية، كان حذرًا ويتجنب المخاطر وباستثمار دولي واحد فقط جدير بالملاحظة، وهو حصة في شركة صناعة الصلب في كوريا الجنوبية.

وقال التقرير: “عندما تولى محمد بن سلمان زمام الأمور، ولد الصندوق من جديد”، وأدى إلى تغيير جذري في شهية الرياض للمخاطرة والطريقة التي تدير بها ثروتها النفطية.

وحقق صندوق الاستثمارات العامة نجاحًا على الساحة الدولية عام 2016، باستثمار 3.5 مليار دولار في أوبر، وتبع ذلك رهان بقيمة 45 مليار دولار على صندوق رؤية سوفت بنك.

وفي السنوات التي تلت ذلك، استثمر الصندوق عشرات المليارات من الدولارات في الأسواق العالمية، مطاردًا الصفقات الانتهازية والإستراتيجية.

وشملت المقتنيات البارزة حصصًا في أستون مارتن وكرنفال، أحد أكبر مشغلي خطوط الرحلات البحرية في العالم؛ ولوسيد، وهي شركة تصنيع سيارات كهربائية تقوم ببناء مصنع إنتاج في المملكة.

وعلى مدار الثماني عشر شهرًا الماضية، كان الصندوق يستحوذ على حصص في شركات الألعاب الالكترونية كجزء من مخطط بقيمة 38 مليار دولار للسيطرة على هذه الصناعة، ومع ذلك، على الرغم من كل نشاطه الدولي، فإن التأثير الأكبر للصندوق كان في الداخل.

قوة مهيمنة

وأصبح الصندوق قوة مهيمنة في كل مكان في الاقتصاد السعودي، بعد أن حدد محمد بن سلمان الصندوق كأداة لدفع خططه لتطوير الأمة وفصلها عن إدمانها على النفط.

وأنشأ 79 شركة، تتراوح من تلك المتخصصة في إنتاج القهوة، إلى شركة طيران جديدة، وأعمال إعادة تدوير النفايات وشركة دفاعية، وحتى تجارة السجائر الإلكترونية.

ويتحمل الصندوق والشركات التابعة له مسؤولية كل شيء بدءًا من أهداف الطاقة المتجددة في الرياض وحتى التجديد الحضري والأمن الغذائي.

وبالإضافة إلى إنشاء صناعات جديدة، تم تكليف صندوق الاستثمارات العامة بتطوير سلسلة من المشاريع العملاقة والأكثر لفتًا للأنظار والمثيرة للجدل منها هي نيوم، مخطط بقيمة 500 مليار دولار لإنشاء مشروع مستقبلي ضخم على طول ساحل البحر الأحمر مع مدينة خطية بطول 170 كيلومترًا في الصحراء، تُعرف باسم لاين، في قلبها.

لكن هناك كثير قيد التنفيذ، كما يقول مسؤول تنفيذي عمل مع صندوق الاستثمارات العامة: “أياً كان ما تعتقده فإن ما هو موجود من مشاريع ضعف ذلك”.

وذكرت الصحيفة: “أولئك الذين يشقون طريقهم إلى الرياض على أمل الاستفادة من ثروات الصندوق يتوجهون الآن إلى مقر جديد مكون من 77 طابقًا يسمى برج صندوق الاستثمارات العامة، وقد ارتفع عدد موظفيه من 40 عام 2015 إلى 2500 اليوم”.

والعام الماضي، افتتح الصندوق مكاتب في نيويورك ولندن وهونج كونج.

ويتلقى محمد بن سلمان تقارير نصف شهرية عن محفظة شركات الصندوق، ويتم تشغيل صندوق الاستثمارات العامة بطريقة تعكس التسلسل الهرمي المركزي من أعلى إلى أسفل برعاية الوريث، كما يقول التنفيذيون الذين شاركوا مع الصندوق.

وألمح الرميان لما يحدث عندما ينقسم المجلس خلال مقابلة مع بودكاست سعودي في أكتوبر، وضرب مثالاً حصل عام 2020 عندما أراد ولي العهد والرميان الاستفادة من اضطرابات السوق العالمية لاقتناص الأصول الرخيصة وحذر أعضاء آخرون في مجلس الإدارة من أنه من الحكمة الاستثمار في الداخل.

وأشار المصرفي الاستثماري السابق إلى أن مجلس الإدارة يقدم تقاريره إلى مجلس يرأسه محمد بن سلمان الذي يخضع للملك، وقال: “ذهبنا إلى الملك.. وكان هناك أمر للحصول على رأي الرئيس (محمد بن سلمان) والمحافظ (الرميان) وحدث ذلك”.

وواصل صندوق الاستثمارات العامة استثمار 35 مليار دولار في الأسواق العالمية ويقول مدير كبير في أحد مشاريع صندوق الاستثمارات العامة إن بعض الخطط سرية للغاية ولا يعرفها سوى أربعة أشخاص قبل الإعلان عنها لكنه يضيف: “إذا وثق بك محمد بن سلمان، فإن السرية تخف قليلاً”.

قد يعجبك أيضاً

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.